كشف مركز تصنيف المراكز البحثية العالمية التابع للمجلس العلمى الأعلى الإسبانى، عن فشل ذريع فى مراكز الأبحاث العلمية بدولة الانقلاب ،بعدما رصد تدنى تصنيف أهم 21 مركزا ومعهدا بحثيا فى مصر، على رأسها المركز القومى للبحوث الذى وقع تصنيفه فى المرتبة رقم 1059 عالميًا، رغم كونه الأول فى مصر، بينما يحتل مركز البحوث الزراعية المركز رقم 1622 عالميًا، رغم كونه الثانى فى مصر، يتلوه فى الترتيب معهد بحوث البترول بترتيب 2659 والثالث فى مصر.

فتش عن الفساد

الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعى بكلية الزراعة جامعة القاهرة، يقول إن هذا الترتيب منطقى نتيجة للعوامل التى يمر بها البحث العلمى فى مصر، فعلى الرغم من نص الدستور الدولة بتحديده تخصيص 1 فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى للدولة إلا أن ما يخصص لا يصل إلى ذلك الرقم، فميزانية مركز البحوث الزراعية مثلًا 3 ملايين جنيه، ومركز بحوث الصحراء 4 ملايين جنيه، والمركز القومى لبحوث المياه 5 ملايين جنيه، وهذه أمثلة بسيطة للوضع البحثى فى مصر.

كما شمل الترتيب الهيئة المصرية للطاقة الذرية التى جاءت فى المرتبة 2958 عالميًا، ثم الهيئة الوطنية للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء فى المرتبة3310 عالميًا، وبعده المختبر المركزى للبحوث الزراعية فى المرتبة 3634 عالميًا، ثم المعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة فى المركز 3699، ويليه معهد بحوث الإلكترونيات الذى احتل المرتبة 3727 عالميًا، وأيضًا بعد ذلك حل فى المرتبة 4661 المعهد القومى لعلوم المحيطات ومصائد الأسماك.

ويضيف “صيام” : لو تحدثنا عن الناتج الزراعى المحلى نجد أن قيمته تصل إلى 600 مليار جنيه، فلماذا لا تخصص الدولة جزءًا من هذا الناتج لدعم البحث العلمى، حتى نسبة 1 فى المائة من هذا الناتج، فال 3 ملايين جنيه تُصرف كمرتبات للباحثين الذى يصل عددهم إلى نحو 10 آلاف باحث، يذهبون إلى المركز للعب “حل الكلمات المتقاطعة”، وليس اتباع نظرية البحوث والتطوير ال RD.

ويكمل:هناك فساد مستشرى قابع فى تلك المؤسسات البحثية ، ناهيك عن حالات متعددة من الإهمال المتغلغل خلف تلك الجدران كفيلة لإخراجها من التصنيف  العالمى.

ميزانية صفر

فى حين يؤكد الدكتور جمال حافظ، كبير الباحثين فى مركز البحوث الزراعية، إن ميزانية المركز انخفضت من 146 مليون جنيه فى عهد الدكتور يوسف والى وزير الزراعة الأسبق، إلى 3 ملايين جنيه الآن فى عهد محمد أبوستيت وزير الزراعة الانقلابى، وأن هذه الميزانية لا توفر سوى مرتبات العاملين والباحثين بالمركز، لافتًا إلى البحث العلمى يحتاج إلى مستلزمات إنتاج ومتطلبات أخرى تتطلب تخصيصات مالية وفيرة.

وجاءت الشبكة القومية للمعلومات العلمية والتكنولوجية المصرية فى 4834، والمعهد القومى للاتصالات فى 4879، والمركز المصرى للدراسات الاقتصادية فى المرتبة 4976، ومعهد بحوث الإرشاد الزراعى والتنمية الريفية فى المرتبة 5673، وهيئة الأرصاد الجوية المصرية فى المرتبة 5728، ومركز بحوث الإسكان والبناء فى المرتبة 5864، والمركز القومى للبحوث التربوية والتنمية فى المرتبة 7372، وفى النهاية مركز القاهرة للكلى فى المرتبة 7902 والأخير على المستوى المحلى.

ويكشف “حافظ”  أن  التصنيف كشف عن تدنى المراكز البحثية الزراعية فى مصر، حيث جاء معهد بحوث صحة الحيوان فى المرتبة 7776 عالميًا، بينما حل مركز بحوث الهندسة الوراثية الزراعية فى المرتبة 6780 عالميًا، ومعهد بحوث المياه فى المرتبة 6633 عالميًا، وتذيل معهد بحوث الهندسة الزراعية قائمة المعاهد والمراكز البحثية المصرية فى التصنيف، حيث حل فى المرتبة 7777 عالميًا، 96 عربيًا.

المهم الرقاصة

بدوره، يقول الدكتور محمود مدنى، رئيس مركز البحوث الزراعية، لا تعليق، على الترتيب المتدنى للمركز..وهناك مشاكل معقدة وعلمية وليست الميزانية فقط، مشيرًا إلى صعوبة حل هذه المشاكل، لأنه يواجه مشاكل عميقة على مستوى البحثى وثقافة المجتمع التى تهتم بالرقاصة أكثر من الباحث.

ويؤكد فى تصريحات صحفية، عدم توافر ثقافة البحث العلمى نفسها فى مصر، وهذا أكبر منه ومن المركز نفسه، موضحًا أن هذا هو الحال فى باقى المعاهد ومراكز البحث المصرية، فنقص التخصيصات المالية، وعدم توافر الكوادر البحثية والاستغناء عن العلماء المصريين، هى أسباب رئيسية فى تدمير العديد من تلك المراكز والمعاهد، التى تعانى من سكرات الموت المحقق.

سوء الإدارة

ويرى الدكتور سعيد خليل، رئيس قسم التحول الوراثى ونقل الجينات بمعهد الهندسة الوراثية،  إن هناك أسبابًا عديدة لتدنى معهد الهندسة الوراثية لهذا الترتيب المهين، فهو يقع فى المرتبة6780 عالميًا، من العدد الإجمالى لمراكز البحوث فى العالم البالغة 8 آلاف مركز ومعهد، رغم أنه أول معهد بيوتكنولوجى تم إنشاؤه 1992 فى الشرق الأوسط.

ويؤكد “خليل” أنه شاهد عيان على الأسباب التى أدت إلى المستوى المتدنى لهذا الترتيب، وأولها سوء الإدارة من عام 2000 حتى الآن، واختيار الشخص غير المناسب لتولى القيادة، بينما الكارثة هى عدم صدور قانون الأمان الحيوى الذى يسمح بتداول المنتجات المهندسة الوراثية مع العلم أنه صدر قانون على المستوى العالمى يسمح بتداول المنتجات المهندسة وراثيًا، ووضع شروطًا لكل الدول التى لديها قانون للأمان الحيوى، وحتى الآن لم يصدر هذا القانون منذ عام 2006 وهو من الأسباب الكبرى لتدهور هذا المعهد، وعدم إنتاج أى أصناف جديدة، وما يتم إنتاجه من أصناف لا تخرج إلى النور، فلا توجد خطة لتسويقها والتعاقد عليها وإنتاجها من خلال الشركات الخاصة.

ويوضح أن الناتج النهائى من المعهد لا يمثل سوى 5 فى المائة من استغلال الأجهزة الموجودة بالمعهد؛ لعدم وجود استراتيجة واضحة واستخدامها كأداة أساسية للتقدم الزراعى والإنتاج النباتى، ولكى يعود المعهد إلى الخريطة، كما كان فى التسعينيات لابد من تفعيل التسلسل الإدارى على أرض الواقع، وعدم انفراد مدير المعهد بالقرار فى مجلس الإدارة الذى يتجاهل آراء رؤساء الأقسام، ووضع خطة بحثية، وتطبيق مواد القانون، وإصدار قانون الأمان الحيوى، لاستخدام المنتجات التى تم إنتاجها باستنباط سلالات جديدة، وتسويقها تجاريًا.

غير موجود

ويقول الدكتور حمدى شاكر، الباحث والخبير الأثرى: إن الأزمة فى مصر فيما يخص الآثار هو عدم وجود أى مركز للبحوث لأثرية، وأن المعاهد الموجودة أجنبية، وعلى رأسها المعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة، الذى يقع هو أيضًا فى مركز متدن على المستوى العالمى، وهو يتبع فى إشرافه وزارة التعليم العالى والبحث العلمى.

ويشير إلى أن هناك معاهد أخرى وهى المعهد الألمانى والأمريكى والروسى، وتلك المعاهد ترعى البعثات القادمة من تلك الدول للبحث فى الآثار المصرية، وتخضع لإشراف الحكومة المصرية، لكن تمويلها ودعمها من الدول التابعة لها، لافتًا إلى وجود مئات الباحثين الأثريين المصريين، يحتاجون إلى مركز بحثى مصرى، خاصة وأن مصر من أهم دول العالم الأثرية.

Facebook Comments