جاء استشهاد المخرج والفنان الشاب شادي حبش في سجون الانقلاب العسكري في هذا التوقيت ليعيد إلى الحقيقة والواقع أولئك المخدّرين أمام شاشات المخابرات تتلاعب بهم كيفما شاءت، عبر أدوات وسحر الدراما والخداع البصري بمشاهد الأكشن وزوايا التصوير الاحترافي والقصة التي حوت قدرا ضئيلا من الحقيقة، نسجت عليه جبالا من المبالغة والأكاذيب.

معلوم أن نظام العسكر ينفق بسخاء شديد على الدراما من أجل تمجيد العسكرية المصرية وستر عوراتها، وتحويل هزائمها إلى انتصارات، وفشلها إلى نجاح مبهر، وخيانة بعض قادتها إلى منتهى الوطنية والانتماء، وبإنفاق المليارات يستهدف النظام عبر سحر الخداع البصري بالدراما تحويل الشعب عن المشهد الحقيقي لإقناعه بمشهد مفتعل يراد المبالغة فيه من أجل صرف النظر عن الحقائق الدامعة التي يراها الناس كل يوم.

استشهاد شادي حبش يرد الجميع من الخيال الباطل الذي يراد إقناع الناس به إلى مشاهد الواقع والحقيقة المجردة التي لا مبالغة فيها ولا إنفاق عليها، شاب مصري لم يرتكب في حياته جريمة، غير أنه شارك في ثورة 25 يناير وأحب بلاده بصدق دون أن ينتفع من هذا الحب الصادق والانتماء الأصيل بشيء من زخرف الدنيا ومناصب العسكر، فما الجريمة التي فعلها حبش ليتم الانتقام منه على هذا النحو الوحشي وتلك السادية المفرطة؟

لم يرتكب الشهيد شادي حبش جريمة سوى أنه أخرج أغنية “بلحة” التي غناها المطرب رامي عصام، لتسخر من قائد الانقلاب وأكاذيبه التي لا تتوقف؛  ذلك أن “بلحة” هو شخصية سينمائية كانت معروفة باحتراف الكذب والتدليس وكرس حياته خادما  لكل إفك وبهتان.

في مسلسل الاختيار، ليس الهدف هو الضابط الراحل أحمد المنسي، بل هو المؤسسة العسكرية التي يراد ترميم شعبيتها بعد أن تآكلت بشدة في أعقاب انقلاب 30 يونيو 2013م، الهدف هو استعادة أي قدر من هذه الشعبية أمام الحقائق التي تتكشف كل يوم عن حجم الجرائم الوحشية التي يمارسها أصحاب النسور والبدلة الكاكي؛ فمن قتل المصريين في مجلس الوزراء  ومحمد محمود وماسبيرو والعباسية؟ ومن قتل شباب الألتراس في استاد بورسعيد والدفاع الجوي؟ ومن قتل آلاف المصريين في رابعة والنهضة مصطفى محمود؟ ومن أحرق جثامين الضحايا وداس عليها بلوادر الجيش في  مشهد شديد الإجرام والوحشية والانحطاط؟ أليس هم أصحاب النسور اللامعة فوق الأكتاف والبدل الكاكي أو المموه؟

من أجهض ثورة يناير ثم نسف المسار الديمقراطي وقتل الرئيس المنتخب وزج بعشرات الآلاف من أنصاره في السجون بتهم سياسية ملفقة، وحولهم إلى عدو في غمضة عين ليقسم المجتمع الواحد إلى شعبين، والشعب الواحد إلى كتلتين متحاربتين؟ أليس هم العسكر؟!

من احتكر الاقتصاد؟ ومن يحتل جميع المناصب الحساسة في الدولة من قمتها حتى مكاتب الوزراء والمحافظين والوحدات المحلية وحتى الشركات الحكومية والخاصة؟ أليس هم العسكر؟ فلماذا كل هذا الفشل الذي تعاني منهم بلادنا؟ ينتقلون من فشل إلى فشل ومن إخفاق إلى إخفاق، ورغم ذلك يصرون على حكم الشعب بالحديد والنار؛ فمن اعترض طُرد، ومن رفض قتل أو اعتقل ولاقى أشد أنواع التنكيل والانتقام!.

يراد من مسلسل “الاختيار” حصار هذا الوعي الشعبي الذي تراكم في سنوات ما بعد الانقلاب، يراد تكريس تزييف الوعي وحصاره، فالمؤسسة العسكرية لا تجيد سوى هذا التزييف منذ انقلابها الأول في 23 يوليو 1952م، تستخدم كل الأدوات والوسائل من أجل أن يبقى وعي الشعب محاصرا بما ترويه من أكاذيب، وما تنسجه من بهتان للتدليس على الناس؛ فلم يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون؟!

قضاء في خدمة الكاب!

ويأتي تقرير النائب الخاص والملاكي للسيسي منسوجا على ذات المنوال، محملا بتلال من الأكاذيب والبهتان من أجل تبرئة نظام انقلابي شديد الخسة والانحطاط؛ مدعيا أن الشهيد شادي حبش انتحر في زنزانته بعد أن شرب كحولا يستخدم في تعقيم الأيدي، تمامًا كما ادعوا على خالد سعيد أنه مات بعد أن ابتلع لفافة بانجو؛ هل يعيد التاريخ نفسه؟ بيان النيابة اعتمد بشكل كلي على شهادة طبيب السجن؛ فهل يظن أحد أن هذا الطبيب يملك إرادته أو قدرة على كشف الحقيقة؟ فلو فعل لسيق إلى الجحيم.

لكن النيابة غير المبجلة وغير المحترمة تجاهلت عمدا مع سبق الإصرار والترصد أن الشهيد حبش المعتقل منذ مارس 2018م، قضى في الحبس الاحتياطي أكثر من سنتين، ما يزيد على المدة القانونية للحبس الاحتياطي؛ وهذا في حد ذاته تهمة مباشرة للنيابة بانتهاك القانون من جهة، واختطاف مواطن بغير حق من جهة ثانية، كان يتعين وفق القانون أن يكون بين أهله وأسرته وليس في سجون طغاة العسكر وجلاديهم.

بالطبع بيان النائب الخاص الملاكي لم يأت إلا بعد أن طالبت الأمم المتحدة، الاثنين الماضي، بإجراء تحقيق شامل في وفاة المخرج المصري الشاب يوم السبت الماضي، وقال المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجاريك، في مؤتمر صحفي بمقر المنظمة في نيويورك: “أثرنا قضايا حقوق الصحفيين مع السلطات المصرية، ونطالب بإجراء تحقيق كامل في ملابسات وفاة المخرج (شادي حبش)”.

كما جاء بعد انتقاد فرنسا وإعرابها عن قلقها من وفاة الخرج الشاب، ودعت القاهرة إلى احترام “التزاماتها” الدولية حول ظروف الاحتجاز. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية، إن “التقارير حول وفاة شادي حبش في السجن مثيرة للقلق.”

ليتهم كانوا كفرعون!

جريمة العسكر في قتل حبش دفعت الكاتب الصحفي وائل قنديل إلى المقارنة بين طغيان السيسي وطغيان فرعون، مؤكدا أن فرعون كان في طغيانه أكثر رقيا وبه مسحة من مروءة يفتقدها السيسي وجلادوه.

وتحت عنوان “ليتهم كانوا في أخلاق فرعون”، يقول قنديل «لم يكن انتقام فرعون ممن خالفوه واتبعوا نبي الله موسى عليه السلام يشمل النساء، حيث كان يحصر خلافه وبطشه بالرجال في دائرة الرجال، ولا ينتقم من الرجل في زوجته أو ابنته، وبحسب السرد القرآني كان يقتل الأبناء ويستحيي النساء، ولم نسمع أنه اعتقل وأخفى قسريًا وعذَّب ونكَّل بأم موسى أو أخته، أو بنساء أحد من أتباعه. كما لم تكن زنازينه مزدحمة بالسيدات والفتيات على هذا النحو الذي تراه في سجون السيسي وبشار الأسد ومحمد بن سلمان».

حتى سحرة فرعون كان لديهم ضمير مهني يحرّكهم ويجعلهم يسلمون بالحقائق من دون مكابرة ويخالفون ما يراه الفرعون، بل ويتحلون بشجاعة اتخاذ موقف وإعلانه، ودفع ثمنه، وقد كان من الممكن (مثلًا) أن يبرروا استسلامهم أمام قدرات موسى التي وهبها الله له بأنه أكثر منهم مهارة وتدريبًا، أو أنه ينفذ مؤامرة لصالح جهات خارجية حاقدة على فرعون وتشن حروب الجيل الرابع أو الخامس.

لم يفعلوا شيئًا من ذلك، بل عرفوا الحق وانحازوا إليه، واستقالوا من خدمة الطغيان الباطل، واختاروا عبادة الله الواحد. لينتهي الكاتب إلى أن هذا النوع الخفيض من الاستبداد المنقوع في السادية هو الذي قتل الشاب شادي حبش في محبسه، كما قتل مئات من نوابغ مصر الحقيقيين بالطريقة ذاتها، بعد أن حرموا من العلاج في السجون.

Facebook Comments