للمرة الأولى منذ بدء انعقاد برلمان الأجهزة الأمنية في يناير 2015، قام زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي برفض مشروع قانون “التجارب السريرية” والذي أقره مجلس نوابه في 14 مايو 2018م، بعد حالة من الجدل الساخن، وأبدى السيسي 4 ملاحظات على رفضه لمشروع القانون المثير للجدل.

ويعد قانون «التجارب السريرية» أول تشريع ينظم اﻹجراءات المتعلقة بإجراء بحوث سريرية على البشر في مصر، وذلك رغم أنها تحتل المركز الثاني أفريقيًا في قائمة الدول اﻷكثر استضافة للتجارب السريرية للعقاقير تحت رعاية الشركات الدولية متعددة الجنسيات. ورغم أهميته، إلا أن القانون أثار عددًا من الانتقادات وقت صدوره.

ويُقصد بالبحوث الطبية الإكلينيكية «التجارب السريرية» تلك المتعلقة باكتشاف وتطوير أي دواء جديد أو أساليب علاجية أخرى. وتبدأ عملية اعتماد دواء جديد باكتشاف مادة فعالة قد تصلح لعلاج مرض. يتم اختبار تلك المادة معمليًا على أنسجة مُصابة بالمرض المستهدف، ثم تجربته على الحيوانات، وإذا نجحت تجارب الدواء خلال الخطوات السابقة في معدلات الشفاء ومعايير اﻷمان، يُسمح باختبار ذلك الدواء على البشر. وفي حالة نجاح التجربة على البشر، يمكن طرح الدواء الجديد في اﻷسواق وتسويقه.

مسرح عالمي

وتسبب غياب تشريع واضح ينظم عملية تجربة الدواء على البشر -التجارب السريرية- في تحويل مصر إلى مسرح عالمي لإجراء تلك التجارب واستغلال المرضى للمشاركة فيها دون أي ضمان لحقوقهم. بحسب تقرير «أسئلة أخلاقية حول التجارب السريرية على الدواء في مصر”، والذي أعدته عدة منظمات حقوقية محلية ودولية، تحتل مصر المركز الثاني إفريقيًا في قائمة الدول اﻷكثر استضافة للتجارب السريرية للعقاقير تحت رعاية الشركات الدولية متعددة الجنسيات.

وأرجع التقرير أسباب ارتفاع النسبة إلى انتشار الجهل بالأدوية والعلاجات، والتكلفة المنخفضة ﻹجراء تلك التجارب في مصر.

وأثار مشروع القانون جدلًا واسعًا منذ الإعلان عنه، إذ يتخوف كثيرون من تحول المصريين لفئران تجارب لشركات الأدوية العالمية جراء هذا القانون، ويفتح الباب أمام عمليات السمسرة والتجارة بالفقراء، واستغلالهم في تجريب الأدوية وإجراء البحوث الطبية والعلاجية عليهم، ولذا أرسلت نقابات الأطباء والصيادلة بملاحظاتها للبرلمان حول مشروع القانون الجديد لكن البرلمان تجاهل معظم هذه الملاحظات.

“4” ملاحظات

وأبدى السيسي في رده 4 ملاحظات على مشروع القانون:

أولا: ما يتعلق باشتراط موافقة المخابرات والجهات الرقابية، على خطة أي بحث قبل إجرائه، وهي المواد: « 4-5-9-11-19-20»، وتشترط تلك المواد موافقة المخابرات العامة، والهيئات الرقابية، والمجلس الأعلى على أي بروتوكول بحث قبل إجرائه، وهو الأمر المستحيل بحسب نص المذكرة لوجود حوالي 16 ألف بروتوكول بحث في العام الواحد.

ثانيا: ما يتعلق بانخفاض تمثيل الجامعات والهيئات البحثية في المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية، حيث تناولت الملاحظات المادة«8»، التي تقول إن المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية مكون من 15 شخصًا بينهم أربعة فقط من الجامعات والهيئات البحثية التابعة لوزارة التعليم العالي، بالرغم من أن 97 % من الأبحاث بحسب ما ذكره نص القرار تجرى في تلك الجامعات، والهيئات، وجاء في تلك الملاحظة أيضًا انتقاد تولي رئيس الإدارة المركزية للبحوث الطبية بوزارة الصحة «الأمانة العامة للمجلس الأعلى»، على الرغم من أن جزءًا ضئيلًا جدًا من الأبحاث الطبية الاكلينيكية تجرى في وزارة الصحة بحسب المذكرة.

ثالثا: الملاحظات ما يتعلق بالمواد العقابية التي يفرضها القانون على الباحثين في حالة خطأهم، حيث انتقدت الملاحظات هذه المواد العقابية في المواد من «28» لـ«35» حيث جاء في ثالث الملاحظات حيث قد «تسبب فى إحداث حالة من الرعب والخوف الشديد لدى الباحثين مما قد يؤدى إلى الأعراض عن البحث العلمى فى جمهورية مصر العربية»،لأنها «لا تأخذ فى عين الاعتبار طبيعة البحث وتعتبر المخالفات متساوية فى جميع أنواع البحوث بغض النظر عن طبيعة وتصميم البحث”.

رابع الملاحظات ما يتعلق بحظر إرسال عينات بشرية للخارج، بحجة عدم معرفة الجينات المصرية والعبث بها، وجاء في نص القرار «أن الجينات المصرية تم دراستها بواسطة مؤسسة النامرو التابعة للبحرية الأمريكية ، كما يوجد أكثر من 10 ملايين مصرى بالخارج يمكن بسهولة الحصول على تركيبهم الجيني».

انتقادات لمشروع القانون

وكانت نقابة الأطباء قد قدمت “12” ملاحظة حول مشروع القانون أهمها وجوب النص على نشر كل البروتوكولات التفصيلية للتجارب التي يوافق عليها المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية على موقعه الرسمى لضمان شفافية الإجراءات، والحماية الكافية للمبحوثين، وهي الملاحظات التي لم يستجب لها مجلس نواب العسكر.

كما أبدت نقابة الصيادلة سبع ملاحظات على مشروع القانون، أهمها أنه كان يجب أن يسبق ظهور التشريع صدور قانون الهيئة المصرية للدواء لأن جزءًا منه ينظم البحوث اﻹكلينيكية والعمل على تطوير قطاع الدواء، بحسب تصريحات صحفية لوكيل النقابة مصطفى الوكيل في أبريل الماضي.

وكان أيمن سبع، الباحث في ملف الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قد أبدى 4 ملاحظات على مشروع القانون أهمها ما يتعلق بتشكيل المجلس الأعلى لأخلاقيات البحوث الطبية المنوط به إدارة وتنظيم البحوث الطبية حيث أغفل تواجد ممثلين للمجتمع المدني، بينما في الجهة المقابلة ركز التشكيل على تواجد ممثلين لعدة جهات سيادية وحكومية. والثانية هو نص القانون على موافقة جهاز المخابرات العامة قبل إصدار الدواء حيث شكك في جدوى الإجراء طالما ممثل الجهاز موجود ي تشكيل المجلس الأعلى واعتبره إجراء بيروقراطيا معطلا للبحث العلمي.

تحاليل المبحوثين

أما النقطة الثالثة الهامة، فيقول سبع إنها خاصة بمنع إرسال أي تحاليل خاصة بالمبحوث لتحليلها خارج مصر لبيان علاجه من الدواء أم لا، موضحًا أن هناك عدة معامل في العالم تحاليلها معتمدة دوليًا وتؤخذ كمرجع، لكن تلك المعامل غير موجودة بمصر. ولهذا يضطر الباحثون والشركات التي تجري أبحاثها في مصر لإرسال تحاليل المبحوثين خارج مصر كي يكتسب الدواء ثقة عالمية، لكن بعض الجهات السيادية رفضت ذلك.

ويرى سبع أن هذا سيجعل بعض الشركات العالمية تتخوف من إجراء التجارب بمصر، كما سُيعطل أيضًا الكثير من الباحثين. كما استنكر سبع نص القانون على وجود عقوبة الحبس للباحثين ضمن عقوباتهم في حالة الأخطاء أثناء التجربة. بحسب رأيه، فإنه من غير المعقول النص على حبس باحث لخطأ طبيعي قد يقع أثناء التجربة.

وفيما يتعلق بالشفافية، لم يُلزم القانون نشر أو إتاحة بيانات التجربة، مكتفيًا بإلزام الباحث بالاحتفاظ بجميع الوثائق الرئيسية والبيانات الخاصة المتعلقة بالبحث الطبي لدى قاعدة البيانات الخاصة بالمجلس الأعلى داخل جمهورية مصر العربية. وعلى الرغم من إغفال القانون لهذه النقطة، إلا أن أيمن سبع يرى أنه يمكن تجاوز ذلك عبر النص عليه في اللائحة التنفيذية.

Facebook Comments