لم تحتج الرياضة العالمية لوقت طويل للإعلان عن أبطال مسلمين نجحوا في التربع على عرش العالم في مختلف الألعاب وشقت إنجازاتهم طريقها إلى مسامع الملايين منذ مطلع القرن الماضي، وباتت أسماء نجوم الرياضة من أمة «مُحمد» الأكثر ترديدا على ألسنة العوام رغم الاضطرابات السياسية والاقتصادية خلال تلك الحقبة، ورغم الاستعمار وعدم الاستقرار الذي ضرب أروقة الوطن العربي تحديدا، إلا أنهم كانوا هم الملاذ الآمن فتعلقت الجماهير بأسطورة الملاكمة محمد علي كلاي، ولاعب السلة الفذ كريم عبد الجبار ومحمد أبو تريكة وغيرهم، لما تحمله الذاكرة لتلك الأسماء من صنوف المتعة وألوان المهارة وكثير من الألقاب.

 

واستمر تعلق الجماهير المسلمة بنجوم الألعاب المختلفة حتى تفجرت مع منتصف التسعينيات وبداية الألفية الجديدة موهبة الأسطورة الفرنسي زين الدين زيدان لتحمل مرحلة جديدة من تعلق العرب خاصة والمسلمين بوجه عام بنجمهم المفضل، إذ بات النجم الفرنسي أول موهبة مسلمة تعلن عن نفسها في ملاعب القارة العجوز وتبسط نفوذها على الألقاب والأرقام وتفرض وجودها على كبريات الأندية العالمية.

وبقي زيدان رمزا فريدا لنجم مسلم يدافع عن ألوان أكبر الأندية الأوروبية، حتى برز على الساحة اسم صفقت له الجماهير المسلمة ليس لكونه نجما كبيرا في واحد من أعرق الفرق الإسبانية إشبيلية ولكن لمواقفه الرائعة من أجل دينه ومبادئه وقضيته، فدافع عن مسجد إشبيلية أحد أبرز المعالم الإسلامية في أوروبا والرمز الباقي من دولة الأندلس، حيث نما إلى علم المالي فريدريك عمر كانوتيه نية بلدية المدينة هدم المسجد، فقرر أن يشتري تلك الأرض من ماله الخاص لبقاء المسجد شامخا بين جنبات المدينة التي يكسو مبانيها عبق المعمار الإسلامي.

قائمة الأبطال المسلمين في شتى الألعاب تطول بصورة مشرفة لا يمكن حصرها في سطور معدودات إلا أن بعضهم نجح في حفر اسمه في ذاكرة الجماهير بمواقفه الإنسانية المحترمة وتمسكه بمبادئ دينه الحنيف، والتعامل بثبات مع عنصرية الغرب ضد المسلمين أو تعنت المسئولين ضد الشعائر الإسلامية.

 

صلاة ويتيرز

قضية اللاعبين المسلمين في خارج القطر الإسلامي، أعادها إلى السطح لاعب كرة السلة ديون ويتيرز الذي تغيب عن تقديم لاعبي كليفلاند كافالييرز والنشيد الوطني، خلال المباراة التي جمعت فريقه مع يوتاجاز في الدوري الأمريكي لكرة السلة، من أجل تأدية واجب الصلاة قبل الدخول إلى الملعب.

ويتيرز أثار حالة من الجدل داخل فريق كليفلاند كافالييرز، بعد تغيبه عن عزف النشيد الوطني وتقديم اللاعبين المشاركين في المباراة، حيث دخل عقب أن أنهى صلاته إلى المباراة قبل ثوانٍ من الانطلاق، ليجلس على مقاعد الاحتياط، وهي المرة الأولى التي يكون فيها اللاعب بديلاً، الأمر الذي أثار حفيظة الجماهير.

وشنت وسائل الإعلام الأمريكية هجوما حادا على اللاعب المسلم –أفضل مسجل في دوري الـNBA– واعتبرت ما فعله إهانة للسلام الوطني بسبب اعتناقه الإسلام، إلا أنه تعامل مع الأمر بكثير من الثبات، مؤكدا أنه طالما ردد السلام الوطني ويحترم تماما نشيد بلاده، ولكنه لن يتردد عن الصلاة في وقتها حتى لو كلفه الأمر التخلف عن أكبر المباريات.

 

مسجد كانوتيه

موقف نجم السلة الأمريكي، أعاد للأذهان مواقف كانوتيه الذي أرسى فكرا جديدا في كرة القدم الأوروبية يؤكد على أن موهبة الكرة تمنحها أخلاقيات الإسلام طابعا مختلفا وبعدا أخر، فبعد تبرع اللاعب بقرابة 600 ألف يورو للبقاء على مسجد مدينة إشبيلية الأثري، تمسك النجم المالي بأداء شعائره الدينية في وقتها فأجبر إدارة ناديه على احترامها، بدءا من إيقاف المران من أجل أداء لاعب واحد صلاته، إلى تصميم قميص خاص به لرفضه إرداء إعلان يخالف تعاليم دينه لمؤسسة تدير أعمال القمار أو وجود الصليب على شعار ناديه.

وبقى كانوتيه بأعماله وتفاعله رمزا غاليا للاعب المسلم في بلاد الغرب، فلم ينس قضية المسلمين الأولى في فلسطين فاحتفل بأحد أهدافه بالكشف عن قميص يحمل اسم هذا البلد الغالي، كما أصر على السجود على أرض الملعب عقب كل هدف رغم حملة العداء الصحفية ضد فعلته المتكررة، إلا أن حملته التي دشنها لحث المسلمين في إسبانيا على صلاة الفجر تحت عنوان "صلاة الفجر مقياس علاقتك بالله عز وجل" تبقى علامة مضيئة في تاريخ هذا اللاعب الرائع.

 

سيف ريبيري

وتعددت الأسماء المسلمة البارزة في هذا المضمار، حيث قرر الفرنسي فرانك ريبيرى نجم بايرن ميونيخ مخالفة برتوكول احتفالات ناديه البافاري بالألقاب، ورفض حمل كأس من الخمر في حفل التتويج بلقب البوندزليجا.. وهو الأمر الذي أجبر ناديه على احترام الشعائر الإسلامية، كما أعلن عن موقفه الرافض لشن فرنسا هجمات على عسكرية على ليبيا، وتحدى رئيس بلاده ساركوزى فأطلق اسم سيف الإسلام على نجله.

 

فطرة كلاي

وفي خضم الحديث عن مواقف اللاعبين المسلمين الذين أجبروا العالم على الانحناء لهم احتراما، لا يمكن تجاوز علامات أسطورة الملاكمة محمد علي كلاي، الذي طالب وسائل الإعلام بعدم وصفه بالأعظم، معللا ذلك بأنه لا عظيم إلا الله، كما استغل تتويجه بلقب بطولة العالم بترديد الشهادتين على مسامع العالم أجمع.. معلنا عودته إلى الفطرة السليمة.

وقرر الملاكم المسلم شن حملات واسعة جابت بلاده من أجل القضاء على العنصرية ضد الزنوج، كما هز موقفه الرافض لحرب بلاده ضد فيتنام العالم أجمع وبات قضية وقف لها أحرار العالم احتراما وتقديرا، رغم أنها كلفته سحب لقب العالم منه وحرمانه من ممارسة رياضته المفضلة والزج به إلى سجن العسكر الأمريكي.

 

عصير توريه

تمسك المسلمون بقيم ومبادئ دينهم أجبر الجميع على مبادلته باحترام مماثل، فقررت رابطة الأندية المحترفة في إنجلترا تغيير الجائزة الممنوحة لأفضل لاعب في كل مباراة، بعدما رفض اللاعب الإيفواري المسلم يايا توريه تسلم الجائزة "زجاجة الخمر" لأنها تتنافي مع تعاليم دينه لتخصص جائزة للاعبين المسلمين عبارة عن زجاجة عصير، كما عاد اللاعب نفسه ليقحم أول طفله محجبة معه إلى ملعب الاتحاد قبل انطلاق مباراة فريقه مانشستر سيتي.

 

مصلى نيوكاسل

وأجبر حرص لاعبي فريق نيوكاسل الإنجليزي المسلمين على أداء الصلاة "ديمبا با وبابي سيسيه، وحاتم بن عرفة وشيخ علي"، إلى تخصيص مصلى في قلب النادي من أجل السماح للاعبيه وأنصاره بأداء الصلاة، ليصبح أول نادٍ في بريطانيا الذي يخصص مكان لإقامة شعائر المسلمين.

 

أدعية الملاعب

مواقف بالجملة لأبطال في شتي البلدان ومختلف الرياضات نقلت الكاميرات صورهم وهم يقرأون الفاتحة قبل كل مباراة كما فعل إنيلكا مع فرنسا وأوزيل مع ألمانيا، أو يرفعون أكفهم إلى رب العالمين في أرض الملعب مثل أبيدال مع برشلونة والملاكم الأمريكي بيرنانرد هوبكينز، أو برفض الاحتفال بسكب الخمور عليه كما فعل ريبيري مع البايرن، كلها مواقف كانت كفيلة بأن تخطف الأنظار وتبرهن على الالتزام بالدين وأن التدين لا يمكن أن يمنع موهبة من التوهج والإبداع.

 

صيام مونتاري

كل تلك المشاهد لم تشكل عائقا أمام المسئولين عن الرياضة في الغرب، بقدر ما شكل الصيام أزمة حقيقية للاعبين المسلمين، حيث دخل سولي مونتاري في صدام مع أكبر مدرب في العالم جوزيه مورينيو من أجل التمسك بفريضة الصيام في الإنتر، الأمر الذي كلفه الرحيل عن جدران النادي الإيطالي.

أبو ديابي نجح في تجاوز أزمة اللاعب الغاني في الكالتشيو بإقناع مسئولي نادي أرسنال بأهمية الصيام بالنسبة له، ومدى تعلق المسلمين بشهر رمضان وشعائره وروحانياته، ومع أدائه الثابت في المباريات لم يجد المدفعجية أدنى مشكلة في السماح له باللعب وهو صائم.

 

سجود دي بي

أزمة الصيام تغلب عليها كذلك ديمبا با مع أندية نيوكاسل وتشلسي، وكان حلها لديه حاضرا بأن أخبر المدير الفني في كل مرة بأنه سيبذل أقصى جهده كما يفعل دائما وإذا خذله يمكنه أن يخرجه من الملعب، ولكن للحق فإن اللاعب نجح في أن يحول أمر الصيام لصالحه تماما، حيث أبدع كما لم يبدع من قبل مع المكابيس وتوالت أهدافه المؤثرة ليحتفل في كل مرة بالسجود على أرض الميدان، ويصبح السجود هو الاحتفال الأبرز لعشاق الفريق الإنجليزي، خاصة بعدما انتشر مقطع فيديو لأطفال إنجليز يحتفلون بتسجيل الأهداف على طريقة دي بي.

 

أمير القلوب

لا يمكن الحديث عن مواقف اللاعبين المسلمين في العالم دون ذكر أمير القلوب محمد أبو تريكة الذي أيقظ ضمير العالم عندما رفع قميص المنتخب في احتفاله بهدفه في مرمي السودان في كأس الأمم الإفريقية 2008، كاشفا عن شعار "أنقذوا غزة" لينال بطاقة صفراء وصفها الجميع بأنها إنجاز يفتخر به اللاعب، تريكة لم يغب يوما عن قضايا أمته فانتصر لرسول الله بعد الحملات الأوروبية القذرة أمام كاميرات العالم في نهائي أمم إفريقيا 2006 بـ"فداك أبي وأمي يا رسول الله"، وبقيت مواقف اللاعب الخلوق ومساندته للشهداء نموذجا يحتذى به أمام محاولات النيل منه أو المساس بمكانته في قلوب الجميع.

لاعبون برهنوا في كل مرة عن موهبة فذة وأداء لافت، إلا أنهم لم يتركوا أبدا تعاليم الإسلام أو يرضوا الدنية في دينهم، بل على العكس تماما فرضوا على الغير تغير ثوابته وأجبروهم على احترام شعائرهم وقدموا صورة مشرقة للاعب المسلم ربما أزالت الكثير من الاتهامات الملفقة التي لاحقت المسلمين في العالم. 

Facebook Comments