عملية الاغتيال القذرة التي نفذتها المخابرات السعودية بحق الكاتب الصحفي المعارض للنظام السعودي جمال خاشقجي، داخل مبنى القنصلية السعودية بإسطنبول، ربما تنعكس على طبيعة العلاقات التركية السعودية التي تشهد أصلًا توترًا منذ دعم النظام السعودي لانقلاب الطاغية عبد الفتاح السيسي في مصر على الحكم الديمقراطي، والإطاحة بالرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، ثم تصاعد التوتر في أعقاب الحصار الذي فرضته دول تحالف الثورات المضادة برئاسة الرياض على الشقيقة قطر ونظام الأمير تميم بن حمد آل ثان.

ويبدو أن ولي العهد السعودي أقدم على هذه الجريمة مع سبق الإصرار والترصد؛ لإحراج النظام التركي وتعمد افتعال أزمة تفضي إلى تدهور حاد في العلاقات، وتكون مبررا لقطع العلاقات بين البلدين، في الوقت الذي تشهد فيه تركيا حربًا اقتصادية على عملتها وتخشى من  سحب استثمارات سعودية خليجية في هذا التوقيت الحرج، وعلى الأرجح فإن الخطوة التي أقدم عليها ابن سلمان محسوبة النتائج دون اكتراث لعواقب الأمور وقطع العلاقات مع أنقرة.

وفي مارس الماضي، أدلى محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، خلال زيارته للقاهرة، بتصريحات تطاول فيها على الدولة التركية، مدعيا أن حلف الشر يمثله إيران والعثمانيون وما وصفها بالجماعات الإسلامية الراديكالية. وفي ذات الشهر قررت شبكة قنوات إم بي سي السعودية مقاطعة الدراما التركية، في تأكيد على حجم التوتر بين الجانبين.

وبحسب الوكالة الألمانية “دويتشه فيله”، فإن اغتيال خاشقجي ربما ينعكس على العلاقات السعودية التركية، مسببًا مزيدًا من التدهور لعلاقات متوترة بالفعل.

وكان خاشقجي، البالغ من العمر 59 عامًا، قد اختفى داخل القنصلية السعودية يوم الثلاثاء الماضي 02 من أكتوبر 2018، بعد دخوله لإنهاء بعض الأوراق الخاصة بعائلته حسب طلب طاقم القنصلية له. ولم يخرج خاشقجي من القنصلية، حسبما أفادت خطيبته، خديجة أوزرو، التي منعت من الدخول معه وانتظرته بالخارج، ولكنه لم يخرج.

وقد استدعت وزارة الخارجية التركية سفير المملكة العربية السعودية، وليد بن عبد الكريم الخريجي، لمناقشة قضية خاشقجي عقب اختفائه حسبما ذكرت وسائل الإعلام الرسمية التركية. ونفى السفير، الذي اجتمع مع نائب وزير الخارجية التركي، وجود معرفته بمكان خاشقجي.

يذكر أن خاشقجي يكتب مقالات بقسم الرأي في صحيفة واشنطن بوست العالمية، وانتقد القيادة السعودية على مدار العام الماضي. وتضامنا معه نشرت صحيفة واشنطن بوست، الجمعة 5 أكتوبر، عمودا فارغا تحت عنوان: “صوت مفقود”، وذلك في صفحة الرأي التي كان خاشقجي يكتب فيها.

عملية انتقامية

ويرى ديفيد هيرست، رئيس تحرير موقع Middle East Eye، أنَّ العلاقات بين السعودية وتركيا تتدهور باطراد منذ المحاولة الانقلابية على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل عامين. وكان واضحا الجانب الذي انحازت إليه وسائل الإعلام السعودية التي تديرها الدولة في ليلة الانقلاب، إذ خصَّصت وسائل الإعلام تلك تغطية كاملة، وكل المُعلِّقين الذين ظهروا فيها كانوا يقولون إنَّ أردوغان إمَّا لقي مصرعه أو فرَّ من البلاد. وتطلَّب الأمر من وكالة الإعلام التابعة للدولة السعودية 16 ساعة لتدرك أنَّ الانقلاب لم ينجح، وأصدرت بيانا يعرب عن «ترحيب المملكة بعودة الأمور إلى نصابها بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان وحكومته المنتخبة، وفي إطار الشرعية الدستورية، وفق إرادة الشعب التركي».

ملفات الخلاف بين أنقرة والرياض

ويبدي غيدو شتاينبرغ، خبير الشرق الأوسط في المعهد الألماني للشئون الدولية والأمنية، اندهاشه من اغتيال خاشقجي بالذات، مصرحًا بأنه يجد صعوبة في فهم اغتياله داخل القنصلية السعودية بتركيا. ويفسر ذلك بأن النظام السعودي لا يكترث كثيرا بالعواقب المترتبة على اغتيال خاشقجي على الأراضي التركية، فهناك تدهور في العلاقات نتيجة اختلاف الرؤى والتصورات حول الموقف من جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الرياض إرهابية، وكذلك الدعم التركي لقطر ضد الحصار الذي فرضته الرياض وأبو ظبي عليها صيف العام الماضي.

أساس الصدمة في العلاقات أن تركيا التي تحتضن المنفيين والمهاجرين من أنصار الربيع العربي يراد إحراجها بأنها ليست قادرة على حماية هؤلاء، ولهذا السبب تأخذ السلطات التركية الأمر على محمل الجد.

وكتب ديفيد هيرست، رئيس تحرير “عين الشرق الأوسط” وصديق خاشقجي، في مقال له: “إذا سمحت تركيا بأن تقوم الحكومات الأجنبية بعمليات اختطاف على أرضها، فإن أمنها الداخلي سيتدهور بسرعة”.

أما الإعلامي السعودي، فيصل محمد المرزوقي، فقد حذر في تغريدة له، من تدهور العلاقات السعودية التركية، وقال: “سنصبح على أقوى وأشد أزمة تركية سعودية نتيجة لاختطاف خاشقجي.. قد تصل إلى طرد القنصل السعودي وبعض الدبلوماسيين.”

المحلل سايمون هاندرسون، مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة بمعهد واشنطن، يرى أن «العالم مصدوم، فالقضية اليوم أكبر من ثنائية سعودية- تركية»، وهاندرسون واحد من كثيرين ينتظرون اليوم التفاصيل التي وعدت المصادر الأمنية التركية بالإفصاح عنها، والدليل الذي تملكه حول مقتل خاشقجي.

ويتوقع هاندرسون تفجُّر أزمة في العلاقات السعودية- التركية، يقول «سيقوم الأتراك بسحب سفيرهم من الرياض للتشاور، وقد يصرّون أيضا على إغلاق القنصلية وطرد القنصل العام».

فخ منصوب بإحكام

من جانبها، تقول الكاتبة الصحفية “أسماء شكر”، الباحثة في الشأن الحقوقي: ”هناك من هم أشد عداوة من العصابة الحاكمة في السعودية، هناك سعد الفقيه، وهناك محمد المسعري وغيرهم، حفظهم الله، لكن الاغتيال المقصود منه هو استغلال تواجد خاشقجي على الأراضي التركية وتداعيات الحادث على أردوغان والدولة التركية”.

وتضيف شكر: ”أنا أثق في العقل السياسي للدولة التركية أنه لن ينساق إلى فخ أحفاد أبو لهب.. رحم الله جمال خاشقجي، ولعن الله ناهب الحرمين الشريفين، وقطع دابر هذه الأسرة اللعينة التي كانت وبالا على أطهر بقاع الأرض”.

ويقول الإعلامي العراقي رمزي عثمان: ”رغم حزننا الشديد لما تفعله عربستان بعلمائها ومثقفيها، إلا أننا لا ننتظر شيئا من تركيا، خاشقجي سعودي وقد اغتيل على أراض سعودية، ولا نريد لتركيا أن تقع في حرج، تركيا أكبر من لعب العيال هذا”.

وقال الأكاديمي محمد مختار الشنقيطي: إن مصادر تركية “موثوقة” أخبرته أن السلطات التركية لديها أدلة قاطعة تثبت ضلوع السعودية ودولة أخرى باغتيال خاشقجي، وأنها ستكشف عن تفاصيلها خلال يوم أو يومين.

Facebook Comments