أثار تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” حول عن تردي الأوضاع الصحية وغياب التجهيزات اللازمة في العاصمة السورية دمشق، في ظل تفشي فيروس كورونا، العديد من التساؤلات حول أسباب فشل نظام بشار الأسد في مواجهة الفيروس؟ وأين المليارات من عائدات النفط السوري؟ وأين من ساعدوه في قتل وتشريد ملايين السوريين طوال الاعوام الماضية؟

انهيار صحي

وقالت الصحيفة في تقرير لها: إنه من الصعب أن تجد المعدات الواقية في دمشق كالكمامات والمعقمات اللازمة، ونقل التقرير عن إحدي العاملات في القطاع الصحي قولها، إنها اضطرت للاستعانة بالخياطين لصناعة كمامات بدائية، لا تلبي شروط السلامة، بفعل شح المستلزمات الطبية في المستشفى الذي تعمل به، مشيرا إلى أن سكان دمشق أبدوا خشيتهم من وجود إصابات منتشرة في العاصمة، دون أن تسجل رسميا، فيما يتحدث صحفيون محليون في محافظة السويداء عن وفيات بكورونا، يتم دفنهم بطرق غير مسبوقة خشية انتقال العدوى.

وأشارت الصحيفة إلى أن “الجائحة دفعت أكثر الأنظمة الصحية تطورا في العالم إلى حافة الانهيار، ولكن في سوريا الوضع محطم أصلا، فخلال الحرب تم استهداف العاملين الطبيين دون هوادة، ووثقت منظمة أطباء لأجل حقوق الإنسان في أمريكا 923 حالة قتل لعاملين في المجال الطبي منذ عام 2011، فيما كشفت منظمة الصحة العالمية بأن حوالي 70% من العاملين الطبيين غادروا البلد”، مشيرة الي أنه وبعد 600 هجوم على المنشآت الصحية منذ بداية الصراع لم يبق سوى نصف المستشفيات والمراكز الطبية تعمل بشكل كامل في سوريا.

وذكر التقرير أن دراسة لكلية الاقتصاد في لندن كشفت عن وجود 325 وحدة عناية مكثفة فقط في سوريا، لخدمة السكان الذين يصل عددهم إلى 17 مليون، مشيرا إلى أن دمشق لم توقف الرحلات بينها وبين إيران التي تفشى فيها الوباء بشكل كبير، إلا مع بداية شهر مارس، ولكنها كانت تحجر بعض المسافرين السوريين في مرفق حجر مؤقت لدى وصولهم إلى سوريا.

أزمة أقتصادية

من جانبها، حذرت لجنة الإنقاذ الدولية من أنه يمكن للفيروس أن ينتشر في مخيم الهول المترامي، الذي يقطنه حوالي 68000 نسمة أسرع مما فعل على متن سفينة دياموند برنسس؛ حيث أصيب أكثر من 700 من 3711 مسافرًا على متنها في فبراير بفيروس كورونا.

هذا العجز من جانب نظام بشار الأسد في سوريا، لم يكن وليد أزمة كورونا؛ حيث يعاني من أزمة اقتصادية حادة طوال السنوات الماضية، وكتب الخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام، عبر صفحته على فيسبوك، في وقت سابق: “نظام بشار الأسد لا يمتلك خيارات كثيرة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها سوريا، ومن أبرز ملامحها تهاوي قيمة الليرة، وانتعاش السوق السوداء للعملة، وحدوث قفزات في أسعار السلع الرئيسية كالسكر والأرز واللحوم والدواجن والدقيق، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن مع ضعف الرواتب والدخول”، مشيرا إلى أن “مصرف سوريا المركزي لا يمتلك احتياطيًّا كافيًا من النقد الأجنبي يمكن من خلاله كبح عمليات المضاربة المحمومة في سوق الصرف، أو تمويل كلفة واردات البلاد من السلع الاستراتيجية، خاصة الوقود والقمح والمواد الخام والسلع الوسيطة”.

وأضاف عبدالسلام قائلا: “حسب الأرقام غير الرسمية فقد تهاوى الاحتياطي النقدي من أكثر من 18 مليار دولار في العام 2011 لنحو 700 مليون دولار فقط، وهو مبلغ قد لا يكفي لتمويل شحنة قمح مستوردة، والنظام الإيراني، الداعم الاقتصادي الأول لنظام الأسد، غارق في مشاكله الاقتصادية الداخلية، والتي أدت إلى تدافع ملايين المواطنين للخروج إلى الشارع والتظاهر رفضًا لقرار الحكومة برفع سعر البنزين وغيره من المنتجات البترولية، كما أن العقوبات الأمريكية القاسية المفروضة على إيران وحظر تصدير نفطها جفف موارد البلاد من النقد الأجنبي، وبالتالي قلّص من قدرة طهران على دعم حلفائها الإقليميين، سواء في لبنان أو سوريا أو اليمن أو العراق”.

تراجع الدعم

وأوضح عبدالسلام أن “الأموال التي كانت تتدفق من إيران والعراق على النظام السوري عبر الحدود السورية العراقية تراجع ضخها عقب الانتفاضة الشعبية التي يشهدها العراق، واستقالة عادل عبدالمهدي أحد أبرز أدوات طهران في العراق، أما بالنسبة للدعم الذي يتلقاه نظام الأسد من الصين وروسيا فهو مشروط بحصول الدولتين على منافع اقتصادية كبيرة، وصفقات أسلحة وطيران، ومشروعات مربحة كبرى، ومناقصات غير مشروطة، واحتكار لقطاعات اقتصادية ومشروعات البنية التحتية والكهرباء وبعض الموانئ الاستراتيجية، وإعفاءات ضريبية وجمركية وأراض بالمجان، حتى الأموال التي كانت تتدفق على دمشق من لبنان تراجعت بشدة بسبب القيود الشديدة التي فرضها مصرف لبنان المركزي، سواء على عمليات السحب النقدي أو التحويل إلى الخارج، وبدلا من لجوء رجال الأعمال والمستثمرين السوريين إلى السوق اللبناني للحصول على احتياجاتهم الدولارية لتمويل عمليات الاستيراد، فقد حدث العكس وهو لجوء رجال أعمال لبنان للسوق السورية لشراء الدولار”.

وأشار عبدالسلام إلى أن”نظام الأسد ليس له داعمون ماليون دوليون، فالعقوبات الغربية المفروضة عليه قطعت صلته مع المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين والصناديق العربية والدولية، كما تمتنع البنوك العالمية الكبرى ومنذ أكثر من 8 سنوات عن تقديم أي دعم مالي أو منح أو مساعدات لنظام قتل وشرد الملايين من أبناء شعبه، ولا يزال يواجه عملية القتل بدم بارد، أما بالنسبة لموارد نظام الأسد والتي يمكن أن تجلب نقدا أجنبيا فهي معطلة، فالسياحة والصادرات وتحويلات المغتربين والاستثمارات الأجنبية المباشرة تهاوت بسبب الحرب الأهلية المستمرة منذ 2011″.

الثروة النفطية

وحول الثروة النفطية التي كانت تمتلكها سوريا قبل 2011، أوضح عبد السلام أنها “ضاعت وباتت الولايات المتحدة والقوات الكردية تسيطر عليها، وبالتالي خرج القطاع النفطي والغاز من مصادر النقد الأجنبي الرئيسية”، مشيرا إلى أنَّه ومع اقتراب موسم الشتاء، فإن الأزمة الاقتصادية في سوريا مرشحة للتفاقم في ظل ضعف قدرة النظام على توفير النقد الأجنبي المطلوب لتمويل واردات البلاد من السلع الأساسية، ومنها البنزين والسولار والغاز والقمح، كما سيواجه النظام أزمة مركبة تتمثل في نقص السيولة وتنامي ظاهرة “الدولرة”، حيث سيلجأ المدخرون إلى سحب أموالهم من البنوك أو تحويلها لدولار أو نقد أجنبي للحفاظ على قيمتها من التآكل وخطر التضخم وربما المصادرة”.

وأضاف عبد السلام أن “سيناريو تعويم الليرة السورية قائم كحل قد يلجأ إليه النظام السوري في اللحظات الأخيرة، لحظات ما قبل الغرق، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام حدوث قفزات في أسعار السلع والخدمات، وخفض الدعم الحكومي المقدم لملايين الأسر، وزيادات في الرسوم والضرائب والجمارك وفواتير الكهرباء والمياه، خاصة وأن التعويم لن يكون مدارا من قبل البنك المركزي الذي لا يمتلك الأدوات لكبح المضاربات والطلب المستمر على الدولار”، متوقعا خروج الشعب السوري إلى الشارع متظاهرا لينضم إلى انتفاضات لبنان والعراق وإيران وقبلها السودان، ولن تستطيع آلة الأسد القمعية وأد هذه المظاهرات التي ستكون دوافعها اقتصادية هذه المرة وليست سياسية.

Facebook Comments