الانقلاب العسكرى فضح تناقضاتها الكثيرة

خبراء:

النخبة العلمانية تنظيرية ليس لها أى وجود على الأرض

تسعى إلى تزييف وعى الشعب المصرى عبر إعلام الانقلاب

لا تتمتع بعقلية ناضجة وهدفها تشويه صورة المنافسين

أحمد فودة: نخبة مزيفة تؤمن بديمقراطية الوصول إلى السلطة فقط

مدحت ماهر: كفرت بالمدنية وتحالفت مع العسكر ضد الشرعية

أحمد عبد الله: لا يوجد فى مصر نخبة بمفهومها الحقيقى

 

رغم الكوارث والمجازر الوحشية التى يرتكبها الانقلاب العسكرى فى حق الشعب المصرى عقب انقلابه الدموى على السلطة الشرعية، إلا أنه جاء كاشفا وفاضحا لحقيقة النخبة المصرية، وأبرز التناقضات الكثيرة التى وقع فيها ما يدعون أنهم نخبة ليبرالية تؤمن بمدنية الدولة المصرية، فهذه النخبة أعلنت من قبل إيمانها بمبادئ الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، لكن ما نراه على أرض الواقع يتنافى تماما مع ما أدعت أنها تؤمن به من مبادئ.

ويرى خبراء أن هذه النخبة تؤمن بالديمقراطية التى تُمارس فى بلاد الغرب ويسعون بشتى الطرق إلى تطبيقها ويقبلونها إذا أتت بهم إلى السلطة، أما إذا جاءت بغيرهم فسرعان ما يرفضونها ويكفرون بها، موضحين أنه عند النظر إلى شعارات الحرية التى كانت تنادى بها هذه النخب نجد أنها أول من أيدت فرض حالة الطوارئ وحظر التجوال، وكذلك الحال بالنسبة لاحترام حقوق الإنسان لم تحرك ساكنا لما يمارسه الانقلابيون من اعتقالات وقتل وحرق لأنصار الشرعية.

وأوضح الخبراء لـ"الحرية والعدالة" أنه لا يختلف الأمر بالنسبة لتطبيق سيادة القانون فتخرس أمام تلفيق التهم للأبرياء، ويرددون ما تتناقله وسائل الإعلام من أكاذيب دون التفكير فيها ولو لحظة واحدة.

 

النخبة التنظيرية

فى البداية، يقول أحمد فودة -الخبير السياسى ومدير مركز النخبة للدراسات- إن النخبة العلمانية فى مصر والعالم العربى ما هى إلا نخبة تنظيرية أكثر منها فعلية وموجودة على أرض الواقع، بمعنى أنها تقبل بمبادئ العلمانية التى تقوم على أساس الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان التى كانت نتاجا للحضارة الغربية فى حال ما أدت إلى وصولهم للسلطة، أما إذا جاءت بغيرهم من التيارات السياسية الأخرى فإنها لا تقبلها وسرعان ما تنقلب عليها.

ويضيف فودة أن هناك وقائع تاريخية تثبت ذلك مثل التجربة الجزائرية والتجربة المصرية ليست الحديثة فقط والمتمثلة فى الانقلاب العسكرى ولكن التجربة القديمة فى العهد الملكى وثورة 1952، مشيرا إلى أن النخبة العلمانية تعد البديل المدنى للاحتلال العسكرى المباشر من جانب الغرب الذى وقع للدول العربية فى نهايات القرن التاسع عشر.

ويتابع: "النخبة كانت بمثابة البديل الآمن الذى صنعه الغرب للحفاظ على مصالحه فى دولنا، إذ يعلمون جيدا أن العرب إذا ارتقوا سيتمكنون من السيطرة على قمة النظام الدولى"، لافتا إلى أن تلك النخبة تبذل قصارى جهدها للاستمرار فى السلطة وتشويه التيار الإسلامى.

ويوضح فودة حقيقة النخبة قائلا: "إذا ما نظرنا إلى ما يحدث فى مصر نجد أن النخبة التى كانت تتشدق بالديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان حينما لم تنجح فى أية استحقاقات انتخابية والتى أجريت على مدار العامين الماضيين، قامت بالتحالف مع المؤسسة العسكرية للانقلاب على هذه الاستحقاقات، متسببة بذلك فى تدمير إرادة الشعب المصرى ودخول مصر فى حالة من الفوضى الشديدة وارتكاب المجازر ضد مؤيدى الشرعية ورافضى الانقلاب".

"شرعنة" الانتهاكات

ويقول فودة إن النخبة العلمانية ادّعت احترامها لحقوق الإنسان غير أن كثيرا من مؤسسات المجتمع المدنى المختصة بالدفاع عن حقوق الإنسان والتى تنتمى إليها ترفع صوتها فقط، زاعمة أن هناك انتهاكات من جانب التيار الإسلامى فى أثناء حكمهم وتدعو إلى تدويل القضية ضدهم، أما إذا حدثت انتهاكات ضد التيار الإسلامى فإن النخبة تخرس ولا نسمع لها صوتا، وتسعى إلى "شرعنة" هذه الانتهاكات، مستدلا على ذلك بردود أفعال المؤسسات الحقوقية تجاه كافة المجازر التى ارتكبها الانقلابيون وكذلك عمليات الاعتقالات والاعتداءات الوحشية يومياً ضد مؤيدى الشرعية فى كل مكان.

وأشار مدير مركز النخبة إلى أن كل تلك التناقضات تؤكد أن النخبة لا ترى فى الديمقراطية إلا مجرد مطية تمتطيها للوصول إلى السلطة والحفاظ على مصالح الجهات الخارجية التى تدعمها للوصول إلى الحكم، مضيفاً: "فيما يتعلق بالسيطرة على الإعلام نرى أن الإعلام منذ الخمسينيات يسيطر عليه التيار اليسارى الذى يدّعى الثورية، لكن لما وصل التيار الإسلامى للحكم واجهه ووقف ضد المسار الديمقراطى لتزييف وعى الشعب المصرى"، مؤكدا أن وسائل الإعلام التى تدعى الليبرالية والحرية ليس لها هَم سوى تشويه الخصوم السياسيين ومنع أى محاولات لزيادة الوعى السياسى.

التحالف مع العسكر

ومن جانبه، يوضح مدحت ماهر -المدير التنفيذى لمركز الحضارة للدراسات السياسية والباحث السياسى- أن التناقض هو السمة الغالبة على النخبة العلمانية فى المشكلة المصرية الراهنة، مشيراً إلى أن هذا التناقض بدأ منذ قيام ثورة 25 يناير، إذ كانت تدعى هذه النخبة أنها من دعاة الديمقراطية والحقوق الإنسانية ولكنها فى الحقيقى كانت بمنأى عن أى "اختيار شعبى"، بمعنى أنها كانت تتجنب الاعتراف بكل ما يدلى به الشعب من رأى فى صندوق الانتخابات ويكون هو الحكم فيه، لافتا أن هذا ظهر منذ استفتاء مارس 2011 وما تلاه من انتخابات.

ويقول ماهر إن كافة ترتيبات هذه النخبة تحت دعوى التوافق بعيدة عن الإرادة الشعبية، فبعد الانقلاب العسكرى وافقت على تعيينها فى مناصب حكومية ولجان مختلفة من جانب قادة الانقلاب، فى حين أنها رفضت خارطة الطريق التى دعا إليها الرئيس الشرعى محمد مرسى مرارا وتكرارا ورفضت كل محاولات الرئيس للتوافق المجتمعى والمصالحة الوطنية.

ويضيف المدير التنفيذى لمركز الحضارة: "من التناقضات التى وقعت فيها النخبة العلمانية أيضا أنها كانت تزعق بالمدنية وأقامت تحالفا غير مسبوق فى تاريخ مصر مع العسكر، بل يسعى غالبيتهم من أجل أن يكون مرشح ثورتهم المزعومة هو قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي"، لافتا إلى أنهم يرمون خصومهم بالتبعية والعمالة لصالح أمريكا فى حين أن زيارة رئيس وزراء حكومة الانقلاب حازم الببلاوى للإمارات التى طالبت مصر بضرورة الاعتماد على نفسها خير دليل على غرقها فى التبعية للدول الأخرى حتى الصغيرة منها.

وتابع ماهر: "صدعت النخبة رءوسنا بالدستور التوافقى وتشكيل لجنة لصياغة الدستور تمثل كل فئات وطوائف المجتمع المصرى، وهى فى الحقيقة كانت تريد كسب الوقت لأنها تحتاج فترة لتجهيز نفسها للمواجهة الانتخابية مع التيار الإسلامى الكاسح فى الشارع المصرى، ولكن بعد الانقلاب ذهب كل هذا أدراج الرياح".

ويشير الباحث السياسى إلى أن نسب العنف زورا وبهتا لمن لا يمارسه فى حين يتم السكوت والرضا عن عنف الانقلاب يعبر عن تناقض النخبة أيضًا، موضحا أن الجانب العلمانى وافق على عودة الشرطة لممارساتها القمعية ولما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير وكذا عودة نظام المخلوع مبارك إلى سدة الحكم حيث يشكلون ثلث حكومة الببلاوى.

منع التظاهرات

ويوضح أن النخبة تدعى على الطرف الآخر التشدد فى حين أنها تروج للدموية والعنف وإقصاء أغلبية الشعب، وتؤيد منع التظاهر بعد أن خرجت فى تظاهراتها المزعومة فى 30 يونيو، وتبارك غلق القنوات الفضائية ذات التوجه الإسلامى.

ويؤكد ماهر أن المؤسسات الحقوقية التى تنادى باحترام حقوق الإنسان والتابعة للنخبة تتجاهل ما يقوم به الانقلاب من اعتقالات لرافضى الانقلاب، حتى إن السجون ضاقت بهم ويؤيدون قرار الحكومة ببناء 3 سجون، لافتاً إلى أن تلك النخبة كانت تلتقط أى هفوة للرئيس محمد مرسى فى حين أنها تسكت عن جرائم الانقلابيين والمجازر التى يرتكبونها، كما تدعى أن 30 يونيو من أجل تمكين الشباب فى حين تغض الطرف عن متوسط عمر وزراء حكومة الببلاوى فوق 60 عاما.

ويشير ماهر إلى موافقة النخبة على الاستبداد الذى يمارسه الانقلاب ولا تعتد بمن فى المعتقلات ومن يتعرضون للتعذيب والحرق والقتل، بل تؤيد ما يقوم به الانقلابيون من جرائم وتدعو إليه، مؤكدا أنهم داسوا على المسألة الحقوقية بأقدامهم منذ اللحظة الأولى من الانقلاب.

غياب النخبة

أما الدكتور أحمد عبد الله -مدرس الطب النفسى بكلية طب الزقازيق- فيقول إنه لا يوجد فى المجتمع المصرى النخبة بمفهومها الحقيقى، حيث لا تستطيع القراءة بجدية وتتعامل مع الأفكار والموضوعات وتجرى مناظرات حقيقية، موضحا أن التعليم فى مصر تلقينى وغالبية المصريين يسمعون فقط وهذا ما يندرج على النخبة.

ويضيف عبد الله: "هناك معايير عدة لا بد أن تنطبق على النخبة منها أن يكون لديها عقلية أسبوعية تبتكر لصالح البلد ومواقف مختلفة"، لافتا إلى أن الحديث عن النخبة يحتاج إلى مراجعة أولئك الذين يسمون أنفسهم بالنخبة، مؤكدا أن غالبية النخبة تبحث عن مصالحها الشخصية وليس مواقفها ومبادئها، ويتابع: "السنوات الثلاث الأخيرة كشفت بوضوح أن الأغلبية الساحقة التى كانت تتصدر النخبة تبحث عن مصالحها فتجدها مع جماعة الإخوان المسلمين فترة حكمهم وبعد الانقلاب يزايدون عليهم وينتقدونهم بشدة".

المواقف المركبة

ويشير أستاذ الطب النفسى إلى أن الأحداث المتوالية أظهرت أن النخبة المصرية تسير مع الجموع ومن ثم ظهرت الشخصيات الإمعة، مضيفا أن فكرة العدل والإنصاف تحتاج إلى أخلاق وهى تأتى من منطلق الجانب الروحى، مؤكدا أن البنية الروحية عند أغلب المصريين متآكلة.

ويطالب عبد الله بضرورة أن تثبت النخبة على مواقفها ولا تغيرها وبخاصة موقفه ضد نفسه شخصيا بصرف النظر عن مشاعر الكراهية أو الحب من الأشخاص، موضحا أن المجتمع يساعد على إفساد النخبة وكذا منظومة التعليم الفاسدة فى مصر التى يقع عليها عبء تكوين العقلية الناقدة وهى تعد بمثابة ألف باء نخبة.

ويضيف: "فى تصورى الأغلبية من النخبة لا تتمتع بعقلية ناضجة وليس لديها مبادئ وأخلاق متينة"، مشيرا إلى أنه قد تتغير مواقف تلك النخبة فى حال تغير مواقف الناس وتشجيعهم على اتخاذ مواقف مختلفة. 

Facebook Comments