لا تزال جريمة خطف واغتيال الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي في مبنى قنصلية بلاده في إسطنبول التركية تحظى بأصداء وتحليلات واسعة، تحاول الكشف عن جوانب خافية في تفاصيل الجريمة التي تمت على الأرجح بإشراف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وعلى الأرجح أيضًا فإن محمد بن سلمان تعمد تنفيذ هذه الجريمة القذرة على الأراضي التركية تحديدًا، فقد كشفت شبكة “NBC الإخبارية” عن أن خاشقجي اختفى أثناء سعيه لاستخراج وثائق متعلقة بطلاقه، أرادها لأجل زواجه المقبل من امرأة تركية، وذلك حسبما أوردت شبكة NBC الإخبارية.

لكن، لماذا ذهب خاشقجي إلى قنصلية بلاده في إسطنبول مع العلم أنه مقيم في أمريكا ويمكن أن يتقدم بنفس الطلب إلى سفارة بلاده هناك؟ تقول الشبكة الأمريكية إن خاشقجي سعى سابقا إلى الحصول على الأوراق المطلوبة من السفارة السعودية في واشنطن لكنه وُجّه لاستخراجها من القنصلية السعودية في إسطنبول.

هذا الأمر أثار مخاوف خطيبته بأن فخًّا يدبّر له، وذلك بحسب ما أفاد به أحد أصدقائه. استجاب خاشقجي للطلب وذهب إلى القنصلية السعودية في إسطنبول، ثم طُلب منه أن يعود في يوم آخر، وفق ما أفاد به شخصان آخران للشبكة الأمريكية. وأضافا قائلين: «اختفى خاشقجي في اليوم الذي عاد فيه لزيارة القنصلية».

وفي يوم السبت 6 أكتوبر 2018، أعلنت مصادر أمنية تركية عن أن 15 سعوديًا، بينهم مسئولون، وصلوا إلى إسطنبول على متن طائرتين، وتواجدوا بالقنصلية السعودية بالتزامن مع وجود الصحفي السعودي جمال خاشقجي فيها. وأضافت المصادر أن المسئولين عادوا لاحقًا إلى البلدان التي قدموا منها. وأكدت أن خاشقجي لم يخرج من القنصلية السعودية بعد دخوله إليها لإنهاء معاملة تتعلق بالزواج.

وتدريجيًا بدأ الأتراك يلمحون إلى النهاية التي كانت أسوأ مما يخشى الكثيرون، وحتى أسوأ من النهاية التي تحدث عنها حساب معتقل الرأي السعودي منذ البداية ثم حذفها، فمصير جمال خاشقجي لم يكن العودة مجبرًا لبلاده، كما قال الحساب، وهو السيناريو الذي بدا في البداية الأكثر تشاؤمًا. ولكن الواقع كان أكثر قتامة، فقد نقلت وكالة رويترز عن مسئول تركي أن «التقييم الأولي للشرطة التركية هو أن جمال خاشقجي قتل في القنصلية السعودية في إسطنبول. قائلاً «نعتقد أن القتل متعمد وأن الجثمان نقل إلى خارج القنصلية».

ويبدو أن محمد بن سلمان تعمد قتل خاشقجي أو على الأقل اختطافه في الأراضي التركية؛ من أجل إحراج النظام التركي وإظهاره في صورة العاجز عن حماية الأجانب المقيمين على أرضه، كما أنه يستهدف بذلك تفجير العلاقات التركية السعودية، فالإصرار على تنفيذ هذه الجريمة على الأراضي التركية هو إصرار على تفجير العلاقات بين البلدين، في وقت تشهد فيه العلاقات بين الطرفين توترًا وجمودًا وخلافات في عدد من الملفات، منذ دعم الرياض القوي لانقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي على المسار الديمقراطي في مصر، ثم انحياز الإعلام السعودي لمحاولة الانقلاب الفاشلة على الرئيس أردوغان نفسه، في منتصف يوليو 2016م، ثم رفض أنقرة للحصار الذي شنته الرياض وأبو ظبي على الشقيقة قطر وانحيازه للموقف القطري.

وأمام الحملات المشبوهة التي تستهدف الإضرار بالاقتصاد التركي وإضعاف عملتها، يبدو أن فتح جبهة جديدة مع كل من الرياض وأبو ظبي يأتي في وقت عصيب، وهو ما يفسر الهدوء الذي تتعامل به أنقرة مع ملف خاشقجي الشائك.

وفي خطابه اليوم الإثنين، اتهم الرئيس أردوغان النظام السعودي باختطاف خاشقجي مع عدم توافر أدلة مقتله، مطالبًا الحكومة السعودية بكشف الأدلة على خروج خاشقجي من قنصليتها بإسطنبول. وهو اتهام واضح لكنه يستخدم لغة خطاب مخففة؛ أملًا في تجنب انهيار العلاقات بين البلدين.

Facebook Comments