أكدت جماعة الإخوان المسلمين أنه بعد سنة ونصف من الانقلاب لم يرَ الشعب إلا القمع والقتل والاعتقال والاغتصاب والظلم، ولم ير المصريون شيئًا مما وُعدوا به؛ أن تصبح مصر (أد) الدنيا، وإنما رأوا الفشل في كل المجالات، من مصادرة الحريات، وامتهان الكرامات، وتمزيق نسيج المجتمع، وفجور الإعلام الكاذب، وإفساد القضاء، وتراجع الاقتصاد، والتسول المهين من الخارج، وتنفيذ المخططات الصهيونية بتفريغ سيناء من أهلها، والاستعداد للعمل كشرطي للدولة العبرية يوفر أمنها.

 

وقالت الجماعة في رسالتها الأسبوعية: يأتي التسجيل الأخير ليكشف هذه النوعية من البشر، فلا ضمير ولا وطنية ولا أخلاق ولا أمانة عندهم، ولا خوف من الله، إذ تجتمع عصابة الانقلاب مع مسئولي النيابة على التزوير والتلفيق للإيقاع بالرئيس المنتخب، بل يفخرون بأنهم مزورون، وكأنهم يرددون مقولة العربي الجاهلي: بغاة ظالمون وما ظُلِمْنَا ولكنّا سنبقى ظالمينا.. فهل يؤتمن هؤلاء على الدولة والمال العام والأمن القومي؟ وعلى نزاهة الانتخابات التي ادّعوا أنهم أجروها أو التي يزعمون أنهم سيجرونها؟


نص الرسالة

 

من سنن الله في حفظ الأمم

 

حفظ الأمة بالعدل من سنن الله التي لا تتخلف: لله سبحانه وتعالى سنن وقوانين تحكم الاجتماع البشري، مثلما له سنن وقوانين تحكم الكون المادي، وواجب على المؤمنين والعقلاء أن يتدارسوها؛ ليعرفوا الأسباب التي تقود مجتمعاتهم إلى الحياة السعيدة القوية الناهضة، ويتجنبوا الأسباب التي تؤدي بها إلى الضعف والذل أو الهلاك.

 

من هذه القوانين: أن العدل أساس الملك، وأن الظلم سبب لخراب العمران، لذلك يقول القرآن العظيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لاَ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي لا يدفعنكم كراهة قوم أو عداوتهم أن تظلموهم.

 

وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ، وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى، أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.

 

وفي المقابل يحكي عن فرعون -نموذج الظلم الأكبر في الوجود الإنساني- ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾

 

ألم يأن للصادقين أن يفيقوا ويفيئوا:

نقول هذا بين يدي حديثنا إلى إخواننا الوطنيين المخلصين الذين انحازوا في البداية إلى الانقلاب العسكري الدموي، بحسن نية وحسن ظن منهم.

 

فالآن وبعد سنة ونصف لم ير الشعب فيها إلا القمع والقتل والاعتقال والاغتصاب والظلم، ولم ير المصريون شيئًا مما وعدوا به؛ أن تصبح مصر (أد) الدنيا، وإنما رأينا الفشل في كل المجالات، وبعد مصادرة الحريات، وامتهان الكرامات، وتمزيق نسيج المجتمع، وفجور الإعلام الكاذب، وإفساد القضاء، وتراجع الاقتصاد، والتسول المهين من الخارج، وتنفيذ المخططات الصهيونية بتفريغ سيناء من أهلها، والاستعداد للعمل كشرطي للدولة العبرية يوفر أمنها؛ يأتي التسجيل الأخير ليكشف هذه النوعية من البشر، فلا ضمير ولا وطنية ولا أخلاق ولا أمانة عندهم، ولا خوف من الله، إذ تجتمع عصابة الانقلاب مع مسئولي النيابة على التزوير والتلفيق للإيقاع بالرئيس المنتخب، بل يفخرون بأنهم مزورون، وكأنهم يرددون مقولة العربي الجاهلي: بغاة ظالمون وما ظُلِمْنَا ولكنا سنبقى ظالمينا.

 

فهل يؤتمن هؤلاء على الدولة والمال العام والأمن القومي؟ وعلى نزاهة الانتخابات التي ادّعوا أنهم أجروها أو التي يزعمون أنهم سيجرونها؟

 

لقد برح الخفاء وانكشف الأمر، ليراجع المخلصون أنفسهم، ويغيروا مواقفهم، ويسعوا في رفع الظلم الذي أوقعوه بشعبهم، بالتعاون مع فصيل يعلم الله أنه من أخلص وأنزه الفصائل الوطنية، حريص على وطنه، صادق في حمايته لهذا الوطن الغالي. ورغم كل أكاذيب الانقلاب وأذرعه الإعلامية بأنهم يمارسون الإرهاب، فيعلم الله ويدرك الشعب المصري أنهم برآء من كل ما ينسب إليهم، وأنهم يتحملون قتل الآلاف منهم وإصابة واعتقال عشرات الآلاف، دون أن يلجأوا إلى ثأر أو عنف؛ حرصًا على مصر وشعبها أن تتحول إلى ما يشبه دولا أخرى، مما لا نرضاه لشعبنا ووطننا.

 

أيها الوطنيون المخلصون:

إن سحرة فرعون عادوا إلى الحق فور أن رأوا الآيات، ولم يستنكفوا أن يقال: غيروا موقفهم، بل ضحوا بمستقبلهم في بطانة فرعون، بل ضحوا بحياتهم في سبيل ما آمنوا به؛ لأن سلطان الحق والعدل تغشى نفوسهم، فجلّى عنها الخداع، فهل آن لكم أيها الوطنيون أن تعلنوها قوية واضحة بعد هذا الانكشاف الواضح لزيف الانقلاب: أنكم عائدون إلى ثورتكم، وملتحمون مع الأحرار في ميدان ثورة الحرية والكرامة؟.

 

الساكت عن الظلم شريك في الظلم:

إن من سنن الله في الاجتماع البشري: أن العقوبات الإلهية تعم الظالم والساكت على الظلم، قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ»، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ»، ولما قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ لرَسُولِ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» هذا في حالة الصالحين السلبيين.

 

ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلًا رائعًا للمجتمع، حيث شبهه بالسفينة التي نزل بعض الناس في أعلاها وبعضهم في أسفلها، وكان الذين في الجزء الأسفل إذا احتاجوا إلى الماء صعدوا إلى أعلاها ليملؤوا أوعيتهم، فقال بعضهم: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، وهناك يؤكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم إن تركوهم يفعلون هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا.

 

خيرية الأمة في وقوفها مع الحق ومواجهتها للظلم:

اعتبر الإسلام فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببًا لخيرية هذه الأمة ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وأمر كل مسلم بالقيام بهذه الفريضة بضوابطها الشرعية، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» بل اعتبر هذا العمل أفضل الجهاد في سبيل الله، فقال: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا مَهَابَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْحَقِّ إِذَا عَلِمَهُ، أَلَا إِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ»، وعد الشهيد في ذلك سيد الشهداء، فقال: «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَالَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ».

 

ورفض بكل قوة السلبية في مواجهة الظلم والمنكر، حتى لو كان الشخص السلبي صالحًا في نفسه، فقد أمر الله «مَلَكًا أَنْ يَخْسِفَ بِقَرْيَةٍ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، فِيهَا فُلَانٌ الْعَابِدُ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَنْ بِهِ فَابْدَأْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وَجْهُهُ فِي سَاعَةٍ قَطُّ»، أي لم يغضب وينكر ما يحدث حوله من الظلم والفساد قط.

 

وحينما قام فرعون خطيبًا في قومه يستخفهم ويضللهم بحجج واهية وصفهم الله تعالى بالفسوق حين استجابوا له ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.

 

أما أولئك الإيجابيون الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتصدون للباطل فهم سبب في نجاة الأمم وإصلاحها إن استجابت لهم، وسبب في نجاة أنفسهم في الدنيا والآخرة إن أصرت هذه الأمم على باطلهم.

 

ولقد حكى القرآن الكريم عن مجموعة من هؤلاء الصالحين الإيجابيين الذين قاموا يعظون طائفة فاسدة من بني إسرائيل، فقامت مجموعة أخرى تثبطهم وتخمد هممهم بدعوى أن هذه الطائفة لن تنصلح، فأجابوهم بأننا نعذر إلى الله بأننا أدينا ما علينا، ثم إن أملنا في إصلاحهم لا ينقطع ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ كما أن الله تعالى عندما نجى أنبياءه الذين عصتهم أقوامهم نجا معهم الذين آمنوا وشاركوهم في دعوة الآخرين.

 

وأكد القرآن الكريم أن الله تعالى ينجي أولئك الذين ينهون عن الفساد في الأرض ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ , وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ , وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾

 

لا سبيل لإنقاذ الوطن إلا بمواجهة الانقلاب الدموي الفاسد:

إذا كان هناك من يكره فصيلا من الفصائل الوطنية فليكن منصفا، ولا يحمله ذلك على ظلمهم أو المظاهرة على ظلمهم، أو يرضى به.

 

ومن كان صادق الحب لهذا الوطن العزيز فلا يجوز له أن يؤيد أولئك الذين ثبت بكل دليل فسادهم وخيانتهم وظلمهم وانعدام ضمائرهم واستباحتهم لكل المحرمات والموبقات، وهذا كله نذير شر للبلاد والعباد، ولا يجوز لوطني حر السكوت على كل هذه المنكرات، بعدما أصبحت مكشوفة ومسموعة على أسماع وأبصار الدنيا كلها.

 

ومن السنن الإلهية أيضًا: أن الإيمان والتقوى سبب في انهمار بركات الله تعالى ونعمائه على العباد (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ولا ريب أن العدل والصدق والانحياز للحق وتوخي الخير هي من أهم عناصر التقوى.

 

أما أنتم أيها الثوار الأحرار والثائرات الحرائر، فأنتم ضمير الأمة وأنصار الله الرافعين راية الحق القائمين بين الناس بالقسط، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والصادعين بالحق في وجه الظالمين القاتلين المفسدين، وعليكم بعد الله ينعقد الأمل في تحرير الأمة وتحقيق الكرامة وعودة الحقوق والإنصاف للناس وبين الناس، فاستمروا فأنتم الفئة الذين تحجبون غضب الله أن يعم، وعلى أيديكم بإذن الله سيتحقق النصر ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

 

والله أكبر ولله الحمد

 

الإخوان المسلمون

في 16 من صفر 1436هـ – 8 من ديسمبر 2014م

 

Facebook Comments