أثار إعلان رئيس الوزراء التونسي المكلف هشام المشيشي، الاثنين  الماضي، تشكيلة حكومته، التي وصفها بــ"حكومة كفاءات مستقلة"، جدلا واسعا في الأوساط التونسية، قبل  طرحها للتصويت عليها برلمانيا، في 1 سبتمبر المقبل، وفق قرار مكتب البرلمان؛ التزاما بالآجال الدستورية المحددة بأسبوع من تاريخ انعقاد مكتب البرلمان.
حكومة المشيشي المكوّنة من 28 عضوا تحتاج إلى نيل ثقة الأغلبية المطلقة من أصوات البرلمانيين، أي ما لا يقل عن 109 أصوات. وهي الحكومة الثانية خلال 6 شهور، والثالثة منذ الانتحابات البرلمانية.

واستهدف المشيشي من خلالها ، بحسب بيانه، الابتعاد عن الموازنات الحزبية، تاركا الأمر للبرلمان، ليتحمل مسئوليته، وهي طريقة يعتبرها مراقبون "فرضا للأمر الواقع".. ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن الشخصيات التي تم اختيارها تتمتع بالكفاءة والاستقلالية، يرى آخرون أن بعضها فاقد للكفاءة وتحوم حولها انتماءات سياسية، ما يجعل الحكومة غير مستقلة. ويحظي المشيشي حتى الآن بدعم كتلة تحيا تونس (10 نواب) وكتلة المستقبل (9 نواب)، والكتلة الوطنية (11 نائبا) وفق تصريحات رؤسائها بعد لقاءاتهم برئيس الحكومة الملكف.

وبينما لم تحدد بعض الكتل موقفها بعد تجاه حكومة المشيشي، عبرت 5 كتل برلمانية وحزب عن مساندتها، فيما يرفضها "التيار الديمقراطي" و"ائتلاف الكرامة"، إضافة إلى أن 18 نائبا مستقلا غير معروف توجه تصويتهم. أما حركة "النهضة" وهي أكبر الكتل في البرلمان (54 نائبا من أصل 217) فلم يتضح موقفها إلى حد الآن في انتظار اجتماع وشيك لمجلس شوراها. وتحتاج حكومة المشيشي لنيل ثقة البرلمان تصويت الأغلبية المطلقة لصالحها أي موافقة 109 نواب من أصل 217.

حكومة الرئيس

تتواجه حكومة المشيشي اتهامات بنيوية من الأساس، كونها حكومة أمر واقع، فرض الرئيس تشكيلها، ولم تأت إثر مشاورات حقيقية بين الكتل البرلمانية، بجانب  الإعلان عن تركيبتها في آخر لحظة من المهلة الدستورية، مع أنه كان المفترض إعلانها قبل  فترة والنقاش حول الأسماء المقترحة والحسم فيها وأن يكون النقاش حول البرنامج، الذي تتبناه..
وبحسب مراقبين، فالنقاش حول الأسماء كان سيساعد في الحسم فيها سلباً أو إيجاباً، وأن عدم الإعلان عنها إلى آخر لحظة هو سعي لوضع الأحزاب والكتل البرلمانية أمام الأمر الواقع بالقبول أو الرفض. وهو ما يجعل مستقبل الحكومة وحظوظها في النجاح أقل من حظوظها في المرور.

أما في حال عدم تمرير التشكيلة الحكومية، فإنه ستتم مواجهة الواقع المعقد والمجهول، وساعتها لن يكون القرار بيد الأحزاب، بل بيد جهة واحدة وهي رئاسة الجمهورية. فالدستور يخول لرئيس الجمهورية حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة.

المؤيدون لحكومة المشيشي، يستندون إلى استحالة تشكيل تحالفات سياسية حزبية منسجمة، خاصة بعد تجربة حكومتي الجملي وإلياس الفخفاخ والتي بينت أنه يصعب تشكيل ائتلاف سياسي قادر على العمل الموحد. ويسود اقتناع واسع أن الرئيس قيس سعيد يفرض حكومته على الجميع ويضع الكتل البرلمانية أمام اختبار قاس؛ فإما تقبل بالحكومة التي لم تشارك في تشكيلها ولا تمثل البرلمان. وإما ترفضها وبذلك تتحول أوراق اللعبة السياسة كلها في يد الرئيس الذي يمكنه وقتها حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة وهو ما تخشى كثير من الأحزاب في ظل تأزم الوضع وهشاشة الوضع الاقتصادي وتفشي جائحة كورونا.

النهضة وقيادة المعارضة

بحسب مصادر سياسية، ومنهم القيادي بالنهضة، هشام الوزاري، فالنهضة ربما قد تقتصر على منح الحكومة  25 صوتاً فقط من بين 54 حتى تبقى في المعارضة. وبحسب تقارير إعلامية وتصريحات قيادات بحزب النهضة، فإن الحزب يفكر بجدية في قيادة المعارضة الجديدة، وهو ما يستوجب أن يكون عدد نوابه المصوتين ضد الحكومة الأعلى من بين كل الكتل.

وإذا ثبت الانقسام داخل الحركة الديمقراطية حول الحكومة (تتكون من حركة الشعب، 15 نائباً، التي ستصوت بنعم، والتيار الديمقراطي، 22 نائباً، الذي يرفض التصويت للحكومة)، فإن النهضة يمكن أن تمنح بعض أصواتها لتفادي إسقاط الحكومة وحل البرلمان، وستلجأ إلى قيادة المعارضة الجديدة وترؤس أهم اللجان البرلمانية وخصوصا لجنة المالية.

ورغم أن رئيس الحركة راشد الغنوشي جدد اعتراض حركته الكبير على حكومة المستقلين، إلا أنه رجّح أن تنال ثقة البرلمان، بسبب "تغليب منطق الضرورة"، موضحا أن "عدم نيلها الثقة يمثل مشكلا، كونه سيترك فراغا في البلاد، ومنحها الثقة يمثل أيضا مشكلا، لأنها لا تمثل البرلمان ولا الأحزاب".

ويؤكد الغنوشي أن "الحركة ضد تشكيل حكومة كفاءات مطلقا ومبدئيا، باعتبارها مسألة مجانبة للديمقراطية، وعبثا بالاستحقاق الانتخابي ونتائجه، وإهدارا لجهد المنتخبين وأصوات الناخبين".. وأوضح الغنوشي أن "الديمقراطية هي حكم الأحزاب والتعبير عن توازنات المجالس المنتخبة، وليست حكم الكفاءات".

ويجسد موقف الغنوشي ، وقوف الحركة بين خيارين، تغليب منطق الضرورة، وتفادي الفراغ الذي تحدث عنه رئيسها من ناحية، أي تمرير هذا التشكيل الحكومي الجديد في الوقت الحالي، والنظر في الخطوات الموالية بعد ذلك، وعدم خسارة اللجان المهمة في البرلمان التي ترأسها الكتلة المعارضة الأكبر، وهو ما يعني الخضوع إلى حسابات دقيقة في هذا المجال.

وتتجدد الأنظار إلى مجلس شورى الحركة، الذي سينعقد لبحث كل هذه التفاصيل والإعلان عن موقفه النهائي من هذه الحكومة، التي تمثل منعرجا سياسيا مهما في المسار التونسي، كونها ستحدد التوازنات الجديدة، وترسم مشهدا مختلفا ربما يؤثر في تطورات التجربة الديمقراطية عموما.

سيناريوهان

الأول: أمام تلك الاوضاع والموازنات، تقف حكومة المشيشي أمام سيناريوهات متأرجحة، من عدم تمريرها، برلمانيا، وهو ما قد يدفع الرئيس قيس سعيد نحو حل البرلمان، او البحث عن شخصية جديدة، لتكليفها بتشكيل الحكومة..وهو السيناريو الاقرب في حال رفضها برلمانيا.

الثاني: تمرير تشكيلة الحكومة وحصولها على الثقة البرلمانية، لاعتبارات تتعلق بعدم رغبة الأحزاب في التوجه نحو انتخابات مبكرة من جهة. والمخاوف من تجدد تفشي جائحة كورونا من جهة ثانية. كما ان عدم تمرير حكومة المشيشي، يعني  أن حكومة تصريف الأعمال الحالية المرفوضة من قبل الأحزاب قد تواصل عملها في حال عدم المصادقة على حكومة المشيشي. بالتالي تستمر الحكومة حتى لو اعترضت الأحزاب على طبيعتها وكانت غير راضية عنها. فيما تبقى للأحزاب صلاحيات مراقبة الحكومة أو سحب الثقة منها بعد تقييمها اللاحق.

Facebook Comments