تشهد أروقة النظام خلافات بين مؤسسة الرئاسة، ومشيخة الأزهر، بشأن الأسماء المطروحة للتعيين في مجلس الشيوخ كممثلين للمؤسسة الدينية. حيث جرى استبعاد الأسماء المقربة من شيخ الأزهر "أحمد الطيب"، ضمن سياسة المكايدة بين النظام والمؤسسة الدينية، ما أثار غضب "الطيب".

3 شخصيات فقط
ومن المقرر تعيين 3 شخصيات فقط كممثلين عن المؤسسة الدينية ضمن كوتة التعيينات الخاصة بالسيسي، التي ينص عليها دستورهم. وحددت الأجهزة السيادية والأمنية المشرفة على الانتخابات، التي تجرى الأسبوع المقبل، 3 أسماء، من بينها مفتي الجمهورية الأسبق علي جمعة، وخالد الجندي، والأكاديمي عبدالله النجار، ويراهن علي جمعة على التعيين بمنصب شيخ الأزهر، منذ الانقلاب العسكري، ويشن حملات "أسفنة" عديدة ضد شيخ الأزهر… ومنذ سنوات هناك صراع علني بين السيسي وشيخ الأزهر أحمد الطيب، مع سعي الأول لسحب أكبر قدر من الصلاحيات الممنوحة للأخير المحصن من العزل بموجب الدستور.

الهجوم على شيخ الأزهر
ومن أبرز المعارك الدائرة بين الأزهر والسيسي، ما أثير مؤخرا بشأن قانون دار الإفتاء، حيث يتصاعد الخلاف بين الطرفين، في ظل محاولات سيادية لتقليم نفوذ شيخ الأزهر "أحمد الطيب".

ومن "تعبتني يا مولانا" إلى الهجوم الإعلامي على شخصه، ومن محاولة وضع مدة لولاية شيخ الأزهر، إلى دعوات تجديد الخطاب الديني، ومن تنامي نفوذ وزارة "الأوقاف" ومحاولة فرض "الخطبة المكتوبة" إلى ضم "الإفتاء" لرئاسة الوزراء، تتواصل المواجهة إلى أجل غير مسمى.
ويستهدف مشروع قانون تنظيم دار الإفتاء المصرية، إعادة تنظيم كل ما يتعلق بالمفتى من حيث وضعه الوظيفى، وإجراءات تعيينه واختياره، ومدة شغله للمنصب، والتجديد له، وسلطاته، واختصاصاته، ومن ينوب عنه فى تسيير شئون الدار بوجه عام فى أحوال معينة. يتضمن القانون المثير للجدل، عدة مواد، أخطرها نقل تبعية دار الإفتاء لوزارة العدل، وتطور المقترح لاحقا إلى نقل تبعيتها لمجلس الوزراء، في تجاوز للواقع القائم باعتبار دار الافتاء وكل المؤسسات الدينية تتبع الأزهر الشريف. ووفق مشروع القانون المحال إلى مجلس الدولة لمراجعته، ستكون "دار الإفتاء المصرية هيئة تتمتع بالشخصية الاعتبارية، تتبع مجلس الوزراء، تتمتع بالاستقلال الفني والمالي والإداري، مقرها الرئيسي محافظة القاهرة، ولها أن تنشئ فروعاً بالمحافظات".

إبعاد الأزهر عن الأسرة
وتمنح مواد القانون، دار الإفتاء، حق القيام على شئون الإفتاء، وإبداء الرأي الشرعي فيما يرد إليها من استفسارات، وتقديم الاستشارات الشرعية في شأن المعاملات المالية المعاصرة، وإجراء الأبحاث الشرعية المتعلقة بالفتوى والرد على الشبهات المثارة، وتسوية المنازعات بين الأفراد، وإعداد المفتين وتأهيلهم، وإصدار النشرات والكتب والمجلات وأية إصدارات ذات الصلة بنشاط دار الإفتاء.
لكن اللافت تضمين مواد القانون، البند رقم 4 في المادة الثانية، وينص على حق الإفتاء في "تقديم الاستشارات في كل ما يتعلق بالمجال الأسري"، وهو ما يطيح بالأزهر بعيدا عن قضايا الأسرة في ظل اعتراضاته على قانون الأحوال الشخصية.

ويتمسك الأزهر بأحقيته في تقديم مشروع قانون الأحوال الشخصية للبرلمان، يتعلق بحق الرؤية وحضانة الأطفال بعد انفصال الزوجين، والنفقة والطلاق وغيرها من القضايا الخلافية. وفي ديسمبر الماضي، قال عبدالفتاح السيسي، إنه لن يوقع على مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي يجرى مناقشته حاليا إذا تبين أنه لا ينصف المرأة، وهو ما اعتبر رسالة وتحديا للأزهر.
وتثير المادة الرابعة الجدل، وتنص على: "في حال خلو منصب المفتي أو قيام مانع لديه يندب رئيس مجلس الوزراء بقرار منه من يقوم مقامه إلى أن يعين مفتٍ جديد، أو زوال المانع"، ما يعني سحب اختيار المفتي من هيئة كبار العلماء التابعة للأزهر، وجعل ذلك بيد رئيس الوزراء.

سلطة موازية
كذلك منح القانون، دار الإفتاء موازنة سنوية مستقلة، وموازنة تخطيطية مستقلة، وحق إنشاء حسابات خاصة بالبنك المركزي تودع فيها مواردها الذاتية، وهي كلها بنود تزيد من استقلالية الدار بعيدا عن المشيخة. بينما ترى المشيخة في القانون الجديد، محاولة متعمدة لإنشاء كيان مواز يسحب من اختصاصات الأزهر، ويقضي بتهميشه لصالح كيان سي كون تحت أمر السلطة التنفيذية. وتأمل المؤسسة الدينية، عرقلة القانون من قبل المحكمة الدستورية العليا، بدعوى عدم دستوريته، وتعارضه مع مواد أخرى في الدستور المصري..
تبدو المخاوف جدية من أن القانون الجديد، سيجعل من دار الإفتاء، معبرا لتمرير الفتاوي التي رفضها شيخ الأزهر من قبل، مثل الطلاق المكتوب وتكفير "الدولة الإسلامية". وكان "السيسي" وجه عتابا علنيا لـ"الطيب"، أثناء الاحتفال بعيد الشرطة عام 2017، بقوله "تعبتني يا فضيلة الإمام"، وذلك في سياق حديثه عن ضرورة تغيير الموقف الشرعي من قضية "الطلاق الشفهي"، واعتباره كأن لم يقع إذا لم يتم توثيقه، وهو ما رفضه الأزهر.

وللخلاف بين المؤسستين جذور تعود إلى أغسطس 2013، حينما أعلن شيخ الأزهر، عبر بيان متلفز، تبرؤه من الدماء التي سالت خلال فض اعتصام أنصار الرئيس الراحل "محمد مرسي" في ميداني رابعة العدوية والنهضة، عقب الانقلاب العسكري الذي قاده "السيسي".. واتسعت هوة الخلاف في ديسمبر 2014، عندما أصدر الأزهر بيانا، رفض فيه تكفير منتسبي "الدولة الإسلامية"، وأوضح أنه "لا يستطيع أحد أن يحكم على مؤمن بالكفر مهما بلغت سيئاته". واستمر الخلاف مع إصرار "السيسي" على ضرورة تجريم زواج من هم دون 18 عاما، مطالبا الأزهر بتحريمه، لكن شيخ الأزهر رد لاحقا بأنه لا يوجد نص صريح قاطع في القرآن أو السنة يبيح أو يمنع زواج القاصرات.

الدفاع عن السنة
وفي نوفمبر 2018، شن "الطيب" هجوماً عنيفا على الداعين لاستبعاد السنة النبوية من التشريع، وهو ما اعتبر ردا على دعوات "السيسي" المطالب مرارا بتجديد الخطاب الديني.
وقبل نحو 4 سنوات، جرت محاولة لتمرير تعديل لقانون الأزهر يقضي بتحديد ولاية شيخ الأزهر، لكنها باءت بالفشل، وظل "الطيب" متمسكا بحصانته من العزل حتى بلوغ الثمانين من عمره، لكن المحاولات الرامية لتفريع الأزهر من مضمونه، تواصلت عبر تقييد صلاحياته، وسحب اختصاصات جوهرية منه.. وهكذا يستمر الصراع العسكري لتدجين مؤسسة الأزهر وتقليم اظافر شيخ الأزهر، لضمان سيطرة الانقلاب العسكري على كل مؤسسات الدولة بقوة الدبابة.

Facebook Comments