السودان يبدأ المرحلة الانتقالية.. ما مصير الإسلاميين؟

- ‎فيتقارير

في 19 أغسطس الجاري، ينتهي أجل حكم المجلس العسكري الانتقالي الذي قام بالانقلاب على الرئيس السابق البشير، ليتولى الحكم مجلس سيادي يضم 5 عسكريين و5 مدنيين من "قوى الحرية والتغيير" الذي يتشكل من أغلبية يسارية وليبرالية وحركات تمرد سابقة.

وسيكون عبد الفتاح البرهان، قائد الانقلاب العسكري، هو رئيس هذا المجلس السيادي (أي رئيس السودان) لمدة 21 شهرا، ثم تخلفه شخصية مدنية لمدة 18 شهرًا.

وتكون قرارات المجلس بالتصويت، لهذا تم تعيين عضو محايد يتردد أنها القانونية المسيحية الجنسية "رجاء نيكولا عيسى عبد المسيح" المستشارة بوزارة العدل، وهي من الوجوه المعروفة بعدم الانتماء السياسي.

وبحسب الجدول الزمني، فإن رئيس الوزراء سيتم تعيينه بواسطة مجلس السيادة في 20 أغسطس، على أن يؤدي القسم في اليوم التالي أمام مجلس السيادة ورئيس القضاء.

وفي 28 أغسطس، سيختار رئيس الوزراء الوزراء العشرين في حكومته، ليعتمدهم مجلس السيادة رسميًّا في الثلاثين من ذات الشهر، ويؤدون القسم في اليوم التالي مباشرة، ويلتئم في ذات اليوم أول اجتماع لمجلس الوزراء.

وبموجب الاتفاقية الدستورية ستبدأ مرحلة انتقالية يتقاسم فيها العسكر وهذا الفصيل السياسي الذي يقوده التيار اليساري والانفصالي، السلطة لثلاث سنوات وثلاثة أشهر.

أين الإسلاميون؟

بسبب قيادة التيار اليساري وانفصاليين جنوبيين (تجمع المهنيين الذي تحول إلى قوى الحرية والتغيير) قيادة المظاهرات التي أدت إلى الانقلاب العسكري على البشير، وبسبب اتهام حزب البشير بأنه حزب التيار الإسلامي (رغم ابتعاد الحركة الإسلامية عنه)، فقد جرى إقصاء الإسلاميين من أي اتفاقات.

بل وجاءت الاتفاقات بين العسكر وهذا التيار خالية من النص على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، واللغة العربية كلغة رسمية، وغيرها من الثوابت، ما دعا تيارات إسلامية مختلفة إلى القيام بمظاهرات لدعم الشريعة دون جدوى ليتم استبعادهم من الاتفاقات الجارية لتقاسم السلطة.

وبسبب ظهور ولاء أعضاء المجلس العسكري لقوى خليجية، خصوصًا الإمارات، معادية للربيع العربي والإسلاميين، والصورة الشهيرة لعبد الفتاح البرهان وهو يعطي التحية العسكرية لقائد الانقلاب في مصر، بات واضحا أن مستقبل السودان سيكون إقصاء التيار الإسلامي، بعدما وضع اليساريون والليبراليون أيديهم في يد العسكر على الطريقة المصرية، وقبلوا بإقصاء الإسلاميين.

أيضا وبعد حملة الاعتقالات لرموز الحركة الإسلامية واقتحام الجيش مقرها واعتقال العشرات من المسئولين السابقين من أعضاء الأحزاب الإسلامية، بات التيار الإسلامي مكبلا وغير قادر على الحركة في ظل القمع العسكري المتتالي، ودعم التيارات اليسارية لهذا الإقصاء دون الاتعاظ من التجربة المصرية، حين وقف اليساريون والليبراليون مع العسكر ضد الإخوان، فأكلهم العسكر بعدما أكل الثور الأبيض.

انقسام الإسلاميين عقبة

ينقسم التيار الإسلامي في السودان إلى 3 قوى رئيسية قادرة على الحشد والتأثير على الرأي العام في البلاد، وهي حزبا المؤتمر الوطني الحاكم سابقا، والمؤتمر الشعبي (حزب الترابي)، وجماعة الإخوان المسلمين، ولكنهم جميعا يشكلون تيار "نصرة الشريعة ودولة القانون".

وبسبب إقصاء اليساريين في قوى الحرية والتغيير للإسلاميين، ورفض العسكر مشاركة إسلاميي الحزب الحاكم في أي مفاوضات، وتحفظ باقي القوة الإسلامية على الوثيقة الدستورية، خصوصًا عدم تضمنها مادة الشريعة الإسلامية، بات الإخوان والسلفيون وحزب الترابي السابق هم الطرف الأكثر ضعفًا.

وقبل عزل البشير، زار المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في السودان عوض الله حسن المعتصمين أمام مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم، وظهر في صور وهو يخط بيديه لافتات تطالب بإطلاق سراح المعتقلين.

وبعد عزل البشير، أصدرت الأمانة السياسية للإخوان المسلمين بيانا رحَّبت فيه بتلك الخطوة، مؤكدة أن "هذه الثورة المباركة لا تستطيع أي جهة أو حزب احتكارها أو توجيهها، بل الكل مشارك دون إقصاء إلا من يُدان قضائيًا.

وقد اعتبر حزب المؤتمر الشعبي أن الوثيقة الدستورية بها العديد من الثغرات والتناقضات، مستهجنًا خروجها إلى النور بتلك الطريقة والكيفية، خصوصا أنها استبعدت الحركة الإسلامية.

وقال نائب الأمين العام لحزب «المؤتمر الشعبي»، الدكتور بشير آدم رحمة، في حوار مع وكالة سبوتنيك الروسية، إن الحزب الشيوعي السوداني، وبدعم خارجي أفلح في قيادة تجمع المهنيين والحراك ضد حكومة المؤتمر الوطني، إلى أن سقط نظام عمر البشير وقفز إلى قيادة الثورة السودانية.

وما زاد من التوجس بشأن هوية من يقودون الثورة هو كشف تجمع المهنيين السودانيين، أن زعيم التجمع هو محمد يوسف المصطفى، وهو قيادي سابق بالجبهة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال)، وهو الفصيل الذي قاد انفصال الجنوب، ويُتهم من قِبل الكثيرين في السودان بعدائه للتوجه الإسلامي والعروبي في السودان.

وتُعتبر الحركة الإسلامية السودانية الذراع الدينية لحزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقا، ولكن الكثير من أعضائها ابتعدوا عن حكم البشير مؤخرا.

وتأسست الحركة عام 1954، واحتفظت باسمها الحالي منذ عام 2004 وأُسند إلى الحركة في البداية في ظل تحالف البشير والترابي، استمرت كمرجعية فكرية لحزب المؤتمر الوطني الذي تأسس عام 1991، حتى بدأ الشقاق داخلها.

وقبيل إعلان وزير الدفاع السوداني السابق "بن عوف" عزل البشير، ثم تولي البرهان وعزله "بن عوف"، بادر الأمن السوداني بمداهمة مقر الحركة واعتقال عددٍ من عناصرها.

وفي عام 2013، انشقَّ عن البشير أبرز قادته الفكريين الإسلاميين غازي صلاح الدين، إثر تعامل الحكومة الفظّ مع هبة شعبية قتل فيها أكثر من 200 قتيل طبقاً لإحصائيات غير رسمية.

وأسَّس صلاح الدين حركة «الإصلاح الآن»، وتبعه بعض الإسلاميين الشباب الذين يرون أنفسهم أكثر انفتاحا وليبرالية على المستوى السياسي.

واتَّهم صلاح الدين قوى سياسية لم يسمّها بممارسة الإقصاء ضد الآخرين، في إشارة إلى «قوى إعلان الحرية والتغيير»، مؤكدا رفض الجبهة كافة أشكال الإقصاء.

ويبدو أن اليساريين كانوا يعدون للانقلاب على البشير عبر رموز في الجيش، ولكن جاء أنصار الإمارات والسيسي لينفذوا انقلابا ضده، مستغلين الثورة في الشارع، وهو ما يجعل التيار الإسلامي في كل الأحوال الطرف الأضعف، خاصة أن قوات الدفاع الشعبي "الجنجويد" باتت هي عصا الانقلاب وأداة الإمارات في قمع الثورة والإسلاميين معا بالتعاون مع اليساريين.

وقد أوضحت جماعة الإخوان المسلمين أنه لا علاقة لها بالبشير، وكانت معارضة له ولكثير من مواقفه الأخيرة، إلا أن قوى اليسار استمرت في تشويه صورتها وإقصائها بدعوى أنها جزء من النظام السابق.

ومع هذا تشير التطورات السودانية إلى صعوبة إقصاء الإسلاميين، خصوصا لو تمت انتخابات حرة ونزيهة بعد 3 سنوات، وعدم وجود انقلاب عسكري يجهض مكاسب ثورة السودانيين الاخيرة؛ لأنهم تمكنوا طوال الثلاثين عامًا الماضية من مفاصل الدولة وأجهزتها ولهم نفوذ رغم محاولات العسكر واليساريين اقتلاعهم.