سبع عجاف اكتملت منذ وقعت 30 يونيو/ حزيران 2013 في مصر، هل بقي شيءٌ من الوعود لم توف به، أو سر من الأسرار لم تبح به؟

لا ترهق نفسك ولا تضيّع وقتك في استدعاء مسطرة القياس التقليدية التي تُدعى إلى استعمالها كل عام، وأعني ما عرفت باستمارة “تمرّد”، بما اشتملت عليه من مطالب ورغبات وأحلام، فهذا لم يعد له من جدوى، والأفضل أن تبحث في عمقك الروحي عن إجاباتٍ لأسئلةٍ تفرض نفسها في الذكرى السابعة لما جرى، والأهم من الإجابات أن تواجه نفسك بالسؤال الصحيح، وهو لا يتعلق بإنجازاتٍ أو مشاريع أو فرق أسعار العملة أو البطالة، أو غير ذلك من أدوات الاستقراء النمطية.

فقط اسألك: هل ما زلت تريد؟ أو بصياغة أشمل: هل ترى أن الشعب المصري لا يزال يريد شيئًا؟. يبدو لي من واقع حواراتٍ ومناقشاتٍ، بعضها مستفيض وبعضها الآخر عابر، أن أهم نجاحات عبد الفتاح السيسي في مشروع الثلاثين من يونيو أنه نجح في استئصال غدّة الإرادة من داخل القطاع الأوسع من المصريين، إذ اختفت إراداتٌ عديدةٌ، أهمها إرادة التغيير، وإرادة المقاومة، وإرادة التطلع إلى الأفضل، لتأخذ مكانها “الرغبة” أو مجموعة الرغبات الفطرية في النفس البشرية، إذ صار منتهى الأمل البقاء على قيد الحياة، في وقتٍ بات معه الموت حاضرًا ومتوثبًا في كل مكان، وفي كل لحظة، إنْ لم يكن بالتعذيب والقهر، فبالانتحار يأسًا من القدرة على تدبير ما يقيم الحياة. وإنْ لم يكن بما سبق فعن طريق وباء كورونا القاتل الذي اختارت له سلطة السيسي أسلوبًا متفرّدا في التعامل، وهو إعلان الحرب على الأطباء الذين يواجهون الوباء في ظروفٍ عبثية.

نقلت “30 يونيو” مصر من حالة “الشعب يريد” التي سطعت في يناير/ كانون الثاني 2011 إلى مرحلة “الشعب يرغب”، يرغب في الحد الأدنى من كل شيء، من دون أن يمتلك القدرة أو حتى الرغبة في التعبير عن الرغبة، حيث صار ذلك بابًا مفتوحًا على اتهاماتٍ بعدم الوطنية.

أتذكر تلك الليلة جيدًا، حين أطل فريق من الرموز المحترقة عبر الشاشات، يطلب من الشعب الخروج مبكرًا وبكثافةٍ لإسقاط النظام، وتحقيق الأحلام، لكن الذي حدث أن مصر خرجت ولم تعد، تاهت في دروب العبث، وسقطت في بئر الجنون ولم يلتقطها أحد، أو يحاول أحد بجدّية وبضمير أن ينتشلها من القاع.

هذا الشعب، وبعد سنواتٍ من الخديعة، أو سمها الجريمة، لم يعد يريد، ولم يعد من السهل إقناعه عن طريق تلك الرموز التي وعدته بالجنة، وحشدته للخروج، ثم اختفت وتبخرت وتفرغت للتنكيت والنكوص إلى طفولتها المخبأة في ألبوم صور العائلة، لم يعد ممكنًا إقناعه بجدوى خروجٍ جديد، وخصوصًا بعد الجهود الجبارة التي بذلت أخيرا لابتذال فكرة الحشد الثوري، بعد أن صارت بضاعةً تظهر وتختفي من الأسواق في مواسم معينة.

قبل 30 يونيو 2013 بأسبوع، سجلت أن “الاحتشاد على أرضية كراهية الإخوان والإسلاميين فقط لن يبني دولة، ولن يكمل ثورة، بل هو بالأحرى ودون تزيد يحول مجرى الغضب من استكمال الثورة إلى فتح الباب لعملية الانتقام من الثورة”.

كان يوما للانتحار الجماعي.. حشود وحشود مضادة تعلن أن أناسا صنعوا ثورةً رائعة، ثم قرّروا هدمها وإحراقها وإطلاق النار عليها.

لن أحدّثك عن جزيرتي تيران وصنافير وسد النهضة ونزيف الدماء المتواصل في السجون والمعتقلات وفي سيناء وفي ليبيا، فقط أدعوك إلى تأمل صورة السيدة ليلى سويف خارج أسوار السجن، حيث يقبع ولدها الوحيد علاء عبد الفتاح في زنزانة في الداخل. دقّق جيدًا ستكتشف أن هذه صورة مصر بعد سبع سنوات من 30 يونيو 2013، مصر التي غلبها القهر والإعياء وقلة الحيلة، فرقدت على باب السجن، لكن الأوغاد رأوا أنه حتى الرقود صار من الرفاهيات التي تشكل خطرًا على أمن الوطن.

لكن الصورة بقدر ما تكشف عن حالة العجز التي تسيطر على مصر الشعب، فإنها أيضًا تكشف عن أن مصر السلطة بلغت من الجبن والوهن والخوف من دبيب الخطى على الأرض ما يجعلها تصاب بالرعب من سيدةٍ تجاوزت الستين تريد جوابًا مكتوبًا من ابنها السجين، فتطلق قطيعًا من النهاشين على تلك التي “ما زالت تريد”، بعد سبع سنواتٍ من محاولات قتل الإرادة.

—–

نقلا عن “العربي الجديد”

Facebook Comments