كشفت مفاوضات سد النهضة التى اعترفت وزارة الموارد المائية والرى بحكومة الانقلاب بفشلها عن جهل المفاوض الانقلابى بالنوايا الإثيوبية وإصرار أديس ابابا على استكمال بناء السد وتشغيله وعدم التوقيع على أى اتفاقات تلزمها بالحفاظ على حصص مصر والسودان من مياه نهر النيل.

مفاوضو الانقلاب كانوا يتخيلون أن عودة إثيوبيا إلى طاولة المفاوضات عقب تصريحات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب التى هدد فيها بأن مصر ستلجأ فى النهاية إلى تفجير سد النهضة كانت عن ضعف وأنها سوف تضطر إلى التوقيع على اتفاق ملزم لكن جاءت الرياح بما لا تشتهى السفن فقد تمسكت إثيوبيا بموقفها بل واستطاعت تحييد الموقف السودانى ليصب فى صالحها من جديد.
يشار إلى أن تصريحات الرئيس ترامب كانت بمثابة خدعة لنظام الانقلاب الدموى بقيادة عبد الفتاح السيسي لأن أمريكا تدعمه وهو ما أثبتت جولة المفاوضات الآرخيرة أنه غير صحيح حيث واصلت إثيوبيا تعتنتها وتحديها لنظام العسكر وتمسكت بمطالبها ورفضت التوقيع على أى اتفاقات وقالت ان ما يمكن أن تسمح به هو مجرد تفاهمات وفى الإطار الافريقي فقط.

استراتيجية الجمود
من جانبها قالت صحيفة "لاكروا" الفرنسية إن الجمود في مفاوضات سد النهضة بين مصر وإثيوبيا تحت رعاية الاتحاد الإفريقي يعيد البلدين إلى الوراء، مؤكدة أن الوقت ليس في مصلحة مصر.
وأوضحت الصحيفة أنه في الوقت الذي أنهت فيه إثيوبيا المرحلة الأولى من ملء سد النهضة، فشلت مرة أخرى المفاوضات مع مصر والسودان بشأن تقاسم مياه النيل. وأشارت إلى أن جولة المفاوضات الأخيرة بين إثيوبيا ومصر والسودان، التي بدأت في نوفمبر الجاري، تقتصر على تحديد أساس ومدة المحادثات لحل نزاعهم التاريخي حول تقاسم مياه النيل معتبرة أن فشل جولة المحادثات التمهيدية يعد أمرا مؤلما.

وأكدت "لاكروا" أنه بعد هذا الفشل الذي يضاف إلى قائمة سابقة من الفشل، ما تزال وجهات نظر بين مصر وإثيوبيا غير قابلة لإيجاد مخرج ينهي الأزمة. ولفتت الصحيفة إلى أنه إذا كان الجمود في هذه الجولة الجديدة للمفاوضات تحت رعاية الاتحاد الإفريقي يعيد البلدين إلى الوراء، إلا أن الوقت ليس في مصلحة القاهرة. مشيرة إلى أنه في يوليو الماضي، أعلنت أديس أبابا أنها استكملت المرحلة الأولى من ملء الحوض، وبالتالي "فرضت مشروعها بحكم الواقع.

وخلصت "لاكروا" إلى القول إنه في مواجهة الخرطوم وأديس أبابا، اللتين تريدان تعزيز دور الاتحاد الإفريقي في حل هذا النزاع، اختار نظام الانقلاب استراتيجية "الجمود" المحفوفة بالمخاطر، محذرة من أن أديس أبابا تصر على ملء السد لتوليد الكهرباء، حتى لو لم تتوصل إلى اتفاق مع القاهرة والخرطوم.

توظيف سياسي
وحذر الدكتور سيد فليفل عميد كلية الدراسات الإفريقية الأسبق بجامعة القاهرة من أن إثيوبيا لن تتوقف عند بناء سد النهضة فقط، بل هناك سدود أخرى شرعت فى تنفيذها وكأنها تريد أن تفرض وصايتها على مياة الأمطار، مشيرا إلى أنها شيدت سدودا على نهر "أومو" لمنع وصول المياة إلى الأراضى الكينية، وسدود على نهر جوبا وشبيلى لمنع وصول المياه إلى الصومال وكذلك الحال مع جيبوتى.

وقال فليفل فى تصريحات صحفية: نحن أمام إدارة المياه بشكل سياسى وتوظيف مياه الأنهار لإخضاع الدول المحيطة بها، موضحا أن "إثيويبا" تقول إذا كنت قد مُنعت من الوصول للبحر الأحمر، فأنا سأمنع عنكم الماء العذب. وهذه رؤية استراتجية خاطئة أوقعت إثيوبيا فى حالة من العزلة. وأضاف: ما تقوم به إثيوبيا من استهلاك للوقت لا يستهدف تعليق مواقفها لانتظار نتائج الانتخابات الأمريكية فقط، ولكن يستهدف أيضًا اتمام المشروع بدون أن تفرض أية جهة أى التزام عليها بالمخالفة للقانون الدولى. ولن تترك إثيوبيا فرصة لأى قوى فى العالم أن تجبرها على توقيع اتقاق يعترف بإدارة وتشغيل السد بشكل مشترك ويعترف بالحصص القديمة لدول الجوار، بل ووصل بها الأمر لأن تعلن عن تحول نهر النيل إلى بحيرة إثيوبية بمعنى عدم مرور مياه إلى السودان ومصر إلا رغم أنفها عند زيادة الفيضان.

وأكد "فليفل" أن سد إثيوبيا ليس لتوليد الكهرباء بدليل أن عمليات الإنتاج تحتاج بنية لتوصيل الكهرباء من مكان التوليد للدول المُصدر لها، ولا توجد أية تجهيزات من مشروعات تكميلية، والأكثر من ذلك إعلانهم عن تخفيض فتحات السد الذى كان يجب أن تولد الكهرباء حالة ارتفاع مناسيب الفيضان، وانتقص منها 4 فتحات ما يعنى تقليل ربع الطاقة المفترض أن تخرج المقدرة بـ 40 مليارا وكأنه فرض لنفسه حصة فى الفيضانات المرتفعة أما الفيضان المنخفض أو المتوسط فلن يترك قطرة مياه تمر لمصر أو السودان.

وأشار إلى أن سد النهضة هو تحدى وجود لمصر والسودان، موضحا أن الاتحاد الافريقي أبدى تباطؤًا لا يدل على إدراك خطورة الأزمة كما أنه لا يملك مقومات إدارة أزمة مائية ولا يمتلك خبرة، بجانب عدم امتلاكه تصور سياسى لحل الأزمة بدليل عدم مبادرة رئيس دولة جنوب إفريقيا بتشكيل لجنة من الاتحاد نفسه بها خبراء بمسائل الرى والمياه مع مسئول سياسى كبير لإجراء التفاوض.

غير مبشرة
وأكد الدكتور ضياء القوصى خبير المياة أن نتائج المفاضوات جاءت غير مبشرة خاصة أن الموقف السودانى اقترب من اثوبيا مما يعكس مواقف ضد حقوق مصر فى المياه ذات الأهمية القصوى تصل لحد الحياة. محذرا فى تصريحات صحفية من أن مصر لا تمتلك رفاهية التفريط فى أى قطرة مياة من حصتها.
وقال: النتائج قد تكون عنيفة وعلى المفاوض المصرى التركيز على حقوق مصر خاصة أنه أمام طرف لا يراعى أى من السبل الدبلوماسية التى تحترم مبدأ التعاون وعدم الإضرار وحسن الجوار، مؤكدا أن كل المحاولات مع إثيوبيا باءت بالفشل وحتى الآن لا يوجد إفصاح عن التصور المقدم من الجانب السودانى.

حياة أو موت
وقال الدكتور مختار الغباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن الفشل الأخير في عدم التوافق حول منهجية التفاوض لم يكن مفاجأة، مؤكدا أنه حتى في حالة الضغط على إثيوبيا للتوقيع فضمان التزامها غير موجود.
وأضاف الغباشي فى تصريحات صحفية أنه بعد فشل الاجتماعات في التوصل إلى توافق من المفترض أن ترفع كل دولة من الدول الثلاث "مصر وإثيوبيا والسودان" تقريرا إلى الاتحاد الإفريقي، ليقرر ماذا سيحدث الفترة المقبلة.

وتابع: لكن بدرجة أو بأخرى إثيوبيا لديها إشكالية فهي ليست مؤمنة ولا تعترف بالاتفاقيات التاريخية التي تنص على الحصة المائية التي تحصل عليها مصر والسودان، وطوال المفاوضات كان هذ الأمر محل جدل لإثيوبيا. واستطرد: وللأسف الشديد نحن جارينا إثيوبيا حتى وصلت لمرحلة الملء الأول ومفترض أن تصل لمرحلة الملء الثاني في 2021، ومازل الأمر متعنتا، متسائلا ما تصرف مصر عند عدم التزام إثيوبيا؟.

وطالب بأن يكون رد الفعل من جانب نظام الانقلاب يرتقي إلى خطورة ما تفعله إثيوبيا، وقوة تأثير ذلك على الدولة والشعب المصري، باعتبار أن نهر النيل مسألة حياة أو موت. وكشف الغباشي أن إثيوبيا تتبع نفس نهج الكيان الصهيوني فيما فعلته مع الفلسطينين، مؤكدا أن إثيوبيا لم تستجب لأي مطلب مصري، سواء بالمخطط الهيكلي أو ملء الخزان أو فترات الملء والجفاف والجفاف الممتد.

3 نقاط
وقال الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الري والموارد المائية الأسبق، إن الفشل الذي آلت إليه اجتماعات سد النهضة ليس في صالح مصر، معتبرا أن المفاوضات مزيد من إضاعة الوقت واستغلال الوقت لصالح إثيوبيا.
وأوضح علام فى تصريحات صحفية إن الفشل جاء نتيجة عدم وجود تنسيق بين مصر والسودان بالقدر الكافي على مستوى التفاوض، فيما يتعلق بالوسائل التي قد يكون فيها اختلاف بين الجانبين.

وتابع : المفترض أن يحدث تنسيق أكثر بين مصر والسودان لأننا المتضررون من أزمة سد النهضة، وكان من المفترض أن يكون هناك تنسيق ببين الجانبين حتى نحصل على حقوقنا بشكل مناسب، ونحقق لإثيوبيا ما تريد تحقيقه. ولفت إلى أن الاجتماع فشل في التوصل إلى توافق حول منهجية التفاوض، رغم أن المفاوضات استمرت قبل ذلك نحو 10 سنوات، ومع ذلك لم يحدث تفاهم حول معظم النقاط.

وأشار إلى أن هناك 3 نقاط رئيسية تقف عندها مصر، هي الرسومات الفنية، وتوقيت والتزام قانوني بتوقيت الملء، إذ إن مصر تطالب بإلتزام من الجانب الإثيوبي، في حين إثيوبيا لا تريد الالتزام على الإطلاق، وهو ما يسبب فشل كل المفاوضات.

Facebook Comments