في خطوة تؤكد استهانة الحكومة الإثيوبية بكل من مصر والسودان والإصرار على بدء تخزين المياه يوليو المقبل، قالت الخارجية الإثيوبية اليوم الإثنين إن "خطة بدء ملء السد في موسم الأمطار المقبل هو جزء من البناء المقرر دون الحاجة لإخطار مصر والسودان".

من زاوية أخرى، حصلت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة على بيزنس ضخم من وراء أزمة سد النهضة؛ حيث أسند رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي بشكل مباشر للهيئة بالبدء في تنفيذ مشروع تبطين الترع والمصارف بجدران إسمنتية بهدف منع تسرب المياه على مستوى الجمهورية. وطلب السيسي من الهيئة الهندسية الانتهاء من المشروع في عامين بدلا من عشرة أعوام؛ وهو ما يمثل عبئاً إضافياً على كاهل الدولة المثقل بالأزمات، خصوصاً في ظل فيروس كورونا.

وكان وزير الري بحكومة الانقلاب محمد عبد العاطي، قد أعلن أمام السيسي في 22 إبريل الماضي، خلال افتتاح لمحطة طلمبات (مضخات) رفع مصرف المحسمة، أنه في الظروف العادية كان يجري تبطين 50 كيلومترًا من الترع سنويًا، إلا أنّ الخطة القومية عُدِّلَت لتبطين نحو 2000 كيلومتر من الترع كل عام، ولمدة 10 سنوات، ليصل إجمالي الترع التي سيجري تبطينها خلال فترة الخطة إلى 20 ألف كيلومتر. وأكد أن أعمال تبطين الترع وتكسيتها لها العديد من الفوائد، منها حل أزمات وصول المياه إلى نهايات الترع، وإيصالها بسرعة أكبر للمزارعين، ما ينعكس على زيادة الإنتاج، وخفض فواقد المياه من التبخر، وخفض معدلات التسرب إلى الأرض، لكن السيسي قاطع الوزير، قائلاً إن هذه الخطة لا يجوز أن تنجز في 10 سنوات ولا 5 سنوات، وأن على الوزارة إنجازها خلال عامين، مهما بلغت التكلفة.

سبوبة مائية 

ووفقا للتقرير فإن قرار تبطين الترع في المحافظات "مكلف جداً"، بحيث تصل تكلفة 3 إلى 4 كيلومترات من التبطين إلى 5 ملايين جنيه (نحو 318 ألف دولار)، ما بين أسعار الحجر والإسمنت والعمالة والنقل، مرجحًا "فشل عملية التبطين نظراً لتكلفتها، رغم أهميتها الكبيرة في ترشيد المياه المهدورة"، وأنه "في حال استمرار عملية التبطين، من الممكن أن يؤدي ذلك إلى إلغاء بعض مصارفها في المحافظات، وتحويل عدد من الزراعات إلى مصارف أخرى مجاورة، ما سيؤدي في النهاية إلى إلحاق الضرر بمئات آلاف الأفدنة وتهديدها بالبوار، وبالتالي الإضرار بالمزارع والمستهلك معًا".

وبحسب التقرير فإن هذا المشروع وضعته حكومة الدكتور هشام قنديل سنة 2012م في عهد الرئيس محمد مرسي على أن يتم الانتهاء منه في 10 سنوات، وقد نُفِّذَت بعض العمليات بالفعل، لكن من دون وصف الأمر بالمشروع القومي، وبعيداً عن الدعاية الإعلامية، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، في سياق التبشير بتحقيق وفر كبير في المياه يصل إلى 5 مليارات متر مكعب سنويًا، ما يساهم بالطبع في تعويض الخسارة التي ستتكبدها مصر في السنوات المقبلة.

لكن تنفيذ المشروع في عامين فقط يرهق الموازنة العامة بشكل كبير لأنه يتطلب رفع كفاءة جميع الترع على مستوى الجمهورية خلال عامين، كما أمر السيسي، لكن المبالغ الطائلة التي ستُنفَق على هذا المشروع كان من الممكن توجيهها إلى مشروع آخر أكثر سهولة وأقل تكلفة، ويمكن بالفعل تنفيذه في أقل من عامين، وهو تطوير نظم لتجميع وتنظيف وتسهيل استخدام خزانات المياه الجوفية التي تتسرب فيها هذه الكمية التي يُرجى حالياً الاستفادة منها. وبحسب تقرير أُعدّ في عام 2016 في عهد وزير الري السابق حسام المغازي، كانت هذه العملية ستكلف أقل من 20 في المائة مما كانت ستكلفه عملية التبطين الشاملة، لو أُجريت بأسعار ما قبل قرار تحرير سعر صرف الجنيه.

وتوصل الخبراء إلى أن التوسع في مشروع تبطين الترع  كان قد طرح آنذاك، لكن خبراء الوزارة نصحوا بعدم التعجيل فيه، نظراً لانخفاض فائدته مقابل المبالغ التي ستنفق عليه، ولذلك اقترحوا أن تكون الخطة على 10 سنوات على الأقل، وبالتوازي مع بدايتها يُنجَز مشروع الخزانات الجوفية، وصولاً إلى رفع كفاءة العديد من شبكات الصرف الصحي في المحافظات، التي تضر بمخزون المياه الجوفية وتزيد تكلفة أي استفادة محتملة منها. فضلاً عن أن ذلك المشروع المهمل كان سيساهم مباشرةً في تحسين صحة المواطنين، وخصوصاً في المناطق الفقيرة التي تنتشر فيها الأمراض الناتجة من شرب المياه الملوثة بآثار الصرف الصحي.

900 مليار بيزنس محطات التحلية

ومنذ 2015 بدأت الهيئة الهندسية للجيش في تنفيذ ما يسمى بالمشروع القومي لمحطات تحلية المياه، وقد صمم رئيس الانقلاب وقتها على تولي المؤسسة العسكرية مشاريع التحلية بالكامل، باعتبار أن هذا الملف أمن قومي، وبالتالي فإنها مسئولية الجيش”، معتبرةً أنّ محطات التحلية “تحتاج لخبرات كبيرة في هذا المجال ولا بد من الاستعانة بخبراء من خارج مصر، للوصول لأفضل تكنولوجيا في هذا المجال، لأنه لا مجال للخطأ”.

وكان الدكتور محمد عبد العاطي، وزير الري بحكومة الانقلاب، قد كشف عن رؤية الوزارة لمواجهة أزمة عجز الموارد المائية، وأضاف الوزير، خلال جلسة بمجلس النواب يوم 10 يناير 2018م، أن الخطة القومية للموارد المائية شارك فيها 9 وزارات معنية بالمياه، ولكل منها دور، وتكلفة الخطة 900 مليار جنيه، وتنفذ على مدار 20 عاما لإقامة محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وتحلية مياه البحر.

وكان جنرال العسكر قد اعترف، في تصريحات سابقة، أن ما يتم في مصر حاليًا أكبر مشروع في تاريخ مصر لمعالجة مياه الصرف الصحي والتحلية. وأضاف السيسي أن الدولة وجهت جهودها لإنشاء هذه المحطات ليس من باب الترف، ولكن لحل مسألة محتملة: “مش هتكلم أكتر من كدا”، وتابع: “مش ممكن هنسمح إن يكون فيه مشكلة مياه في مصر، كدولة وحكومة وقيادة”، ومشروع معالجة المياه هو الأضخم والأكثر تكلفة في تاريخ معالجة المياه في مصر!.

لكن خبير الموارد المائية نادر نور الدين،  قلل من تغطية محطات تحلية مياه البحر احتياجات مصر من المياه العذبة الصالحة للشرب، بعد بدء عمل سد النهضة. وقال في تصريحات صحيفة، إن “مشاريع تحلية مياه البحر مهمة للغاية، لكنها ليست بديلا عن مياه النيل”، مشددا على ضرورة تمسّك مصر والتحرك بفعالية أكبر للحفاظ على حصتها من مياه النيل.

وحول زيادة أسعار المياه بعد إنشاء هذه المحطات، لفت إلى أنّ “هذا الأمر متوقّع تماما، خصوصا مع زيادة تكلفة محطات التحلية من ناحية الإنشاء واستخدام تلك التكنولوجيا”. وأضاف أنه “لا بدّ من النظر إلى تجارب دول أخرى في تحلية المياه”، متخوفا من فكرة الاتجاه لبيع المياه للمواطنين بالصورة التي تعمل وفقاً لها دول الخليج.

كذلك أبدى خبير في “مركز الأهرام للدراسات السياسية”، تخوفه من مسألة دخول تحلية المياه في إطار مصالح اقتصادية للمؤسسة العسكرية، من خلال جني أرباح جراء بيع مياه التحلية. وقال الخبير: إن “سيطرة الجيش على الاقتصاد المصري باتت أمرا واقعا، ولكن لا بد من إبعاد القضايا الحيوية عن هذا الفكر الذي يسيطر على النظام الحالي”. وأوضح أنّ التخوفات فيما يتعلّق بسيطرة الجيش “هو بيع المياه الصالحة للشرب بأسعار مرتفعة، بخلاف المياه المتوفرة في المنازل، وهذا يزيد من الأعباء على المواطنين”. وتابع أنّ “تصدير السيسي لمسألة إنشاء محطات التحلية، هو محاولة للهروب من الفشل في التعامل مع ملف سد النهضة، خصوصا بعد إهدار حقوق مصر بتوقيع اتفاق إعلان المبادئ في الخرطوم” بين مصر والسودان وإثيوبيا.

https://www.youtube.com/watch?v=Ck3NkjbVqXM

Facebook Comments