بعد مقتل 10 عناصر للجيش بينهم ضابط وصف ضابط في تفجير مدرعة، مساء الخميس الماضي، ثم إعلان وزارة الداخلية مقتل 18 أمس الأحد في تبادل مزعوم لإطلاق النار؛ فإن هذا المواجهات المسلحة المفتوحة تثير كثيرا من التساؤلات والألغاز حول دقة الرواية الرسمية التي تحاصرها الشكوك من كل جانب.

في هذا التقرير لن نناقش هذه الشكوك؛ بل فقط نسرد تفاصيل مقال كتبه أحد الموالين لنظام انقلاب 30 يونيو، ثم تعرض للتهميش وشيء من التنكيل، وهو الإعلامي يسري فودة الذي كان يعمل مذيعا سابقا في قناة الجزيرة، ثم انتقل إلى دويتش فيلا الألمانية، وبينهما عمل بفضائيات تابعة لرجال أعمال مبارك.

فودة كتب مقالا تحت عنوان (انتحار المنطق.. فصل لم يُنشر في كتاب “آخر كلام”) والمنشور على الموقع العربي للإذاعة الألمانية في 23 يوليو 2016، وهو برهان ساطع وتجربة عملية تؤكد حجم التزييف الذي تمارسه المؤسسة العسكرية على ما يجري في سيناء. فبيانات الجيش مفبركة ومزيفة ولا تشير للواقع مطلقا بأي حال من الأحوال.

ففي إحدى حلقات برنامجه على الإذاعة الألمانية، ذكر “فودة” أرقام ضحايا الحرب على «الإرهاب المزعوم» في سيناء خلال الستة شهور التالية لانقلاب الجيش في 30 يونيو 2013م، وهي الفترة من يوليو حتى ديسمبر 2013م. والأرقام التي ذكرها هي: (“100” قتيل بصفوف الجيش والشرطة، و50 قتيلا و450 مصابا في صفوف المدنيين، و200 قتيل و200 مصاب في صفوف المسلحين الذين وصفهم فودة بالجماعات التكفيرية اتساقًا مع تصورات النظام، واعتقال 800 من المسلحين).

وبدأ في مناقشة هذه الأرقام مع ضيوف حلقته اللواء أحمد رجائي عطية مؤسس الفرقة 777 لمكافحة الإرهاب، والدكتور كمال حبيب المتخصص في شئون الجماعات الإسلامية، وسعيد أعتيق الناشط السياسي السيناوي.

مفاجأة صاعقة!

يقول فودة: «حتى انتهت الفقرة الأولى وخرجنا إلى فاصل، فهرول إليّ أحد زملائي وعلى وجهه ابتسامة مندهشة.

* أستاذ! الشئون المعنوية (للقوات المسلحة) اتصلوا وبيسألوني إحنا جبنا الأرقام دي منين

– وقلتلهم إيه؟

* قلتلهم زي ما عملنا بالضبط.. وما عمله زميلي مع بقية الزملاء بالضبط وببساطة أنهم جمعوا، بتكليف مني، كل البيانات الرسمية الصادرة عن المتحدث الرسمي للقوات المسلحة خلال الفترة المعنية، من أول يوليو حتى اليوم (23 ديسمبر (2013، بيانًا بيانًا. قاموا بدراستها حرفًا حرفًا وباستخلاص المعلومات والإحصاءات معلومةً معلومة ورقمًا رقمًا، ثم قاموا بمهمة حسابية بسيطة في متناول تلميذ الصف الرابع الابتدائي جمعًا وطرحًا وضربًا وقسمة».

وزارة الدفاع مقلوبة!

ويضيف فودة: «لدى هذه النقطة ظننت أن الأمر انتهى وأنه لم يكن ليتعدى مجرد شغف ضابط صغير عندما رأى أرقامًا تبدو كبيرة، وربما فاته من أين استقيناها. لكنّ ما علمته أثناء الفاصل الثاني لم يكن ليقبله أي عقل ولا أي منطق. قال لي زملائي إن اتصالًا هاتفيًا آخر من إدارة الشئون المعنوية كان غاضبًا، وأن ضابطًا كبيرًا قال لهم إنه لم يكن ينبغي عليهم أن يقوموا بجمع أرقام الضحايا حتى لو كانت واردة في بيانات رسمية متفرقة، وأن الوزارة كلها “مقلوبة”.

ويكمل: «كتمت في نفسي بصعوبة لفظا مصريا شعبيا يتكون من ثلاثة أحرف، وأنا أجهد في تربية مجموعة منتقاة من الصحفيين الشباب المخلصين المهذبين. “ولا يهمّكم .. أنتم صح وهو غلط .. ولو حد اتصل بيكم تاني حوّلوه عليّ».

ويعلق فودة على هذا الموقف بأن المنطق انتحر والذي جعله عنوانا لمقاله، مضيفا أن المنطق الذي انتحر عندئذ قرر لاحقا، بعد ذلك بأكثر من عام ونصف العام، أن يعود إلى الحياة مرة ثانية لمدة دقيقة واحدة قبل أن ينتحر مرة أخرى عندما كُشف النقاب، في بداية شهر يوليو  2015، عن مشروع قانون لمكافحة الإرهاب. في ظل مشروع القانون هذا “يُعاقَب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين كل من تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية”. وهو ما يصعب معه مقاومة طرح هذا السؤال: ما هي إذا عقوبة ضابط يوبخ صحفيّا التزم حرفيّا بنصوص “البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية”؟ وماذا عن نشر أخبار أو بيانات حقيقية تخالف البيانات الصادرة عن الجهات المعنية؟»!

ومنذ سن قانون الإرهاب في 2015، فرض النظام تعتيما كبيرا على ما يجري في سيناء؛ توقفت الأخبار وتوقفت التقارير الجادة والتحقيقات الاستقصائية والمقالات والتحليلات الرصينة ولكن الفبركة والتزييف والأكاذيب لم تتوقف، وآخرها رواية مقتل الــ18 أمس السبت في تبادل مزعوم لإطلاق النار!.. فمن يحرر مصر من هذه العصابة المجرمة؟!.

Facebook Comments