في ظل توسع بيزنس الجيش في كافة المجالات، خاصة مجال الأغذية، بحكم السماح لهم بالاستيراد بلا قيود، وعدم دفع ضرائب، بدأ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، في ظل ضغط وترهيب نظام السيسي لرجال الأعمال، التوسع في مجال السيطرة على السلاسل التجارية الكبرى لاستيعاب ملايين الأطنان من السلع واللحوم التي يستوردها، ومنها لحوم البرازيل التي تمت محاكمة رئيسها لتورطه في بيع لحوم فاسدة لدول عديدة منها مصر.
واستولت الحكومة على سلسلة متاجر “زاد” التي كان قد أسسها رجال أعمال من جماعة الإخوان، وصادرت أموالها بدعاوى قانون “الكيانات الإرهابية”، وأصدر قائد الانقلاب قانونا جديدا يسمح بالتصرف ونهب هذه الأموال وضمها لخزانة الدولة، ما يعطي بيزنس الجيش فرصة السيطرة عليها أيضا.
وبعدما سعى الجيش للدخول في شراكة مع “كارفور” و”هايبر وان”، يسعى الآن للسيطرة على “مترو” و”خير زمان”.
وقالت مجموعة «منصور» التي تتبعها متاجر «مترو» و«خير زمان»، إنها تتجه إلى توقيع اتفاق لإقامة فروع جديدة بالشراكة مع جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، على غرار الاتفاق الذي وقعته الأخيرة مع مجموعة «ماجد الفطيم» المالكة لمتاجر «كارفور» لإنشاء 100 فرع جديد، فى فبراير الماضي.
وترتب مجموعة «منصور» مع إحدى الجهات الحكومية لعقد اجتماع لصياغة البنود الرئيسية للاتفاق المقترح، تمهيدا للتوقيع عليه رسميا، بحسب صحيفة “المال”.
وأعلنت وزارة الاستثمار والتعاون الدولى، ومجموعة «ماجد الفطيم» فى فبراير الماضي، إبرام عقد بين الوزارة، والمجموعة، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بهدف إنشاء 100 متجر كافور للتجزئة، بنظام المناطق الاستثمارية فى مختلف المحافظات.
وقالت الوزارة- فى بيان صحفي وقتها -إن الاتفاق يمثل استجابة من «ماجد الفطيم» للمساهمة فى إنعاش الاقتصاد المصري، من خلال خلق مزيد من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، بجانب توفير السلع الأساسية للمواطن بجودة عالية، وبالقيمة السوقية العادلة، وفقا لتوجيهات السيسي!.
وأوضحت أن اختيار “جهاز مشروعات الخدمة الوطنية”، جاء لإمكانياته الواسعة، وقدرته على تنفيذ الأعمال التي توكل إليه فى المواقيت المحددة، بالإضافة إلى توفيره السلع الغذائية الأساسية.
ويصل عدد منافذ «مترو» و«خير زمان» و«ميني مترو» و«فريش فود» التابعة لمجموعة «منصور» إلى 90 منفذا حاليا.
وشهدت الفترات الأخيرة لقاءات عدة بين مسئولين عسكريين ومن الشرطة مع العديد من أصحاب السلاسل التجارية، قيل إنها لحثهم على تخفيض أسعار السلع، بيد أن عنوانها كان تهديد أصحاب السلاسل بغمر بيزنس الجيش والشرطة للأسواق بالسلع ومنافسة رجال الأعمال.
وهو ما دفع بعض رجال الأعمال للمبادرة بطرح شراكة مع بيزنس الجيش وتوسيع الفروع بأرض يوفرها الجيش مقابل بيع هذه الفروع لسلع الجيش التي يستوردها الجنرالات ويربحون منها، وآخرها الدواجن الرخيصة التي انتهت صلاحيتها في غضون شهرين من استيرادها، واللحوم البرازيلية التي توقفت أمريكا عن استيرادها أمس بسبب فسادها، ويستوردها الجيش.
كم يساوي بيزنس الجيش؟
ومنذ الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي وتولي السيسي السلطة منتصف عام 2014، اتسعت اﻷنشطة الاقتصادية للقوات المسلحة لتتخطى كل ما سبق في تاريخها، بحسب ما تكشفه قرارات “الجريدة الرسمية”، أو محاضر اجتماعات رسمية، أو ما تم الإعلان عنه من خلال وسائل اﻹعلام.
وتشارك القوات المسلحة في مختلف النشاطات الاقتصادية عبر أربع هيئات تتبع وزارتي الدفاع واﻹنتاج الحربي، هي جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، والهيئة العربية للتصنيع، والهيئة القومية للإنتاج الحربي، والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، ويتراوح هذا البيزنس بين:
مقاولات حكومية: بإسناد إدارة أعمال غالبية الوزارات إلى هيئات أو شركات تابعة للقوات المسلحة.
استيراد وتصنيع الدواء: بإسناد استيراد مستلزمات طبية وألبان الأطفال للجيش فقط، وإلغاء مناقصات المستشفيات، ما تسبب في أزمة نقص.
إدارة الطرق الصحراوية: تولت وزارة الدفاع رسميا إدارة العديد من الطرق في مصر وتحصيل رسوم المرور، ما حولها إلى مناطق عسكرية بها بيزنس خدمات أخرى، كما تولى الجيش احتكار الإعلانات على هذه الطرق، ما دفع شركات لرفع دعاوى قضائية لم تنفذ أحكامها لصالحهم، ونشرت شعبة الإعلان بغرفة صناعات الطباعة والتغليف إعلانًا عن اتخاذ خطوات تصعيدية دون جدوى.
بيزنس التعليم: في صورة “مدارس بدر الدولية” التي أنشأها الجيش الثالث في السويس، والتي توفر تعليمًا بالنظامين اﻷمريكي والبريطاني، وتعاقد جامعة القاهرة مع الجيش للإشراف على مطابخ المدن الجامعية.
بيزنس الطاقة: تمثل في تعاون وزارة الإنتاج الحربي وشركة TBEA الصينية في مشروع الألواح الشمسية لتوليد الطاقة.
بيزنس السمك والتماسيح: تولى جهاز مشروعات الخدمة الوطنية تنفيذ عدد من مشروعات الاستزراع السمكي في عدة محافظات. ومع ظهور أول مشروع للاستفادة من قرابة 30 – 50 ألف تمساح في بحيرة السد العالي في مشروع إنشاء مزارع التماسيح، الذي يوفر ملايين الدولارات (جلد التمساح الواحد بـ4 آلاف دولار)، ظهر أنه “بالتعاون”.
بيزنس متفرق: بدء إنتاج مصنع 360 التابع لوزارة الإنتاج الحربي, إنتاج ثلاجات وتكييفات بشراكة مع شركة صينية، وتولي الهيئة الهندسية بناء الكباري، وتأهيل مستشفيات وقصور الثقافة.
ورغم تصريحات السيسي المتكررة بأن اقتصاد الجيش لا يزيد على 2% من حجم الاقتصاد، أشارت تقديرات محلية (نجيب ساويرس) وتقارير أجنبية (كارنيجي ومنظمة الشفافية الدولية وواشنطن بوست)- لا سبيل للتأكد من دقتها لغياب الشفافية عن بيزنس الجيش- إلى أن هذا الاقتصاد يتراوح بين 10، 20، و35 و60%.
بيزنس الشرطة أيضا
وبالتزامن مع توسع بيزنس الجيش التجاري، أعلنت وزارة الداخلية عن توفير أطنان من اللحوم فى منافذ “أمان” التابعة لها بأسعار مخفضة، فضلاً عن توفير كافة السلع الاستراتيجية الأساسية، لمنافسة التجار ورجال الأعمال.
وقالت وزارة الداخلية, إنها جهزت 40 سيارة محملة بالسلع الغذائية، لاستهداف المناطق الشعبية لعرض السلع الغذائية، خاصة الاستراتيجية مثل الزيت والسكر والأرز والسمنة واللحوم، بأسعار مخفضة للغاية مقارنة بالمحال التجارية الأخرى.
وأقامت وزارة الداخلية “ماركت” فى منطقة الدراسة لعرض السلع الغذائية وتوفير احتياجات المواطنين فى القاهرة بأسعار مخفضة، حيث يعمل على مدار الـ24 ساعة.
وأظهرت مخصصات الداخلية في موازنة 2018/2019 أنها زادت 7 مليارات جنيه، ومع هذا طلبت الوزارة 9 مليارات أخرى ليوافق عليها نواب الانقلاب غدا في لقاء استدعوا له وزيري المالية والتخطيط، الأحد المقبل، كي يوافقوا على طلب الداخلية، ليصبح إجمالي مخصصات الوزارة بمشروع الموازنة 57.5 مليار جنيه.
وكان المخصص للداخلية في مشروع الموازنة الجديدة 48.5 مليار جنيه، بزيادة سبعة مليارات جنيه عن موازنة العام المالي الجاري (2017/2018) التي كانت 41.4 مليار جنيه، وفي العام السابق (2017/2016) كانت 38 مليار جنيه، أي زادت 10 مليارات في 3 سنوات، ومع هذا يطالبون بـ9 مليارات أخرى.
وجاء بيزنس الداخلية الجديد بدعوى الاستجابة لمطالب قائد الانقلاب بالتخفيف عن المواطن العادي، ولكنه ضمن فوضى دخول أجهزة أمنية مختلفة في الأسواق، مثل الجيش والمخابرات العامة، وتوزيع سلع ومنتجات بدلا من التفرغ لأدوارها الحقيقية، ما يفسر جانبا من الفشل الأمني بفعل التركيز على الأمن السياسي لا الجنائي والأمن الغذائي الذي يتضمن حالات فساد رسمية بدلا من الإمساك بالمفسدين.
ومن المفارقات أن لحمة وسلع “الداخلية” باتت تنافس لحمة وسلع الجيش، وكلاهما بعرق جبين الجندي والشرطي، بينما العائد يذهب لجيب الجنرالات، الذين انخرطوا في بيزنس جديد وسط غياب الأجهزة الرقابية أو تغييبها في “شبه الدولة”.
4 أذرع لبيزنس الداخلية
ولا يقتصر بيزنس الداخلية على “أمان للمنتجات الغذائية”، فهناك سلسلة الفتح” و”المستقبل” و”سيتك”، وهي شركات تم تأسيسها العام الماضي لتصبح بمثابة أذرع بيزنس الداخلية.
“الفتح للتوريدات والاستثمارات” كانت هي الكيان الأول لبيزنس الداخلية الاقتصادي عقب الانقلاب لتوفير شركات أمنية خاصة يديرها جنرالات الشرطة، وتولت جميع عمليات الإنشاء والصيانة والترميم بجميع جهات الوزارة ومقاولات تأسيس السجون وأقسام الشرطة، فضلاً عن تنفيذ عدد من المشاريع الاستثمارية لصالح جهات حكومية وهيئات خاصة.
وتشمل مشاريع شركة الفتح تأسيس أقسام للشرطة، وصالات ألعاب رياضية، واستراحات للوزارة بعدد من المحافظات، وأماكن تتبع هيئات الأسلحة والذخيرة، وشرطة المسطحات المائية، ومشاريعَ إسكانية لعدد من الوزارات الأخرى.
وكان مشروع إعادة تأسيس نادي قضاة الإسكندرية، وبناء مدينة القضاة السكنية بمنطقة برج العرب غرب الإسكندرية، أحد أكبر المشاريع التي تولّتها الشركة بعد إرساء مناقصة المشروع عليها بالأمر المباشر من قبل المستشار أحمد الزند، وزير العدل السابق، وتبلغ تكلفة المشروع 100 مليون جنيه.
قبل هذا في عام 2000 أيضاً خرجت إلى النور “شركة المستقبل” التي رأس مالها 30 مليون جنيه، والتي يُعرّفها موقعها الإلكتروني، على أنها إحدى شركات قطاع الاستثمار في وزارة الداخلية، وتقوم بأنشطة في مجال الخدمات البترولية، وتصنيع وتوريد لوحات المرور المعدنية، والاستثمارات العقارية، والاستثمارات الزراعية، والمقاولات، والتوريدات العامة، وأعمال الصيانة، وأعمال النظافة، والخدمات السياحية!!.
وحصلت الشركة على مُناقصات توريد مستلزمات جراحية، وسيارات مفرقعات، ومهمات لقوات حفظ السلام، وأجهزة كهربائية ومفروشات وأثاث، وتجهيز الفنادق التابعة لوزارة الداخلية، كما قامت بمشاريع لصالح جهات حكومية على رأسها الهيئة العامة لسكك حديد مصر، وشركة السويس لتصنيع البترول.
وكان اللواء جهاد يوسف عز الدين محمد، مساعد “حبيب العادلي” للشؤون المالية، هو المدير الحقيقي للمشروعات الاقتصادية للداخلية، وقد أسَّس عام 2000 أيضاً منطقة صناعية خاصة للوزارة، تضم 8 مصانع، على طريق القاهرة السويس، تعمل في تصنيع الملابس والأحذية والأثاث.
وعقب ثورة يناير 2011، كشفت مجلة “الشباب” التابعة لمؤسسة الاهرام أن عدد من أعضاء حركة “الضباط الشرفاء”، طالبوا بفتح تحقيق مع اللواء جهاد يوسف والكشف عن مصادر ثروته، حيث إنه يعد أحد أصحاب المليارديرات في وزارة الداخلية.
وقالت التقارير الصحفية إن هناك مستندات تثبت تورط جهاد يوسف في وقائع فساد مالي وإهدار للمال العام، حيث أسند إليه حبيب العادلي، عددا كبيرا من الملفات المشبوهة، وتم عزله.
الشركة الثالثة المهمة التي دشنتها الداخلية ضمن البيزنس عقب انقلاب 2013 هي شركة تكنولوجيا المعلومات المدنية “سيتك”، التي تأسست عام 2014 للعمل في مشروعات برامج وأنظمة حاسبات آلية وتطبيقاتها بمختلف أنواعها وأنظمة تشغيلها.
وقد توسَّعت أنشطة الشركة لتشمل توفير مراكز تدريب مُجهّزة ومعتمدة، وإعداد مراكز خدمة العملاء والدعم الفني، وتقديم الاستشارات الفنية، وعقود الصيانة، وعقود الدعم الفني لجميع العملاء داخل مصر من القطاع الخاص أو الحكومي.
وجاءت تدشين الشركة الرابعة لجنرالات الداخلية في ديسمبر 2015 حين أعلنت وزارة الداخلية عن تدشين 120 فرع لها في صورة مجتمعات استهلاكية، وأعلنت قائمة أسعار منافذ “أمان” التي تم افتتاحها في المحافظات والتي قيل إنها تهدف إلى توفير السلع الغذائية الأساسية للمواطنين بأسعار مخفضة مقارنة بمثيلاتها بالأسواق.
وقد كشف وزير داخلية الانقلاب مجدي عبد الغفار، خلال افتتاحه المرحلة الأولى منها، عن أن المنافذ المستهدف إقامتها عددها 250 منفذًا.
وقد أعرب الإعلامي محمود سعد، عن رفضه لمشروع «منافذ أمان للمنتجات الغذائية»، الذي أعلنت وزارة الداخلية عن افتتاحه، وانتقد تدخل الشرطة في البيزنس، وانتهي به الأمر للإبعاد عن برامج الفضائيات.
وقال «سعد»، في برنامجه «آخر النهار»، على «النهار»، قبل إبعاده، إنه لا يستطيع أن يتخيل وقوف “عسكري شرطة” بهذه المنافذ لبيع السلع الغذائية، مضيفًا “لا يمكن شراء طماطم وخيار من عسكري”.
وعلى غرار الغموض حول بيزنس الجيش، كشف حديث سابق لرئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، “هشام جنينة”، الذي سجنته محكمة عسكرية 5 سنوات، عن أن أرباح شركات ومنشآت الداخلية تذهب إلى صناديق خاصة داخل وزارة الداخلية لم تستطع أية جهة الاقتراب منها، وترفض الداخلية التفتيش على هذا الصناديق.
وخلال حوار صحفي أجراه المستشار هشام جنينة مع صحيفة “الشروق”، مارس 2014، قال: إن عدد الصناديق الخاصة بوزارة الداخلية نحو 38 صندوقاً بقيمة 12 مليار جنيه، منها صندوق التأمين الخاص لضباط الشرطة الذي تتبعه مطابع الشرطة وغيرها.
إضافة إلى صندوق الولاء لضباط الأمن المركزي الذي تتبعه مخابز الشرطة، والذي يتبعه جنود يقضون الخدمة العسكرية وتتحمّل الدولة مخصصاتها وأعباءها، وصناديق المرور التي يُودّع بها أغلب مُتحصّلات المرور وفنادق ونوادي الشرطة، إذ تفرض وزارة الداخلية رسوماً على خدمات المرور ثم تُدرجها بحسابات وصناديق خاصة.
وفي نهاية عام 2015 تقدّم عاصم عبد المعطي- الوكيل السابق للجهاز المركزي للمحاسبات وعضو المركز المصري لمكافحة الفساد -ببلاغ إلى النائب العام، ضد القائمين على الصناديق الخاصة لوزارة الداخلية والتي تدخل إليها أرباح شركات المنظومة الاقتصادية للشرطة.
وفي بلاغه، اتّهم عبد المعطي الوزارة، بفتح حسابات سرية للصناديق الخاصة التي تتبعها، رغم صدور القانون رقم 139 لسنة 2006، والذي يقضي بإغلاق كل الحسابات المفتوحة خارج نطاق إجراءات رقابة البنك المركزي، ولكن انتهى كل ذلك إلى الحفظ.
