"لا دخان بدون نار".. مقولة قديمة متجددة تنطبق إلى حد بعيد على ما رشح من أنباء وتواتر من أخبار لا تزال تترى من برقة، على خلفية مبادرة أحد أضلاع الانقلاب "عقيلة صالح" التي يرى البعض أن اللواء الانقلابي المهزوم والمأزوم "خليفة حفتر" ألغاها بالجملة سياسيًا واجتماعيًا، بطلبه تفويضا شعبيا بعد ساعة أو أقل من إعلان عقيلة صالح مبادرته السياسية.

حجم تضارب المصالح واختلاف التوجهات بين مبادرة عقيلة وطلب حفتر للتفويض، يضع المكونات السياسية والعسكرية والاجتماعية في مناطق نفوذ حفتر أمام خيارات محدودة، فعقيلة الذي ينادي بمجلس رئاسي جديد واستمرار البرلمان الحالي قد يراه بعض الفاعلين السياسيين والعسكريين في المنطقة الشرقية مخرجا مقبولا للوضع الذي فرضه عدوان حفتر على طرابلس عليهم، فيما يقضي طلب حفتر التفويض على طموح عقيلة ومن معه في مبادرته. وهنا سوف تواجه المكونات سؤالا صعبا خصوصا إذا استمر عقيلة صالح في تمسكه بمبادرته الأخيرة.

لطيمة بكري!

بعض مواقف محور الشرّ الداعمة لانقلاب "حفتر" هي الأخرى ليست بعيدة على ما يبدو عن مبادرة عقيلة صالح، والتي تقترب بشكل كبير مع التصور الروسي والمصري الدافع إلى ضرورة أن يطور معسكر حفتر موقفه السياسي، خاصة بعد فشل عدوانه على طرابلس، بل تحدثت بعض المصادر الإعلامية عن أن الموقف الفرنسي يقترب من مبادرة عقيلة صالح، خصوصا بعد قرب انتهاء مهلة الإليزيه لحفتر بدخوله العاصمة قبل نهاية شهر أبريل الجاري بحسب صحف فرنسية، فيما بدا موقف أبوظبي وحيدا داعما لحفتر وتفويضه بالاستمرار في الحرب.

يقول "بكري"، في تغريدة رصدتها (الحرية والعدالة): "مطلوب من الجامعة العربية وكل أحرار العالم الاعتراف الفوري بالمجلس العسكري الليبي لقيادة البلاد، وإعادة بناء الدولة بعد إسقاط الاتفاق السياسي وتفويض الشعب الليبي للقائد العام المشير خليفة حفتر بإعادة بناء الدولة، وتحرير ما تبقى من التراب الوطني، وإسقاط الخونة والمتآمرين"، على حد قوله.

وبعد ساعات، احتفت وسائل الإعلام الإماراتية والمصرية بـ”تفويض” حفتر، ونشرت أخبارا تتحدث عن خروج مظاهرات مؤيدة لحفتر في مناطق عدة من ليبيا، كما تحدثت عن إعلان بعض المناطق والقبائل الليبية “تفويضها” لحفتر لقيادة المرحلة المقبلة.

ودوّن "بكري" في مرثية أخرى، يقول: “المشير خليفة حفتر يعلن إسقاط الاتفاق السياسي ويضع الشعب أمام مسئولياته، خطوة انتظرها الليبيون كثيرا، فهذا الاتفاق تم العصف به من قبل حكومة المليشيات، ولذلك جاءت هذه الخطوة متوافقة مع المبادرة التي طرحها رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح”.

وكان صالح قد اقترح قبل أيام خريطة طريق لحل الأزمة الليبية، تتلخص في “تشكيل مجلس رئاسي بالتوافق أو بالتصويت بين ممثلي أقاليم ليبيا الثلاثة، تحت إشراف الأمم المتحدة، يقوم بعد اعتماده بتسمية رئيس للوزراء ونواب له يمثلون الأقاليم الثلاثة، لتشكيل حكومة يتم عرضها على البرلمان لنيل الثقة ويكون رئيس الوزراء ونائباه شركاء في اعتماد قرارات مجلس الوزراء”.

إصرار أوروبي

ودوّن عبد الرحمن الشاطر، عضو مجلس الدولة الأعلى: “على خطى الديكتاتوريين، يدعو حفتر تفويضه بإدارة أمور الدولة. الرجل لا يعيش العصر بقيمه ومعطياته الديمقراطية في تطبيق اختيار الحاكم عبر صناديق الاقتراع، وصلت رسالته بأنه ينهار ويعيش أيامه الأخيرة، سيترك فرحة الانتصار عليه وغصة في حلق المخدوعين فيه، دولا وأفرادا".

وأضاف: “الدول الأوروبية تصر على أن يحكمنا ديكتاتور دموي، قراءتها للوضع في ليبيا خاطئة وتداعياتها وخيمة عليها، هؤلاء الذين يقودون أوروبا بهذا التفكير المصلحي يفقدونها هيبتها ويمرغون قيمهم الحضارية في الوحل، فوضوه ليحكمكم إن كنتم ترونه أهلاً للحكم، أما نحن فلا".

وسرعان ما تصدّر هاشتاج “لا لتفويض مجرم الحرب حفتر” قائمة الوسوم الأكثر انتشارًا في ليبيا على موقع “توتير”، حيث دوّن الناشط محمد القماطي، ضمن الهاشتاج المذكور “بعد الفشل في الاستيلاء عسكريا على #طرابلس وغرب ليبيا عسكريا، يطالب حفتر الناس الآن بتفويض حكمه عن طريق الديكتاتورية! هذا المجرم لا يخلو من العار ويبدو وكأنه رمية أخيرة من الزهر لمحاولة التمسك بدعمه المتداعي في الشرق".

ودون المستشار السياسي السابق للمجلس الأعلى للدولة، أشرف الشح: “لأول مرة منذ عدوانه على طرابلس لا يعلن حفتر عن ساعة صفر جديدة وإنما يطالب بلديات ونقابات بتفويضه وإسقاط الحكومة، ويتكلم عقيلة في التوقيت نفسه عن حل سياسي يحاول به البقاء في المشهد، يبدو أن مثلث الشر العربي بدأ الترتيب لما بعد الفشل العسكري، لن يسمح لكم أحرار ليبيا بالمراوغة".

الاختلافات في تصورات معلنة للدولة المنخرطة في دعم حفتر في ليبيا ترجمتها اختلافات بين مبادرة عقيلة صالح وطلب حفتر بتفويضه للاستمرار في حربه التدميرية العبثية، إذا ما وضع عليها هزائم حفتر المتتالية في غرب ليبيا، عوامل متجمعة تزيد من مستوى الضغوط السياسية والاجتماعية على معسكر حفتر شرق البلاد، وتضع الجميع أمام خيار الاستمرار في الحرب، أو الضغط باتجاه حل سلمي يحول حفتر من قائد عام إلى عسكري في خلفية الأحداث.

Facebook Comments