سيسجل التاريخ نهاية حزينة ومؤسفة لإحدى قلاع الصناعة فى مصر، بعدما قررت الجمعية العامة غير العادية لشركة القومية للأسمنت، تصفية الشركة رسميًا بعد موافقة 99.42% من مساهميها.

وشهدت الجمعية التي انعقدت أمس الثلاثاء رفض 70 مساهمًا لقرار التصفية وامتناع نسبة لا تتعدي 0.11% عن التصويت.وبهذا القرار ودعت صناعة اﻷسمنت في مصر، عصرها الذهبي على اﻷقل لعدة سنوات مقبلة؛ نتيجة الأوضاع التي يشهدها السوق من هيمنة العسكر على تلك الصناعة الإستراتيجية والحيوية.

قلعة صناعية

يذكر أن الشركة القومية للإسمنت تابعة لشركة الصناعات الكيماوية التابعة لوزارة قطاع الأعمال العام، ويقع مقرها الرئيسي ومصنعها في حلوان، تأسست عام 1956 بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 7969 الصادر في 14 مارس 1956، وتم تعديل هذا النظام لأحكام قانون شركات قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991.

ويتكون مصنع الشركة القومية للإسمنت من ٦ أفران، منها ٤ أفران تعمل بالطريقة الرطبة، تبلغ طاقتها التصميمية نحو 0.8 مليون طن كلنكر سنويا، وفرنان بالطريقة الجافة طاقتهما التصميمية 2,7 مليون طن كلنكر سنويا، وتبلغ الطاقة التصميمية للشركة ككل 3,5 مليون طن إسمنت سنويا، وأنفق على تطويرها نحو مليارى جنيه.

كما تمتلك الشركة أراض بمنطقة التبين جنوب حلوان تبلغ مساحتها حوالى 876 فدانا، منها 549 فدانًا مسجلة، والباقى عبارة عن أرض فضاء.

وكانت دراسة قد أعدتها لجنة “البحوث التعدينية” التابعة لوزارة الصناعة ،قد أوصت بعدم ضخ اية استثمارات جديدة في الشركة لإعادة تشغيلها في ظل الظروف السائدة حاليا والمتمثلة في تدنى أسعار بيع الأسمنت ووجود عمالة زائدة بصورة مبالغ فيها تصل إلى 6 أو 7 أضعاف العدد المطلوب وارتفاع أسعار الطاقة.

واعترض العاملون بالشركة والنقابة العمالية لها على قرار التصفية، لما يمثله من خطر على حقوق العمال ومصيرهم.

ورد رئيس الشركة القابضة على العاملين قائلاً: “أكثر ما يحزنني هو الحديث عن البطالة في الوقت الذي تعاني فيه المناطق الصناعية من نقص العمالة.. مطلوب 120 ألف عامل في مدينة العاشر من رمضان برواتب مضاعفة وتلجأ الشركات لاستيراد عمالة آسيوية لسد العجز”.

بداية الجريمة

وتعود الواقعة لأعوام مضت، حيث ناشد آلاف العاملين في القومية للإسمنت، وزير قطاع الأعمال خالد بدوي آنذاك، بتحسين اللائحة المالية، خاصة أنها تنص على متوسط آخر عامين بإجمالي مجموع الأجور بالحوافز وبدل الطبيعة والبدلات والوجبة وشهور المناسبات والأرباح، وكل ما يتقاضاه العامل خلال آخر سنتين.

وقال العاملون إن الشركة أوقفت إنتاج الكلينكر، عقب خطاب أرسلته إلى شركة الإدارة الفنية FLS، كشفت فيه عن موافقتها على إجراء تعديلات بين الشركتين في تشغيل وصيانة طواحن الإسمنت لطحن مخزون الكلينكر لإنتاج الإسمنت فقط، رغم إنفاق نحو 1.116 مليار جنيه على تطوير المصنعين خلال الفترة من 2013 حتى 2016.

تشريد العمال

بعد بيع شركة “إسمنت طره”، أصبحت القومية للإسمنت، الوحيدة التابعة للقطاع العام، التي ظلت تعمل في مجال الإسمنت وطحن الكلنكر، ورغم ذلك لم يشفع هذا لها من تلويح الحكومة ببيعها وقتها.

غير أن إدارة الشركة امتنعت عن صرف الرواتب للعاملين لأشهر عدة، بحجة قرار وقف الشركة وخسائرها المستمرة، حيث أكد العاملون في تصريحات لهم، أن وقف الرواتب يهدد أكثر من 1500 عامل منهم بالسجن؛ نظرًا لأنهم حاصلون على قروض من البنوك بضمان وظيفتهم، لم ينتهوا من سدادها.

وتضم الشركة نحو 1700 عامل، وتزعم إدارة الشركة أنها تحقق خسائر بعد ارتفاع تكلفة المنتج نتيجة ارتفاع أسعار الغاز، بينما أعلن العمال أنهم حققوا المستهدف في الخطة بنسبة 112%، وأن الخسائر ليست بسببهم، بل بسبب الفساد والنهب .

التصفية

وعلى مدار أكثر من 60 عاما عاشت شركات قطاع الأعمال ، حالة من الفشل غير المسبوق، بسبب السياسات الاقتصادية الفاشلة التي اتبعها العسكر فى أدارة هذا الملف ، والذي يعد القلعة الرئيسية للاقتصاد المصري، وعصب موارد الدولة ، وخلال الخمس أعوام الماضية يتعرض القطاع لخسائر كارثية ، آدت لإهدار المليارات ، بخلاف النهب المستمر من خلال التفريط فى شركاته بالبيع بأسعار لا تساوى قيمتها الحقيقية

وأدى ذلك إلى ارتفاع ديون “القومية للأسمنت” لأكثر من 5 مليارات جنيه، وخسارتها 1.6 مليار جنيه خلال آخر 18 شهرا. بينما أكد العمال أنهم ليسوا سببًا في الخسائر الواقعة على الشركة، وتصفيتهم تعد “جريمة” في حق آلاف الأسر، وذلك بعد خفض حوافزهم من 390 إلى 75%، فضلًا عن تقسيم الحافز إلى 75% في خانة الحافز، و225 في خانة “الدعم المؤقت”.

ووفقًا لمذكرة مُقدمة من العمال للدكتور خالد بدوي، وزير قطاع الأعمال السابق، فإن رواتبهم لا توازي 50% من رواتب عمال شركات الإسمنت الأخرى، يضاف إليها المخاطر البيئية التى يتعرضون لها من أمراض مزمنة من “التحجر الرئوى والالتهابات الصدرية وأمراض السرطان وتقليل نسب الخصوبة لشباب العاملين”.

رواتبنا 2500 جنيه

كانت تصريحات عبد الفتاح السيسى، قائد الانقلاب العسكري، مؤخرا حول رواتب عمال شركة “القومية للإسمنت”، قد أثارت ردود أفعال غاضبة بعدما ذكر أن رواتبهم وصلت إلى 14 ألف جنيه، ما أدى إلى غلق المصنع وتصفية آلاف العمال.

ومن أجل إفساح المجال لشركات القوات المسلحة، بعدما هيمنت على صناعات “الأدوية، وألبان الأطفال، والمزارع السمكية، واللحوم المبردة والدواجن”، أنهى العسكر قصة الشركة القومية للإسمنت، ولجأ الى تسريح العمال وعرض أرضها للبيع.

وفجرت النائبة دينا عبد العزيز، عضو مجلس نواب العسكر عن دائرة حلوان، الأمر بعد تقدمها بطلب إحاطة للمهندس شريف إسماعيل رئيس مجلس وزراء الانقلاب السابق، والدكتور خالد بدوي وزير قطاع الأعمال العام الأسبق، ووزير القوى العاملة محمد سعفان الحالى بحكومة الانقلاب، بشأن تخفيض المستحقات المالية الشهرية للعاملين بالشركة القومية للإسمنت، واستصدار قرارات “استفزازية” للعمال تتضمن تخفيض مستحقاتهم بنسبة 300% وفتح باب المعاش المبكر.

وقالت النائبة، في نص طلب الإحاطة: هناك عدد من العاملين بالشركة يتراوح إجمالي مستحقاتهم المادية “الأجر المادي الشامل” بين 2500 و5000 جنيه، وأن تخفيض المستحقات يعكس الظلم الواقع على هؤلاء العمال.

إمبراطورية الجيش

وهكذا أصبح العسكر يهيمنون على نسبة تتراوح بين الـ50-60% من الاقتصاد، ويستحوذون على 90% من أراضي مصر،وذلك بحسب تقرير لرويتر في 16 مايو2018 ، و أكد التقرير أن وزارة الإنتاج الحربي تتوقع أن تصل إيرادات التشغيل من شركاتها العشرين إلى 15 مليار جنيه في السنة 2018-2019 أي خمسة أمثال ما كانت عليه في 2013-2014 وفقا لرسم بياني أعدته الوزارة.

كما أكد التقرير أن الجيش يملك 51 % من شركة تتولى تطوير العاصمة الإدارية الجديدة التي تقدر استثماراتها بنحو 45 مليار دولار فينافسون بذلك أصحاب المشاريع الأخرى الخاصة المدنية، وعلى رأسها شركات قطاع الأعمال.
وسطا العسكر كذلك على “لقمة الإسمنت”، حيث أعلن مصنع العريش، التابع للقوات المسلحة، طرح نحو 15 ألف طن أسمنت بالسوق المحلية؛ بزعم التصدي لارتفاع الأسعار، وذلك بعد قرار إدارة الإنتاج بفرعى المصنع ببنى سويف وسيناء، بزيادة الكمية المطروحة من 8 آلاف طن إلى 15 ألف طن يوميا.

وكانت الفترة الماضية قد شهدت بدء أعمال التوسعة فى المصنعين، تضمنت إضافة 6 خطوط فى مصنعى العريش وبنى سويف، وإضافة خط آخر في المصنع الرئيسى بسيناء؛ بهدف زيادة الإنتاج ليشمل السوق المحلية، إلى جانب سد احتياجات المشروعات التى تقيمها الدولة.

Facebook Comments