ربما يمكن تبرير انقطاع الكهرباء صيفا تحت ذرائع شتى، على رأسها بطبيعة الحال زيادة الأحمال، ذاك المصطلح السحري الذي تستر خلفه فشلة الانقلاب العسكري العاجر من أجل الخروج من المأزق وتجاوز الغضب الشعبي العارم من ساعات قطع التيار، والتعتيم على الاتهامات الملفقة التي طالما لاحقوا بها أول رئيس منتخب في تاريخ مصر د. محمد مرسي بتهريب الكهرباء إلى غزة.


إلا أن عودة انقطاع التيار في الشتاء وبشكل متنامٍ في كافة محافظات الجمهورية، جاء ليطرح العديد من علامات الاستفهام حول حل يلوح في الأفق المنظور، في ظل سوابق الانقلاب في التعامل مع الأزمات المتلاحقة التي ضربت البلاد والتي جاءت محصلتها جميعا بـ"صفر كبير"، خاصة مع افتقاد الرؤية والاستراتيجية للنهوض بالبلاد، والتفرغ للقمع والسحل داخليا والتسول خارجيا.


متلازمة المازوت والغاز

عودة الظلام إلى مصر أحدث حالة من الارتباك داخل القطاع الذى نخر الفساد بنيانه من القواعد، وهو ما ظهر جليا فى مبررات الوزارة المتناقضة والأعذار المتضاربة، حيث أكد لمتحدث الرسمى باسم وزارة الكهرباء أن  الشركات اضطرت خلال اليومين الماضيين لتخفيف الأحمال نتيجة نقص الوقود وعدم توافره من جانب وزارة البترول


اليمانى اعترف أن ماحدث خلال الأيام الماضية أمر عارض وجاء بسبب ظروف قهرية لعدم وصول كميات الغاز والمازوت المستوردة من الخارج، وأن هذه الكميات المتعاقد عليها كان من المفترض وصولها الشهر الحالى، إلا أنه تم تأجيلها حتى شهر مارس المقبل، وهو ما أدى إلى اضطرار مركز التحكم القومى لشبكة الكهرباء لتخفيف الأحمال بقدرة بلغت فى وقت الذروة إلى 2320 ميجاوات.


ولجأت المهندس أسامة عسران نائب وزير الكهرباء، إلى قطاع البترول من أجل التدخل بشكل مباشر وعاجل لتوفير كميات إضافية من المازوت داخل المحطات، مع دخول وزارة البترول فى مفاوضات فورية مع روسيا والجزائر والإمارات لتوفير احتياجاتنا من الغاز، مع العمل على تنمية مواردها للحيلولة دون تكرار الأزمة.


الصيانة كنز لا يفنى

إلا أن متحدث الكهرباء عاد ليهدم ما بدأه من نقص ضخ الوقود اللازم لعمل محولات التيار، ليكشف أن الصيانة كانت السبب وراء انقطاع الكهرباء حيث تتمسك المحطات بالعمل بالغاز ولابد من تأثرها بشكل سلبى عندما تعمل بالمازوت، وبعد فترة من العمل تخرج من الخدمة وهو ما حدث خلال الأيام الماضية.


الكهرباء زعمت أن مشكلة انقطاع التيار الأخيرة والتى وصلت فى بعض المحافظات لـ 5 ساعات متواصلة لم تدخل حيز الأزمة بعد، وإنما تبقى فى طور الأمر العارض الذى ينتهى بمجرد الانتهاء من أعمال الصيانة التى تقوم بها الهيئة على عجل فى الوقت الحالى.


وطالبت الهيئة المواطنين بضرورة تخفيف الأحمال والتقليل من استخدام الأجهزة التي تستهلك الكهرباء بشكل كبير من أجل تجاوز الأزمة، لتضيع وعود المسئولين بصيف قادم بلا انقطاع الكهرباء أدراك الرياح، خاصة وأن الأزمة عادت فى الشتاء فكيف الحال إذا حل الصيف.


مفيش فلوس

المدقق فى التصريحات القادمة من وزارة قطع الكهرباء، يمكن أن يدرك أن الأمر وإن كان بالفعل يتعلق بالنقص الحاد فى الوقود، إلا أن الأزمة بالأساس ترجع لعدم توافر السيولة الكافية من أجل سد العجز وضخ كميات كافية من الغاز لعودة التيار إلى الأسلاك.


نقص السيولة وتوقف الدعم القادم من شيوخ البترول فى بلاد الخليج بسبب انشغالهم بأزمة تراجع أسعار النفط والتهديدات القادمة من الاكتشاف الصخرى فى بلاد العم سام، دفع قيادات الوزارة العاجزة لطرح فكرة الاعتماد على مازوت أقل كفاءة فى محطات الكهرباء "على أد الإيد" للاستفادة  بفرق السعر خاصة فى ظل الأزمة التى تعانى منها وزارتى الكهرباء والبترول فى توفير سيولة لشراء المازوت.


اليمانى –متحدث قطع الكهرباء- أوضح أن السوق العالمى يتوافر به جميع أنواع المازوت بدرجات متفاوتة منه، والأسعار يتم تحديدها بناء على درجة الجودة والنقاء، والدولة تبحث شراء ما يسد حاجتها حسب الامكانيات المادية المتوفرة.


الأزمة المادية الطاحنة ونقص الغاز، أجبر الانقلاب على التعاقد على مازوت –ردئ- ترتفع فيه نسبة الكبريت عن الشروط المطلوبة بمقابل 600 دولار للطن، لتوفير نحو 100 دولار فى الطن حيث يصل سعر الطن من المازوت المطابق للمواصفات لـ 700 دولار للطن.

 

محطات خردة

خبراء الطاقة لم يلتفتوا لمبررات وزارة قطع الكهرباء، وإن حملوها مسئولية توالى المشاكل والفشل فىإدارة الأزمة بل والتسبب فى تفاقمها بسبب قراراتها الفاشلة، والتى يأتى على رأسها جلب مازوت ردئ أدى إلى تآكل محولات الكهرباء وتهالك المعدات بالمحطات بسبب ارتفاع نسبة الكبريت مما يؤدى إلى خروجها من الخدمة بالكلية أو تناص إنتاجها بفقد أكثر من 1000 ميجاوات.


وكشف الخبراء عن حجم الفساد داخل المنظومة بسبب عصابة الانقلاب، والتى تتباكى على الظروف الاقتصادية الطاحنة، فى الوقت الذى تلجأ إلى شراء مازوت تبلغ قيمته 16 دولارا فى حين أن الوحدة الحرارية للغاز سعرها 8 دولارات، وهو ما يفضح أصحاب المصالح والمنتفعين من تصدير الغاز المصرى بأبخس الأسعار والتفريط فى ثورات البلاد.


"العين فلقت الحجر"

ويبدو أن الأسباب المنطقية والدراسة العلمية والمبررات العقلانية لم تكن كافية لتوضيح أسباب الأزمة، وربما كانت المشكلة أعمق ومعضلة أشد، وهى المفاجأة التى حجبها الانقلاب عن الشعب طويلا من أجل الحفاظ على صحته وسلامته، ومع تفاقم المشكلة لم يجد الناطق باسم وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، بداً من المصارحة والمكاشفة، وأرجع الأزمة إلى "إحنا اتحسدنا".


 وأضاف اليمانى أن الأزمة تجددت بسبب خروج بعض المحطات عن الخدمة أثناء إجراء أعمال الصيانة التى تقوم بها الهيئة لعدد كبير من المحطات، وفقًا لخطة زمنية سوف يتم الانتهاء منها في مايو المقبل استعدادًا لفصل الصيف، ومنعًا لحدوث الانقطاعات التي كانت تحدث الصيف الماضي، غم الموارد المحدودة.


الخطة الاستراتيجية لوزارة قطع الكهرباء فى عهد الانقلاب بصيانة تحول دون تجدد الأزمة صيفا، عجلت بها شتاءً، وهو ما يؤكد أن الحسد يلاحق المسئولين وأنه لابد من "عمل حجاب لطرد الأرواح الشريرة وفك طلسم التيار الشيطانى".

 

والحق إن وزارة تسخر مقدراتها لأكابر المسئولين وتوفر فرص عمل لذويهم بالرشوة والمحسوبية والتى كان آخرها تعيين نجلى رئيس شركة القناة لتوزيع الكهرباء السابق بشركة شرق الدلتا لإنتاج الكهرباء، وقام أحد القيادات الحالية لشركة البحيرة لتوزيع الكهرباء بتعيين ابنته بنفس الشركة، ثم تعيين نجله بالشؤون القانونية بشركة الإسكندرية للتوزيع، فى الوقت الذى يعلن متحدثها أن غلق الباب فى وجه عامة الشعب وعدم وجود أماكن فارغة ووظائف شاغرة، ليس لدى مسئوليها الوقت لعلاج الأزمات، وتترك الشعب فريسة للظلام، وتبقى أبدع حلولها طرح لمبات موفرة على المواطنين بداية من فبراير المقبل، يتراوح سعرها ما بين 20 إلى 25 جنيهًا ويتم تحصيلها ضمن فاتورة الكهرباء تنفيذا للبرنامج العبقرى لرأس الانقلاب. 

Facebook Comments