أدت تطورات مكافحة عدوى فيروس كورونا إلى انكشاف كبير للمؤسسة العسكرية في مصر، فمنذ الاحتفالية الاستعراضية العسكرية المهيبة التي ظهر فيها زعيم الانقلاب عبد الفتاح السيسي، في الأسبوع الأول من أبريل الماضي، مقدمًا نفسه باعتباره القائد الأعلى لقوات محاربة كورونا، ونشرت آلته الإعلامية من صحف ومواقع وفضائيات أن السيسي شاهد فيلما تسجيليا عن استعدادات مكافحة فيروس كورونا، وأنه تم تجهيز كل المستشفيات العسكرية لاستقبال العسكريين والمدنيين مع تجهيز 22 مستشفى عسكريًا بطاقة 4 آلاف سرير و4 مستشفيات ميدانية متنقلة بطاقة 502 سرير عزل؛ حتى اليوم لا تزال مستشفيات الجيش والشرطة مغلقة أمام المصابين بالعدوى من عموم الشعب المصري.

بمرور الأيام اتضح أن ما نقلته وسائل الإعلام التابعة للعسكر لم يكن سوى زفة عسكرية ضخمة، الهدف منها هو الدعاية للنظام ومؤسسته العسكرية في محاولة لترميم شعبيتهما التي تآكلت بفعل الفشل المستمر في كافة المجالات؛ لأن هذه الزفة الاستعراضية انتهت إلى لا شيء بعد مرور شهرين فقط. وحتى هذه اللحظة تصر المؤسسة العسكرية والشرطية على عدم فتح مستشفياتها للمصريين في صورة من أبشع صورة العنصرية والتمييز بين المواطنين.

وبعكس جميع دول العالم حتى التي يتم تصنيفها باعتبارها نظما رأسمالية متوحشة، تم توفير الرعاية الصحية للجميع على السواء دون النظر إلى طبيعة وضعهم المادي أو الوظيفي؛ لأن ذلك نوع من التمييز يخالف دساتير هذه البلاد؛ وعندما أصيب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون تم إيداعه مستشفى حكومية يتلقى فيها معظم المواطنين الرعاية الصحية دون  تمييز.

تمييز إيجابي للعسكر

الأكثر غرابة وصدمة أن رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي- خلال لقائه نقيب الأطباء في 28 مايو الماضي، من أجل بحث الأزمة بين الحكومة والنقابة بسبب عدم كفاية أدوات وإجراءات الوقاية من العدوى التي توفرها وزارة الصحة للطواقم الطبية- رفض التطرق مطلقا إلى مقترح بتخصيص بعض المستشفيات التابعة للقوات المسلحة وجهاز الشرطة، لعزل المصابين بفيروس كورونا من المدنيين، بحجة أن تلك المستشفيات تحكمها قوانين ولوائح خاصة، وطالب بعدم فتح الحديث مرة أخرى عن مستشفيات الجيش والشرطة، لما تثيره من لغط في الشارع، بوصف خدماتها تقتصر على أفراد المؤسستين العسكرية والشرطية؛ وهو رفض كاشف لعمق التمييز الإيجابي الذى تحظى به المؤسستان العسكرية والأمنية على حساب باقي جموع الشعب، الذين بانوا عاجزين عن إيجاد سرير عزل في أي مستشفى حكومية إلا إذا كانوا يملكون واسطة لها علاقة بشبكة المافيا الحاكمة.

وفي محاولة للخروج من هذه الورطة، تم تسريب امتلاء المستشفيات العسكرية عن آخرها وأن هذا هو السر وراء عدم فتحها للمصابين من أبناء الشعب حتى اليوم؛ وهو الخبر الذي أشارت إليه صحيفة “العربي الجديد” الأربعاء 10 يونيو، لكن قبل عشرة أيام فقط كانت سلطات العسكر قد بررت غلق مستشفيات الجيش والشرطة بأن هناك أماكن بمستشفيات العزل، وأن نسب الإشغال بها 85% بينما نسبة الأشغال بالمستشفيات التي تم تحويلها إلى عزل وعددها 320 مستشفى تصل إلى 17% فقط؛ وأن اللجوء لمستشفيات الجيش والشرطة سيتم عند خروج الأمر عن السيطرة.

وهي التصريحات التي جاءت على لسان المتحدث باسم مجلس وزراء الانقلاب نادر سعد لإحدى فضائيات السلطة، وبحسب سعد، فإنه عند امتلاء المستشفيات المخصصة لـ«كورونا» سيتم اللجوء للجامعية، وزيادة عدد الأسرة المُخصصة لمصابي «كورونا» في المستشفيات العامة والمركزية، ثم اللجوء إلى مستشفيات القوات المسلحة والميدانية التي سيكون ضمها لمنظومة العلاج مرتبطًا بخروج الأمر عن السيطرة، بحسب تعبير متحدث الحكومة.

ورغم امتلاء المستشفيات الحكومية وامتلاء مواقع التواصل الاجتماعي بالاستغاثات المتعددة وعدم قدرة المواطنين عن إيجاد سرير عزل لأقاربهم المصابين، لا تزال مستشفيات الجيش والشرطة مغلقة في وجود الشعب، في انعكاس لعمق التمييز والاستعلاء وتكريس للطبقية داخل المجتمع.

وعلى وقع فرض الضرائب والرسوم الباهظة ورفع أسعار الخدمات الأساسية من جديد بعد قرض صندوق النقد الجديد، وعدم قدرة الحكومة على حماية الناس من العدوى، أوشك المجتمع الممزق على الانفجار ولعله يكون قريبا؛ من أجل إعادة بناء مجتمع جديد ووضع عقد اجتماعي جديد لا يكون فيه تمييز لفئة العسكر وأجهزة الأمن بل يكون الجميع أمام القانون والثروة سواء، في طموح نحو العدالة بشقيها السياسي والاجتماعي على حد سواء، والتي كانت أحد أهم أهداف ثورة 25 يناير الموءودة بفعل مؤامرات العسكر ومكائد أجهزة الأمن.

بيزنس الجيش

من المؤسف حقًا أن المؤسسة العسكرية تعاملت مع انتشار الفيروس باعتباره فرصة استثمارية؛ حيث منح جنرال الانقلاب السيسي امتياز تعقيم المدارس والجامعات للجيش خلال فترة تعليق الدراسة، ليس باعتباره تكليفا وطنيا ضمن خطة مكافحة الفيروس بل باعتباره عملا استثماريا. وكلف السيسي وزارتي التعليم والتعليم العالي بسداد تكلفة عمليات التعقيم من ميزانيتها الخاصة لإدارة الجيش.

في ذات السياق، عهدت وزارة العدل للقوات المسلحة في منتصف مارس الماضي بتطهير كل مباني المحاكم على مستوى الجمهورية خلال فترة تعليق جميع المحاكم الابتدائية والجزئية والأسرة والاقتصادية ومجلس الدولة ومحكمة النقض.

كما امتد بيزنس الجيش في عمليات التعقيم إلى مقرات مجلسي النواب والوزراء وما يحتويان عليه من منشآت وقاعات مؤتمرات مقابل مليون جنيه، رغم أن عملية التعقيم لم تستغرق سوى ساعتين فقط.

وعلى الدرب ذاته لجأت جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية والمحافظات إلى إدارة الحرب الكيميائية في عمليات التعقيم والتطهير من ميزانيتها الخاصة، الأمر الذي يعني توجيه الأموال المخصصة لمنع تفشي كورونا إلى الحسابات الخاصة لوزارة الدفاع، عوضا عن توجيهها لصالح تطوير المستشفيات وتوفير المستلزمات الطبية.

Facebook Comments