اشتهرت ثورة يناير 2011 بأنها "ثورة التحرير" لأنه من الميدان الشهير بوسط القاهرة انطلقت المظاهرات ومنه انكسرت الشرطة، ومنه طالب المعتصمون برحيل مبارك وانتصرت الثورة، لهذا سعي نظام عبد الفتاح السيسي للاستفادة من أخطاء نظام مبارك (خاصة أنه كان مدير مخابراته الحربية والطرف الثالث في كل صراعات الثورة)، وقام بعسكرة وسط القاهرة، واعتقال كافة الرموز وتأميم الحياة السياسية والإعلام والقضاء.

ومع هذا فقط جاءت الضربة للسيسي من "الأطراف" من قرى ونجوع مصر الفقيرة المعدمة التي سحقها السيسي بقوانين اقتصادية وسياسات إفقار وقمع ونهب جعلت ما تبقى من ظهورهم عارية ومكشوفة للموت جوعا، ما فاجأ المنقلب وشرطته وسعوا لإجهاضها بالبطش، فزادت اشتعالا على غرار النار الإغريقية التي ما أن تحاول إطفاءها بالماء حتى تزداد اشتعالا. وبات السيسي الآن أمام خيار صعب، فلو سحب قواته لضرب الأطراف وكثف ضرباته في القرى والمدن الريفية شمال وجنوب مصر فسوف ينكشف ظهره الأمني في قلب مصر القاهرة، ولو استمر في التمترس بالقلب وعاصمته الإدارية سيفقد الأطراف وتشتعل ثورة تحيط بالقاهرة تدريجيا.

لهذا، ورغم تقليل إعلام السيسي من أهمية المظاهرات في أطراف مصر وتصويرها على أنها مظاهرات فئوية ويسهل وأدها، يكاد يجمع المراقبون المحايدون على أن ثورة الأطراف أشد خطرا على السيسي وعلي مصر كلها لأنها ثورة غضب بلا ضوابط ولا تقودها قوى سياسية منظمة ما يجعلها عفوية ويجعل عنف الشرطة معها مؤشرا على اندلاع فوضى كبيرة في البلاد.

فأهل الريف في الأطراف خصوصا جنوب مصر حيث نسبة الفقر أكثر من 50% (33% على مستوى مصر حسب آخر إحصاء رسمي حكومي)، لا يملكون شيئا يخشون عليه ولن يخسروا أكثر من الفقر والمرض والقهر الذي يعيشون فيه، وبالتالي لن يخسروا شيئا من خروجهم ضد السيسي، ربما بعكس قوى سياسية أخرى أو أهالي القاهرة والمدن الكبرى الأكثر وزنا لمكاسب وخسائر الخروج ضد السيسي.

العوامية وأطفيح

لهذا كان ما شهدته منطقة العوامية بالأقصر في جنوب مصر وأطفيح بجنوب الجيزة وغيرها من اشتباكات بين قوات الأمن ومتظاهرين غاضبين خصوصا بعد قتل ضابط بأمن الدولة أحد شباب قرية العوامية اعترض علي صفع الضابط لأبيه وقام بصفع الضابط بالمقابل، فأخرج الضابط مسدسه وأطلق النار على رأسه، نموذجا لثورة الأطراف التي أقلقت الانقلاب فسعى لإخمادها بقوة الحديد والنار واحترقت بعض المنازل بسبب إطلاق قنابل الغاز داخلها.

وكانت مدينة العوامية قد شهدت مظاهرات على مدار الأسبوعين الماضيين، تزامنا مع دعوات رجال الأعمال المقيم في إسبانيا، محمد علي، للمصريين للخروج والتظاهر ضد نظام السيسي. وخرج عشرات المتظاهرين في المدينة وطالبوا برحيل السيسي، بسبب المشاكل الاقتصادية التي تفاقمت مع فيروس كورونا، وقانون التصالح الذي يفرض غرامات باهظة على مخالفات البناء، ووقعت اشتباكات مع قوات الأمن أدت لإصابة بعض المتظاهرين وحدثت حالة من الكر والفر بين الطرفين.

ومنذ 20 سبتمبر شهدت أماكن مختلفة في الجمهورية وتحديدا في القرى والصعيد، مظاهرات رافضة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تتبعها الحكومة، ومطالبة برحيل السيسي، ووقعت اشتباكات في أماكن متفرقة، مما أدى إلى وقوع قتيلين واحد على الأقل، واحتجار مئات المتظاهرين.

وكان السيسي قد حذر من تداعيات عدم الاستقرار في البلاد، ومن محاولات ما أسماه "تدمير" مصر، بعد خروج القرى والأحياء في الأطراف ضده، وزعم السيسي أن هناك من يحاول استغلال "الفقر" والصعوبات المالية التي يعاني منها المواطن من أجل "تشكيك الناس في الإنجازات" التي تقوم بها الدولة، ثم سعى في جمعة الغضب الثانية لتكرار تمثيلية التفويض وإطلاق مظاهرات مؤيدة له مستغلا ذكرى حرب أكتوبر.

وتعد هذه المظاهرات نادرة في مصر حيث وضعت السلطات قيودا صارمة على التجمعات السياسية، ضمن حملة لتحجيم المعارضة، وفق منظمات دولية لحقوق الإنسان. وواكبها تدشين النشطاء وسم "#الشرطة_في_خدمة_الكلب"، الذي احتل المركز الأول في قائمة أعلى الوسوم تداولا في مصر، و#كلنا_عويس_الراوي، و#الداخليه_بلطجيه، كما غرد النشطاء أيضا عبر وسم "#جمعة_الغضب_الثانية" ووسم "#جمعة_النصر_لشعب_مصر"، وهو المسمى الذي أطلقه رجل الأعمال المصري محمد علي على التظاهرات المتوقعة الجمعة المقبلة.

وعدد النشطاء عدة أزمات تسبب فيها السيسي؛ بغرض تحفيز المواطنين للتظاهر والاحتشاد، منها: بيع أصول الدولة لدول أخرى، وآخرها تدشين مشروع لتربية الخيول في مصر، وهو ما انتقده النشطاء بشدة؛ لتجاهله التام لتدني مستوى التعليم والصحة في مصر. وأكد النشطاء أن المتظاهرين خلال الأيام الماضية كسروا حاجز الخوف من القبضة الأمنية، وأنهم أصبحوا على استعداد لمواجهة الأمن، وشجعهم على الخروج ممارسات الانقلاب التي وصلت إلى هدم منازلهم بعد الجباية ورفع الأسعار وتبديد أموال مصر والقروض في بناء قصور ومنتجعات فاخرة للعسكر.

التظاهر في الأطراف أثبت بالتالي أنه الأكثر قوة وإقلاقا لنظام السيسي بدلا من التحرير الذي تحول إلى ثكنة عسكرية ويصعب الوصول له أصلا في الوقت الحالي، وإذا استمرت مظاهرات الأطراف فسوف يتداعى نظام السيسي من القلب.

ماذا تعني ثورة الأطراف؟

بحسب دراسة للمعهد المصري للدراسات بعنوان "ثورة الأطراف تحاصر السيسي" جاء ما يلي:

  1. تكشف الهتافات التي تتردد في المظاهرات أن الدوافع ليست فقط بسبب المعاناة الاقتصادية أو ضد قانون التصالح في مخالفات البناء رغم أهمية تأثيرها؛ فالشعور العام أن السيسي ينفذ أجندة صهيونية لهدم مصر، وتخريبها وتهجير المصريين وتشريدهم، ويحارب الدين ويهدم المساجد، فالهتاف الأكثر انتشارا هو “لا إله إلا الله، السيسي عدو الله”، وهو هتاف يحمل الكثير من المعاني ويؤكد أن رصيد السيسي قد نفد.
  2. الملاحظة الأهم على المظاهرات غياب الحركات السياسية التي توجد بشكل أساسي في المدن، فالقرى تتسم بالتماسك والعصبية القبلية التي تجعل هذه المجتمعات أقوى من الدولة، وهي محصنة من الناحية الأمنية حيث لا تستطيع مدرعات الشرطة دخولها في غالب الأحوال، وإذا ما وقعت الاشتباكات تكون على مداخلها، وهذا يشكل استنزافا وإجهادا للقوات الأمنية.
  3. يتميز الثوار الجدد في الشوارع بالجرأة، وكسروا حاجز الخوف الذي يعتمد عليه السيسي في فرض سطوته، ونتج عن انهيار هذا الحاجز تحول كبير في الوعي الجمعي وتغيير الواقع المصري المفروض بالقمع والتخويف، منذ مذبحة رابعة في 2013 ووضع النهاية لحلم السيسي في البقاء والاستمرار.
  4. عدم ظهور الأحزاب السياسية في المشهد خادم للحدث في بدايته لقطع الطريق على شيطنة الثورة؛ فالسيسي يعتمد منذ الانقلاب ومذبحة رابعة على الترويج لمعركة ضد عدو داخلي له امتداد خارجي، وتم شيطنة الإخوان واتهام كل من يعارض بانتمائه للإخوان حتى لو كان شيوعيا.
  5. فشلت الحملات الإعلامية الرسمية في اتهام حركة الإخوان المسلمين بالوقوف خلف المظاهرات، وتبخرت اتهامات الإعلام الحكومي للمتظاهرين بالإرهاب، وهذا الفشل يرجع إلى أن الثائرين هذه المرة من ملح الأرض، يمثلون كل طوائف الشعب وفئاته وفي كل المحافظات.

Facebook Comments