استبشر الكثيرون بنجاح الأمريكى الديمقراطى "جو بايدن" على منافسه "ترامب"؛ لما رأوه من الأخير من شطط وانحياز أضر بشعوب عالمنا العربى؛ ولما قطعه الأول على نفسه من وعود لتصحيح الأخطاء التى وقع فيها سابقه على مدى السنوات الأربع الماضية، خصوصًا ما يتعلق منها بالمسلمين.

والحقيقة أن أمريكا لم يمر عليها حاكم مثل "ترامب"، فى اضطرابه وابتذاله وغشمه، حتى أضر بسمعة الإدارة الأمريكية التى تحكم إمبراطورية مادية هى الأكبر فى التاريخ، ومن يوم حلَّ على البيت الأبيض خرجت عليه المظاهرات التى تطالب برحيله بعد تصريحاته العنصرية وإجراءاته التى جاءت متناقضة مع دساتير وأعراف الأمريكان، فكان من الطبيعى ألا يكمل مدته الثانية، وقلما حدث هذا مع أحد الرؤساء الأمريكيين.

ومن الإنصاف ألا نبالغ فى الاستبشار بمجىء "بايدن" ورحيل "ترامب"، وفى الوقت نفسه لا نساوى بينهما، صحيح أن منطلقات الخارجية الأمريكية واحدة، وقواعد اللعبة الدبلوماسية لا يحددها الجمهورى أو الديمقراطى بقدر ما تحددها المؤسسات القومية، غير أن نهج الديمقراطيين، على مدى تاريخهم فى الحكم، يؤكد أنهم ليسوا بصيغة اليمين الجمهورى الذى يتردد فى نشر قيم الديقراطية فى دول العالم الثالث، كما أنهم لا يتساوون معهم فى دعم الصهاينة على حساب حقوق الشعوب العربية وخاصة الشعب الفلسطينى.           

إذًا ستظل محددات السياسة الأمريكية الخارجية تجاه مصر والعالم العربى ثابتة، يضاف إليها قيم "العولمة" التى صارت هدفًا مهمًّا للنظام العالمى الجديد الذى تقوده أمريكا. وستظل الإدارة الأمريكية تعمل أولًا من أجل المصالح القومية التى يندرج تحتها إنشاء قواعد عسكرية، وتدشين تحالفات أمنية، وتحالفات دبلوماسية تضمن لها أصوات الأمم المتحدة، وثالثة إقليمية لدعم تكتلات تخدم قضايا بعينها، وإجمالًا كل ما يدعم النفوذ الأمريكى على المستوى العام.

ربما –كما ذكرت- يكون الفرق هو ملف حقوق الإنسان فى دول العالم الثالث ومن بينها مصر، وقد كان لـ"بايدن" تصريحات سابقة على نجاحه يتوعد فيها من أضروا بهذه الحقوق من حكام العرب، وفى اعتقادى أنه سيتم تحريك هذا الملف إلى حد معين، وغالبًا سيكون هذا بمبادرة من الرئاسات والعروش العربية نفسها؛ لإثبات الولاء للنظام الجديد لعلمهم أن تلك رغبته، لكن لن تتم تصفية هذا الملف الشائك الذى تضخم فى مصر بدرجة غير مسبوقة بعد استيلاء العسكر على السلطة. وللأمريكان، جمهوريين وديمقراطيين، وجهة نظر فى إبقاء هذا الملف مفتوحًا لضمان السيطرة على رءوس السلطة فى بلادنا المتخلفة.

الإدارة الأمريكية الجديدة تحت رئاسة "بايدن" ستكون كما كانت تحت رئاسة زميله "أوباما"، يبدون مدافعين عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان لكنهم لا يمتنعون عن تنفيذ ثوابتهم الخارجية، فـ"أوباما" الذى أبدى امتعاضًا من وقوع الانقلاب فى مصر لم يتخذ إجراء واحدًا يترجم هذا الامتعاض سلوكًا، وقد ارتُكبت المجازر التى شاهدها العالم فلم يحرك ساكنًا، وكل ما فعله هو قرار بوقف المساعدات العسكرية لمصر، ثم أُلغى هذا القرار فى وقت لاحق لتتسلم مصر جزءًا من هذه المساعدات، وهو أيضًا من قتلت طائراته (بدون طيار) المدنيين فى اليمن، ومن أبادت مثلهم فى سوريا والعراق بحجة محاربة "داعش".

إن هناك اتفاقًا قديمًا بين الجمهوريين والديمقراطيين (منذ عام 1961) فيما يتعلق بالمساعدات المقدمة لدول العالم الثالث؛ حُدِدتْ فيه أهداف هذه المساعدات ومنها ضمان تحقيق المصلحة القومية؛ ما يعنى أنها ليست إنسانية، والأمر لا زال يُطبق على المواقف الخارجية للحزبين وتعاملهما مع دولنا "النامية!"؛ فـ"ترامب" مثلًا هدد الدول التى عارضت قراره بنقل سفارة اليهود إلى القدس بمنع هذه المساعدات عنها، وضغط على الفلسطينيين بها لقبول "صفقة القرن" فخفض المساعدات التى تقدمها بلده لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا". والأيام المقبلة -وفى وجود "بايدن"- لن تخلو من مثل هذه الإجراءات، فستظل "غزة" محاصرة، وستظل جهود التطبيع قائمة وإن كانت ستجرى فى السر ومن دون ضجيج، وسيبقى  التحالف "الصهيو-عربى" كما هو وإن كان سيبدى قليلًا من المرونة عن ذى قبل، وستظل الحرب على الإرهاب (يقصدون الإسلام) قائمة، وإن كانت ستبدو عاقلة وليست زاعقة كما كانت فى زمن "ترامب".

أما الديكتاتوريات العربية فسينشط دبلوماسيوها فى الفترة المقبلة لتحسين صورتهم لدى الوافد الجديد، وتقديم أنفسهم باعتبارهم الخدم الذين يجيدون كل شىء، وسيبقون -من ثَمَّ- فى مواقعهم وإن كانوا سيخفِّضون من معدل إجرامهم لئلا يغضب عليهم "السيد الأبيض". أما الشعوب ضحايا هذه الأنظمة فعليها أن تنشط فى تسليط الأضواء فى الخارج لكشف سوءات هؤلاء الطغاة وتعرية من يتشدقون بالوطنية وهم من وأدوا أوطانهم وألقوا بها فى وحل التبعية والفساد.

Facebook Comments