على طريقة “المخلوع”.. السيسي يبحث عن معارضة مستأنسة لن تحميه من السقوط

- ‎فيتقارير

في استنساخ لتجربة الرئيس المخلوع حسني مبارك، يتدارس نظام السيسي الاستعانة بعدد من كوادر المعارضة المستأنسة للاستعانة بهم في تجميل صورة النظام الانقلابي، عبر تعيينهم أو ترشيحهم وإنجاحهم بانتخابات مجلس الشيوخ الانقلابي المستحدث، وفق التعديلات الدستورية الأخيرة من أجل فرعنة السيسي.

وبحسب مراقبين، فإنَّ دور مجلس الشيوخ أكبر من مجرد ترضية وتأمينٍ للمجموعات التي لا يستطيع مجلس النواب استيعابها من الأذرع السياسية لنظام عبد الفتاح السيسي.

وخلال الأيام الأخيرة، تسعى دائرة السيسي إلى فتح ساحة هذا المجلس أمام دخول بعض الشخصيات السياسية المعارضة، أو التي كان بينها وبين النظام خصومة مؤقتة في بعض القضايا خلال السنوات الخمس الماضية، ليصبح المجلس “ساحة صورية وتجريبية لفكرة خلق معارضة مستأنسة من داخل عباءة النظام”.

حيث تلقت دائرة السيسي نصائح من جهاز الأمن الوطني باستغلال مجلس الشيوخ في هذا الغرض التجريبي والتنفيسي في آن. ولفتت إلى أن بعض قياديي الجهاز أعدوا تقارير رفعوها للمستشار الأمني للسيسي، اللواء أحمد جمال الدين، ومدير الاستخبارات العامة اللواء عباس كامل، ووكيل الاستخبارات نجل رئيس الجمهورية محمود السيسي، يقترحون فيها طرقًا لخلق مساحة معارضة مستأنسة ومُدجنة في مجلس الشيوخ، الذي لا قيمة له دستوريًّا أو تشريعيًّا.

مجلس بلا سلطات

وتخلو المواد المنظمة لمجلس الشيوخ في دستور الانقلاب المعدل من منحه أي سلطات مؤثرة، فهي تسند إليه “دراسة واقتراح ما يراه كفيلًا بتوسيد دعائم الديمقراطية ودعم السلام الاجتماعي والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا، والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطي وتوسيع مجالاته”.

وتعد هذه المهمات من ضمن مجموعة من الألفاظ العمومية والإنشائية الفارغة، التي سبق تضمينها في دساتير سابقة، بلا أي مردود على حياة المواطن المصري. كما تنص المواد على أن يؤخذ رأي المجلس في الاقتراحات الخاصة بتعديل الدستور، ومشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومعاهدات الصلح، ما يعني أن صلاحياته تتوقف عند حدود إبداء الرأي لا أكثر.

وهمَّشت المادة 249 من صلاحيات المجلس، بنصها على أنه يؤخذ رأيه في “مشاريع القوانين ومشاريع القوانين المكملة للدستور التي تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، وما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من مواضيع تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشؤون العربية أو الخارجية”.

وتوضح هذه المادة أن صلاحيات “الشيوخ” ستكون أقلّ من مجلس الشورى في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، لأن دستور 1971، المعدّل في العام 1980، كان يجعل عرض القوانين المكملة للدستور على مجلس الشورى إلزاميًّا، لكن الدستور الجديد يجعل هذا العرض اختياريًّا.

كما تضمنت توصية الأمن الوطني تحديدًا لأسماء بعض السياسيين والأحزاب التي يمكن التعاون معها، والتي قد يجد الأمر قبولا لديها. وبحسب المصادر التي تحدثت لصحيفة “العربي الجديد”، فإن بعض الأسماء المقترحة سبق أن عارضت النظام في بعض المحطات المهمة التي مرّ بها عهد السيسي، كقضية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، والتعديلات الدستورية، وموقف إقصاء جميع المنافسين الحقيقيين في مسرحية  الرئاسة الأخيرة.

ويسعى السيسي، منذ مظاهرات 20 سبتمبر، إلى محاولة امتصاص الغضب الشعبي ببعض القرارات التجميلية التي لم ينفذ أكثرها، مثل إعادة قيد المحذوفين من التموين، وخفض سعر بنزين 92 بقيمة 25 قرشا، وظهور بعض الإعلاميين المحسوبين على النظام كمتحدثين بشكل معارض في محاولة لشغل دور “الإسفنجة” لامتصاص الغضب، كما كان يفعل مبارك.

معارضة تحت السيطرة

كما ظهرت بعض الشخصيات المحسوبة على ما يوصف في أروقة النظام بـ”المعارضة العاقلة”، كالدكتور محمد غنيم، والدكتور أسامة الغزالي حرب، اللذين استضافهما الإعلامي الموالي للنظام عمرو أديب أخيرا، وترك لهما مساحة غير مسبوقة منذ سنوات لنقد سياسات النظام، وتقديم مقترحات سياسية كانت مرفوضة بالكامل سابقًا.

وشهدت الفترة الماضية أيضا خلافات داخل أروقة نظام السيسي حول طريقة التعاطي السياسي مع مظاهرات 20 سبتمبر، حيث بدا مدير المخابرات وجهاز الأمن الوطني مُحرجَين من الحديث عن انتقادات للحكومة وخلق معارضة شكلية لامتصاص الغضب الشعبي المتنامي، وسط رفض من وكيل المخابرات محمود السيسي، والذي يصر على عدم إبداء النظام أي تراجع أمام مطالب الشارع المصري، موبخًا قيادات الداخلية والجهاز الأمني وبعض ضباط المخابرات الذين رفعوا توصيات بإظهار بعض الخطوات الإصلاحية من قبل سلطات الانقلاب.

خطوط حمراء

وذكرت المصادر أن هناك بعض الخطوط الحمراء التي حددتها توصية الأمن الوطني، ليس فقط كتعبيرٍ عن قلقها من الآثار السلبية لتجربة “المعارضة المستأنسة” على تماسك النظام، بل أيضا لتسهيل ترويج هذه الفكرة في دائرة السيسي. ومن هذه الخطوط، عدم التعاون مع نواب تكتل 25-30 الحاليين في مجلس نواب العسكر، والذين كان دخولهم البرلمان قبل أربع سنوات جزءا من خطة استخبارية لتطعيم البرلمان بشخصيات شابة، ثم انخرط بعضهم في معارضة السياسات خارج الإطار المتفق عليه، كأحمد الطنطاوي وضياء داود وهيثم الحريري.

يضاف إلى ذلك، منع التواصل، ورفض تواصل الشخصيات المختارة مع الأحزاب اليسارية والليبرالية التي أنشئت بعد ثورة يناير 2011، وبقيت عصية على تحكّم النظام، على الرغم من ضعفها في الشارع، كحزبي “الدستور” و”التحالف الشعبي الاشتراكي”، فضلا عن الشخصيات السياسية والحقوقية المعارضة مبدئيا للنظام على خلفية أيديولوجية.

وعلى ما يبدو، فإن تلك الخطوات والإجراءات تبقى وقتية لاستعادة السيسي قبضته الحديدية على السلطات العسكرية والأمنية والحزبية بالبلد لإسكات الجميع، إلا أن تلك الخطوات تبقى بلا جدوى في ظل فشل نظام السيسي وعجزه أمام الشارع الذي ضاق ذرعا بالكبت السياسي والقمع الاقتصادي والفقر والاضطرابات الحياتية التي دهست حياة المواطن واستقراره، وسط تململ عسكري من سياسات السيسي الخائنة لثوابت مصر.