قد تكون قلقًا، حزينًا يائسًا، فاقد الأمل فى التغيير، وقد تكون هذه الحالة دائمة أو تأتى على فترات، وربما أخذتك  إلى ما هو أضرُّ بصلاح بالك واستقرار نفسك. الحقيقة أننا من نصنع هذه الحالة التى تعكِّر صفَونا وتصدِّع رءوسنا وتُذهب نومنا.

فى مسيرة الحياة، عند من طالت أعمارهم، هناك صور ومشاهد عجيبة، تعود بك إلى الدين، مهما كانت قناعاتك؛ من ثمَّ لا غرو من إذعان أكابر الكافرين له لما عقلوا هذه المشاهد واعتبروا بها. ففى كل يوم يولد بشر ويموت آخرون، ويشبُّ بشر ويعجز آخرون، ويغتنى أناس ويفتقر آخرون.. وهكذا. فهلا استطاع أحد إيقاف هذا الناموس، أو حرفه لينفع به نفسه، يدفع به ضرًّا أو يجلب به نفعًا؟ لم يحدث، ولن يحدث.
فلِمَ إذًا هذا الخوف الذى غيَّر سحنتك وأحالك رجلًا غير الرجل وإنسانًا غير الإنسان؟ تخيل لو أن هناك عوالم أخرى أرقى منا يروننا من حيث لا نراهم ورأوا منك هذا الجزع وتلك اللهفة غير المبررة على الدنيا. أتصور أنهم سينظرون إليك كما ننظر نحن إلى تلك النملة المضطربة التى فقدت سربها فهى تتخبط يمنة ويسرة من ضلالها الطريق وفقدانها ذويها.

إن أصحاب الهمم العالية لا يبكون على اللبن المسكوب، ولا يأسون على شىء كما يأسى الصبى، بل نفوسهم مطوية على عزيمة تفتُّ فى المخاطر ولا يعييها همٌّ ولا غمٌّ، ولا يثنيها قلة ولا فقر، فصاحب الهمة ذلل نفسه على قيادها حيثما كان الخير، ولجمها عن ولوج أبواب الشر، وفى نيته ألا يسبقه أحد إلى موطن يكون فيه رضا الله.

فكِّر قبل أن تكفر بأنعم الله، واستمتع بالمتاح ولا تبكِ على ما ضاع، ولا تكن فى عجلة، فإنها من الشيطان، واقرأ وطالع سير الزهّاد والحلماء وأهل العفو الذين سبقوا الركب وحازوا الشرف فلم ينفلت لهم زمام ولم يتغير لهم قلب، فكانوا سادة الدنيا إذ علموا أن البكاء عليها خسيسة تهوى بصاحبها إلى وحل الذل والمهانة.

صاحبتُ أحدهم، وكانت هيئته لا تلفتنى قبل أن أصحبه، فوجدته نادرة من نوادر الزمان، ذو ثغر لا يفتر عن ابتسامة الرضا والاستبشار، حتى فى أحلك الظروف، وذو بيان، على بساطته، يذكرك بالله، تلحظ فيه الإذعان لله وحسن التوجه إليه، وفيه خبرات الدنيا مجتمعة ومختصرة فى سلوكات تنم عن نجاح جلىّ فى إزاحة كثير من الفوضى التى نصنعها بأنفسنا فتلهينا عن فلسفة الحياة. سألته يومًا: وكيف أصل إلى ما وصلت إليه سيدى؟ قال: استعن بالله ولا تعجز، ودع الأمور تجرى فى أعنتها ولا تبيتن إلا خالى البال، وإن استطعت أن تذكر الله على كل حال فافعل، وعليك بقيام الليل فإنه دأب الصالحين ومدرسة الأولين الذى تنفك به العقد وتنفرج به الكُرب، وهو دواء النفس والجسد، والدعاءُ ترياق كل ضائقة، به نستدرُّ رحمة الله، ونستنجد جبروته وقوته، ولا شىء أنفع للنفس من الزهد والتواضع وقلة الكلام، ولا شىء أضرّ بها من الفراغ وكثرة الجدل وغيبة الآخرين.

وماذا لو استقبلت من عمرك ما استدبرت؟ أو كما نقول: ماذا تفعل لو عاد بك الزمان إلى فتوتك وشبابك؟ لا شىء أفضل من الإنصاف؛ الانتصاف من النفس بإطلاقها فى سباقات الخير، وبردعها عن مواطن الخطأ، والانتصاف للحق باتباع طريقه ومصاحبة أهله، مهما كانت الكُلفة، فلهذا خُلق الإنسان، لم يُخلق الإنسان عبثًا كما البهيمة تأكل وتشرب وتسافح أختها، بل هو الخَلْقُ الأكرم عند الله، خلقه لأجل العبادة والإصلاح، وأرسل الأنبياء له قدوات، فمن آمن بهم وعمل عملهم فقد سَعِدَ، ومن عصاهم حق عليه البؤس ولازمه الشقاء.

وأرباب الحكمة يقولون استفد من أخطائك، واندم على معاصيك، وداو جراح من آذيتهم، واعف فالعفو من شيم الكبار، واصبر فإن الصبر شطر الإيمان، وهو مربط الفرس وعنوان المقال؛ فلو صبر آدم ما أُخرج من الجنة، ولو صبر العاصى عن معصيته لأُبدل خيرًا منها، ولو صبر على الطاعة لوجد حلاوتها فى قلبه وبركتها فى عيشه.

Facebook Comments