على طريقة منح الجنسية المصرية لمن يدفع، قرر المجرم عبد الفتاج السيسي فتح مصر زمن وصولهم لأوربا، في تلبس جديد لوظيفة يعشقها الانقلابي السيسي بالقيام بأدوار القاتل المجهول والشرطي المرتزق، الذي يقوم بوظائف أمنية قذرة وغير قذرة لمن يدفع، سواء كان الحليج أو أوروبا أو أمريكا.

فبالمخالفة للقوانين المصرية الراسخة والتقديرات العسكرية والاستراتيجية، ضحى السيسي بالأمن القومي المصري، الذي ظل مبارك متمسكا به وقيادات الجيش المصري، الذين ظلوا لعقود رافضين المطالبات الأوروبية بفتح معسكرات لاجئين على أرض مصر، قرر السيسي وفق مصادر دبلوماسية، تحدثت أمس لصحف عربية، إنشاء مراكز على السواحل الشمالية والحدود الجنوبية والغربية والشرقية لمصر مع جيرانها؛ لاستضافة اللاجئين برعاية وتمويل أوروبا، وذلك للمرة الأولى، فيما يُعتبر نقلة نوعية في تعاطي الحكومة المصرية الانقلابية مع قضية اللاجئين والهجرة غير الشرعية منذ عهد المخلوع حسني مبارك، إذ كانت السلطات العسكرية والأمنية في مصر تعارض دائما كل مقترح في هذا الاتجاه، باعتبار أن إنشاء مراكز لاستضافة اللاجئين أو جمع المهاجرين غير الشرعيين سيتسبّب في ضرر كبير للأمن القومي المصري.

كما أبدى نظام السيسي خلال السنوات الثلاث الماضية اعتراضه على مثل تلك المقترحات خلال لقاءات جمعت مسؤولين مصريين ومسؤولين ألمان وإيطاليين قبل تطبيق قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية الذي أصدره السيسي منذ عامين، والذي منح بمقتضاه سلطة مطلقة للجيش والرقابة الإدارية في ملاحقة عصابات الهجرة المنتشرة في بعض محافظات الدلتا، فضلاً عن تطبيق سياسة أكثر صرامة مع المتسللين عبر الحدود مع السودان وليبيا.

ووفقا للمصادر الدبلوماسية، فإن المسؤولين المصريين كانوا يرددون أن إنشاء مراكز للاستقبال يتناقض مع القوانين المحلية، وربما يتصادم مع الدستور، الأمر الذي تغيّر في الأيام الأخيرة عندما أعرب السيسي عن قبوله التفاوض حول هذه المسألة، ولكن بشروط محددة أبرزها تحمّل أوروبا التكاليف المالية للإقامة والمعيشة والانتقال للبلدان الأصلية، وكذلك تمويل التكاليف الأمنية والحمائية التي ستتكبّدها الدولة المصرية في هذه العمليات.

وتضمنت المفاوضات التي أجراها السيسي مع المستشار النمساوي سيباستيان كورتس، قبل نحو أسبوع، حول سبل تلقي مصر دعما ماليا ومهنيا واجتماعيا من أوروبا كمكافأة على نجاحها في وقف موجات الهجرة غير الشرعية على مدى العامين الماضيين، وإعانة لها على الاستمرار في وقف تلك الموجات في إطار برنامج أوروبي متكامل.

السجل الأسود لحقوق الإنسان

لكن تلك القوى قلقة في الوقت نفسه من أن يؤثر توجيه الجزء الأكبر من التمويل إلى دولة أخرى على تعاون القاهرة مع دول الاتحاد، وعلى رأسها إيطاليا وفرنسا وألمانيا، في وقف موجات الهجرة غير الشرعية من أراضيها من جهة، ومن جهة أخرى الدور الذي يؤديه الجيش المصري بتنسيق مع فرنسا وإيطاليا وروسيا في ضبط السواحل الليبية، التي ما زالت تُعتبر الخطر الأكبر على استقرار جنوب أوروبا.

مخاطر أمنية واجتماعية

وهناك اعتبارات عدة تجعل التعامل مع مصر محفوفا بالمخاطر في ظن تلك القوى، منها ضعف البنية التحتية للمرافق والصحة والتعليم في مصر، والسجل السيئ لمصر في ملف حقوق الإنسان والتعامل مع اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين بقسوة بلغت حد إراقة الدماء في حالات عديدة، فضلاً عن سوء أحوال اللاجئين المسجلين في مصر لدى المفوضية السامية التابعة للأمم المتحدة، خصوصاً من جنسيات السودان وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان.

وتضاف هذه الاعتبارات المتعلقة بمدى فاعلية فكرة إنشاء مراكز استقبال اللاجئين في مصر، إلى اعتبارات أخرى مرتبطة بصلاحية الحكومة المصرية لتلقي تمويل ضخم لرعاية الجماعات المحتمل وصولها إلى أوروبا عموما، إذ ترى تلك القوى الأوروبية أن الحوافز لن تنعكس بالإيجاب على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للاجئين في مصر أو المواطنين المصريين الأكثر فقراً، الذين كانوا يمثلون أكثر من نصف عدد المهاجرين غير الشرعيين إلى إيطاليا تحديدا.

وسبق أن قالت سلطات الانقلاب إنها تستضيف “ملايين اللاجئين”، على الرغم من أن بيانات إحصائية منشورة على موقع المفوضية السامية للاجئين تقول إن مصر تستضيف نحو 219 ألف لاجئ فقط، منهم 127 ألف مواطن سوري، وخصصت المفوضية في العام الماضي 2017 نحو 72 مليون دولار لرعاية هذا العدد من اللاجئين. وتُعتبر مصر بذلك من أقل دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استضافة للاجئين الذين تُعنى الأمم المتحدة برعايتهم، خلف تركيا التي تستضيف أكثر من 3 ملايين، والسودان التي تأوي أكثر من مليونين، ولبنان الذي يستضيف أكثر من مليون لاجئ، وحتى ليبيا التي فيها أكثر من نصف مليون. لكن ما يجعل مصر مهمة بالنسبة لأوروبا، هو أنها تحتضن ملايين الأجانب الذين يتخذونها كمعبر وسيط لتسهيل الانتقال لأوروبا أو أميركا أو أستراليا، أو الذين يتخذونها كوجهة نهائية للاستقرار ويرتبطون فيها بالمواطنات أو المواطنين المصريين ويشرعون في بناء عائلات منفصلة عن بلدانهم الأصلية.

المرمطون.. من مكافحة الإرهاب للهجرة غير الشرعية

السيسي بعد تمسكه طوال السنوات الأربع الماضية بتقديم نفسه باعتباره محاربا للإرهاب، محاولا إقناع الغرب بغض البصر عن سياساته ضد المعارضة والقوانين التي يسنها لغلق المجال العام، بدأ السيسي البحث عن وسائل جديدة للحصول على شرعية لا يستحقها، تمثلت هذه المرة في تقديم نفسه باعتباره القادر على مواجهة ملف الهجرة غير الشرعية التي تؤرق الدول الأوروبية، وساهمت في وصول حكومات يمينية متطرفة إلى سدة الحكم في القارة العجوز.

محاولات السيسي لاكتساب الشرعية ظهرت جليا في لقاءاته مع مسؤوليين غربيين الأسبوع الماضي، وفي تصريحات أطلقها أشهرها زعمه بأن مصر لم تسجل حالة هجرة غير شرعية واحدة من أراضيها منذ عام 2016، مشيرا الى الأعباء التي تتحملها بلاده في سبيل تحقيق ذلك، إضافة إلى سيطرة الملف نفسه على فعاليات المؤتمر الأول للنواب العموم لدول إفريقيا وأوروبا، الذي افتتحه نائب عام الانقلاب نبيل صادق، مؤخرا في مدينة شرم الشيخ، لمناقشة التعاون القضائي الدولي في تحقيق وملاحقة جرائم الإتجار بالبشر وتهريب المهاجرين.

ويبدو أن تحركات السيسي ومحاولته اللعب على مخاوف القارة العجوز من تدفق المهاجرين، بدأت تؤتى ثمارها، حيث جاءت كلمة لورون دو بوك مدير برامج المنظمة الدولية للهجرة في مصر، خلال المؤتمر لتؤكد ذلك.

دو بوك قال إن “هناك تعاونا وثيقا بين مصر والمنظمة من أجل مكافحة جرائم الإتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية”، مشيرا إلى أن “مصر لها دور كبير في هذا المجال وخبرة وتعد محورا أساسيا لمواجهة تلك الجرائم”.

وأضاف أن المنظمة «وفرت في مصر مساعدات منذ 2014 حيث تم تقديم الدعم لأكثر من 7 آلاف ضحية من خلال المساعدة في التعليم وتوفير فرص عمل وخدمات صحية وتأهيل ما بعد صدمة الهجرة غير المشروعة”.

كما حث مستشار النمسا سيباستيان كورز، الاتحاد الأوروبي على الدخول في محادثات مع مصر للمساعدة على وقف تدفق المهاجرين الذين يدخلون إلى أوروبا قادمين من أفريقيا.

محاولة السيسي تقديم نفسه باعتباره قادرا على مواجهة ملف الهجرة غير الشرعية، لم تبدأ اليوم، بل قبل عامين، عندما صادق في نوفمبر 2016، على قانون «مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين، الذي تضمن عقوبات تصل للسجن المؤبد وغرامة 500 ألف جنيه لمن يشترك في جريمة الهجرة غير الشرعية.

وفي 2 مارس 2017، وقفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بجوار السيسي أمام حشد من الصحفيين في قصر الاتحادية بالقاهرة، لتعلن أن «السيسي شريك أساسي في خطط أوروبا لإحباط الهجرة غير الشرعية». كان هذا الملف هو أحد الأسباب الرئيسية الذي جعل المستشارة تقوم بزيارة لمصر، في ذلك الوقت، وعدت ميركل السيسي بمنحه مساعدات إضافية للقيام بمهام وقف الهجرة غير الشرعية عبر الشواطئ المصرية نحو أوروبا. وكانت مصر تمر بمرحلة حاسمة جداً من الناحية الاقتصادية. وتعهدت برلين بمنح القاهرة 500 مليون يورو كمساعدات مالية بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي.

كان السيسي يعلم جيداً أن الهجرة غير الشرعية هي الهاجس الأكبر لأوروبا، وأن أحد أهم مفاتيح اعتماده أوروبياً هو عبر نجاحه في هذه المهمة.

المقابل المادي

جاء اوروبيا، وكخطوة اولى، في إعادة جدولة الديون، حيث اتفق قادة الاتحاد الاوروبي يوم الخميس قبل الماضي على بدء مفاوضات مع مصر ودول أخرى في شمال إفريقيا، باعتبارها “خطوة إضافية مهمة» لوقف الهجرة الى أوروبا، كما أعلن المستشار النمساوي سيباستيان كورتز”.

ووافقت برلين وباريس على إعادة جدولة جانب من الديون المصرية، سيتم الاتفاق عليها وتحديدها لاحقا.

وفي مقابل تلك الادوار التي يشغلها السيسي للغرب يجري الصمت على جرائمه وانتهاكات نظامه العسكري لحجقوق الانسان بشهادة منظمة العفو الدولية والمفوض السامي للامم المتحدة، كما يجري تمرير القروض وصفقات السلاح من اوروبا، في اطار ثفقة خبيثة بين اوروبا والسيسي على حساب الشعب المصري، الي اوشك على الانفجار بوجه الستبداد والقمع الأمني والاقتصادي.

Facebook Comments