إخفاء خاشقجي أو اغتياله ليس الأول في تاريخ الدولة السعودية، فهو نهج معتاد لدى أجهزة المخابرات السعودية، وهناك سوابق حدثت في دول غربية، حيث سبق اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وإجباره على إعلان استقالته في السعودية، ثم جرى إعادته للبنان بعد تفاهمات مع محمد بن سلمان.

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أقر بأن سعد الحريري تم التحفظ عليه في السعودية لأسابيع عدة، وذلك في معرض شرحه لكفاءة الدبلوماسية الفرنسية التي أنقذت الحريري.

كما وجهت اتهامات لمسئولين سعوديين بتنفيذ عمليات اختطاف محتملة على أراضي دول غربية. إذ اختفى ثلاثة أمراء سعوديين يعيشون في أوروبا. وعُرف الثلاثة بانتقاداتهم للحكومة السعودية. وهناك أدلة على أن الأمراء الثلاثة اختطفوا أو رُحِّلوا إلى السعودية.. حيث انقطعت أخبارهم ولم يسمع عنهم شيء منذ ذلك الحين، حسب تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية، وأحدهم هو الأمير سلطان الذي اختطف من سويسرا، وكان من ضمن الأمراء البارزين في الأسرة الحاكمة، وتنقل بين السجن والإقامة الجبرية. بيد أن صحته تدهورت. وفي عام 2010، سمحت له الأسرة الحاكمة بالذهاب إلى مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس من أجل العلاج. ومن منفاه الأمريكي تقدم إلى المحاكم السويسرية بمذكرة اتهم فيها الأمير عبد العزيز بن فهد والشيخ صالح آل الشيخ بالمسئولية عن اختطافه في عام 2003. لكن محاميه قال إن السلطات السويسرية أظهرت اهتماما محدودا بهذه القضية.

وهو ما يذكر أيضا بقضايا اختطاف وإخفاء الكاتب والباحث المصري رضا هلال في عهد مبارك في 2003، وأيضا الحقوقي الليبي منصور الكيخيا بعد انتقاده ملف بلاده الحقوقي، خلال اجتماع دولي بالقاهرة، وأيضا موسى الصدر الذي اختفى في ليبيا حتى الآن.

لماذا قُتل خاشقجي؟

تطرح قضية إخفاء مصير خاشقجي حتى الآن عدة تساؤلات محورية، تقدم تحليلا كاشفا للقضية.

ويعد خاشقجي شخصية متفردة في الساحة السعودية، فهو معتدل ومعروف جيدا، وصاحب علاقات واسعة تضم شخصيات من العائلة المالكة السعودية ومعارضين من أطياف وبلدان مختلفة وصحفيين وأكاديميين كبار، وهو كذلك مؤثر للغاية ولهذا تم قتله بهذه الطريقة المروّعة!.

وكتب جمال، في أول مقالاته بالواشنطن بوست، “عندما أتحدث عن الخوف والترهيب والاعتقالات والتشهير العام للمثقفين والزعماء الدينيين الذين يتجرؤون على التعبير عن آرائهم، ثم أقول لكم إنني من المملكة العربية السعودية، فهل يفاجئكم الأمر؟”، ورغم ذلك كان جمال خاشقجي، يمدح وينقد، ويعترض ويوافق، ويؤيد بعض الإصلاحات التي يقوم بها ولي العهد محمد بن سلمان، ويعارض بعضها أيضا، ولم يكن خاشقجي راديكاليا ولا جذريا، ولم يطالب بإسقاط حكم العائلة السعودية للبلاد كما يفعل غيره من المعارضين في الخارج. وإضافة لذلك كان خاشقجي يتحاشى وصفه بـ«المعارض السعودي»، حسب الصحفي ديفيد هيرست الذي وصف نفسه «بصديقه»!.

وأضاف هيرست أن خاشقجي «اعتبر نفسه ملكياً، ابنا للمؤسسة، وصحفيا مخضرما في السياسة الخارجية، وكان لأمدٍ طويل داخل دائرة الديوان الملكي التي يكتنفها الغموض. وسافَرَ معهم في مناسباتٍ سابقة». ولم يشكك خاشقجي في شرعية الملكية السعودية، ولا قواعد تداول الحكم فيها، وكان مؤيدا للملك سلمان نفسه بعد توليه مقاليد الحكم.

انتقامي استثنائي

ولكونه بهذه الاستثنائية، واجه خاشقجي «انتقاما استثنائيا»، حيث لا يشكل حجم جمال خاشقجي ووزنه في الأوساط الإعلامية والدوائر الصحفية سببا وحيدا لاستهدافه، ولكن أيضا لاعتداله ورصانته وانفتاحه الشديد على أطياف ودوائر وأوساط مختلفة. فالصحفي السعودي معروف بكونه صاحب علاقات متوازنة مع المعارضين الإسلاميين والليبراليين على حد سواء في السعودية وخارجها، وله حضور قوي في قضايا إقليمية مهمة مثل سوريا ومصر واليمن، والملف الإيراني.

وفضلا عن ذلك يتمتع بعلاقات واسعة تضم معارضين إسلاميين عربا، ومسئولين أتراكا، وإعلاميين وصحفيين غربيين، وأكاديميين ومثقفين ذوي شهرة وتأثير عالمي، وعموده الأسبوعي في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية يعكس مدى شهرته وتأثيره، الأمر الذي جعل الجريدة الكبرى تُبقي عموده فارغا في ذكرى مقاله الأسبوعي بعد اختفائه.

وفضلا عن العلاقات خارج السعودية، فالصحفي السعودي يتمتع بعلاقات واسعة أيضاً مع دوائر العائلة السعودية الحاكمة، وكان يُقدم باعتباره صحفيا سعوديا مقربا من القصر الملكي الحاكم في البلاد. وأصبح نائب رئيس تحرير صحيفة «أراب نيوز» في نهاية التسعينيات ولمدة أربع أعوام، وعُيّن رئيسا لتحرير صحيفة «الوطن» منذ 2004، وهو المنصب الذي أُقيل منه لاحقا بطريقة غير مفهومة، وعيّن مديرا عاما لقناة «العرب» الإخبارية التي كان مقرها في المنامة، والتي كانت مملوكة للأمير الوليد بن طلال، ولكن سرعان ما أغلقت بطريقة غامضة أيضا.

وعمل خاشقجي منذ 2004، مستشارا إعلاميا للأمير تركي الفيصل- المدير العام للاستخبارات العامة السعودية سابقا- والسفير السعودي السابق في لندن، ثم الولايات المتحدة الأميركية.

لكن هذه العلاقة لم تدم طويلاً، فقد أصدرت الخارجية السعودية بياناً في ديسمبر 2015، وآخر في نوفمبر 2016، لتأكيد أن جمال خاشقجي لا يمثل المملكة، محذرة من التعامل معه على أساس تمثيله لأي جهة رسمية سعودية. ومنعت مقالات خاشقجي في صحيفة الحياة اللندنية المملوكة للأمير خالد بن سلطان في سبتمبر 2017، عقب كتابته تغريدة تضامن فيها مع الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ سلمان العودة.

وكان لخاشقجي وضعية متميزة بالأوساط السعودية، حيث أيَّد -مبدئيا على الأقل- الحرب التي تقودها السعودية على اليمن. ومثل كثيرٍ من المُحلِّلين العرب السُنَّة، اعتقد أنَّ إيران تمادت في نشر نفوذها في العالم العربي السُنِّي، وأنَّ الوقت قد حان للمملكة السعودية كي تصدها. فضلا عن أنَّه دافع عن عقوبة الإعدام. وأيَّد حملةً قمعية على الفساد– وأيَّد أيضا محاولات تنويع الاقتصاد المُعتمِد على النفط وخصخصته.

ابن سلمان

لكنَّ خاشقجي كان متمسِّكا بمبدأ واحد، هو أنَّ الدائرة الصغيرة المُلتفَّة حول محمد بن سلمان لا يمكنها التحمُّل، وهو ما أكسبه عداءهم المُطلَق. وكان خاشقجي صادقا. لم يكن من الممكن شراء ذمته. إذ أعلن رأيه، وكان واضحا فيما يقول.

مبدأ “جمال” ظهر في أول مقالاته بالواشنطن بوست، «المملكة لم تكن بهذا القمع»، مضيفا «السعودية لم تكن بهذا القمع.. الآن لا تُطاق»، مُتحدثًا عن «حملة الاعتقالات الواسعة» التي طالت عددًا من المثقفين ورجال الدين في المملكة.

وأضاف خاشقجي «مع صعود ولي العهد محمد بن سلمان إلى السلطة، وعد بتبنّي إصلاحات اجتماعية واقتصادية. وتحدّث عن جعل بلادنا أكثر انفتاحًا وتسامحًا، كما وعد بأنه سيأخذ بعين الاعتبار الأمور التي تقوّض تقدمنا، مثل حظر المرأة من قيادة السيارة، لكنني لا أشهد الآن سِوى موجة اعتقالات».

وأضاف الكاتب السعودي فيما يشبه تفسيرا لعداء السلطة السعودية له، أن «المشهد كان دراماتيكيًا إلى حد كبير، إذ احتل رجال الأمن المُلثّمون المنازل حاملين كاميرات، صوّروا بها كل ما جرى، وصادروا ممتلكات الأشخاص من أوراق وكتب وأجهزة كمبيوتر. وذكر أن المُعتقلين وُجّهت إليهم تُهم تتمثّل في تلقّي أموال قطرية، إضافة إلى كونهم جزءًا من مؤامرة مدعومة من قطر، فيما اختار عدة آخرون- من بينهم أنا- المنفى «طوعًا»، وربما نواجه القبض علينا في حال عودتنا إلى الوطن.

ولعل الحقيقة الأبرز التي تجاهلها ابن سلمان في تعامله الخشن مع المعارض الوطني، أن جمال خاشقجي وطني حريص على بلاده، وكان يأمل ألا يقطع حبال الود مع السلطات الحاكمة التي كان ناصحا لها وآملا أن تغير سياساتها وتعود لصوابها، لكنه فقد الأمل مؤخرا في أعقاب الأزمة الخليجية وحملات الاعتقال الواسعة في المملكة، وإضافة لذلك فقد كان حريصا على صورة بلاده في الخارج، وهي الصورة التي ستتضرر كثيرا في الوقت الراهن.

Facebook Comments