قالت دراسة علمية إن هناك شروطا لنجاح العصيان المدني بشكل عام، لا بد من توافر عدة شروط:
أولها، أن يكون للعصيان المدني قيادة سياسية أونقابية واعية قادرة على تحريك الجماهير وفق منطلقات واضحة وتقديرات موقف مبنية على حقائق ومعلومات دقيقة.
وثانيها أن يكون عملا هادفا ومنضبطا غير فوضوي، وأن يتضمن مجموعة من المطالب المحددة والمفهومة.
وثالثها، عدم إيذاء الوجدان والضمير الجمعي للمجتمع، لأن الهدف من العصيان المدني هو إيذاء النظام والضغط عليه وليس المجتمع؛ لأن القائمين على العصيان المدني حريصون على كسب الرأي العام لصالحهم لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الجماهير وهو ما يمثل ضغطا على السلطة من أجل التجاوب مع مطالب الجماهير والاستجابة لها.

ورابع الشروط، أن يكون العصيان المدني في مجتمع يتمتع بهامش من الحرية ولو كان ضئيلا؛ لأن المجتمعات التي تعاني من القهر المطلق والحصار الشامل،  تفتقد بطبيعة الحال إلى القيادة القادرة على تحريك الجماهير؛ لأنها إما في السجون أو بالخارج، كما أن مثل هذه السلطة عادة ما تقمع الشعب ولا تسمح مطلقا بوجود أي قوى سياسية قادرة  على المعارضة وهو ما يحدث فعليا في مصر والسعودية والإمارات وسوريا ويراد تعميمه على كل البلاد العربية. لكن الفضائيات التي تبث من الخارج ومواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تمثل حلا إذا أجيد توظيفها باحترافية.

النهر المتدفق
وقال الشارع السياسي في دراسة نشرها بعنوان "العصيان المدني" هل يمثل طوق نجاة للمصريين للخلاص من الطغاة؟" إن نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي وكل الطغاة عموما لا يدركون أن الغضب الجماهيري مثل تيار نهر متدفق؛ وما لم  يجد هذا الغضب مجرى ينطلق من خلاله فإنه سيفيض حتى يتحول إلى طوفان يغرق كل ما حوله ويدمر كل ما يقابله؛ إنهم قد صادروا كل أشكال التداول السلمي للسلطة، ويغلقون أبواب المقاومة السلمية رغم إصرار المعارضة بكل أشكالها عليها؛ لكن طغاة العسكر بهذا التصلب يفتحون أبواب الانفجار الذي سيكون مفاجئا وضخما وهائلا ومدويا.
وأشارت الدراسة إلى تحذير الباحث "تيموثي كالداس" في ورقة بحثية نشرها معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط في ديسمبر 2019 من تصلب نظام السيسي وأن هذا التصلب الظاهر يخفي في جوهره هشاشة ستكون سببا في سقوط النظام في مصر بصورة فوضوية للغاية.
ونقلت عن "كالداس" رؤيته أن النظام رغم تمكنه من إخماد الاحتجاجات، فإن الأمر مسألة وقت حتى تندلع شرارة أخرى وجولة أكبر من الاحتجاجات التي لن يتمكن النظام من إخمادها بسهولة.
وأشارت إلى أن الأكثر خطورة على مستقبل مصر هوعدم وجود آلية للانتقال السلمي للسلطة وأن نصل السيسي الحاد الصلب ربما يكون قد أطاح بخصومه وركز السلطة في يديه، لكنه عندما يواجه تحديا أكثر صعوبة فقد لا يتراجع ولكنه ربما ينهار تماما؛ فالمخاطر المرتبطة بهشاشة النظام المصري كبيرة للغاية ولا يمكن التنبؤ بها على حد سواء.

العصيان الديمقراطي
واستعرضت الدراسة نماذج من العصيان المدني في روسيا والهند وقالت إنه رغم أن العصيان المدني والإضراب العام لا تحدث إلا في ظل نظم تتمتع بهامش ديمقراطي يسمح بوجود أحزاب ونقابات ومؤسسات مجتمع مدني تمارس نشاطها نسبيا في ظل القيود المفروضة؛ لكن يمكن أن تتمكن الشعوب المحاصرة بشكل كامل وتعاني من القهر والقمع المفرط من أن تستخدم أدوات المقاومة السلمية كالعصيان المدني والإضراب العام وغيرها؟

وأشار أصحاب هذا الرأي على صحة مذهبهم بأمرين: الأول أن النظم الاستبدادية تمنع استباقيا أي حركة احتجاجية جماهيرية تستوفي مواصفات العصيان المدني وتشل المجتمع المدني القادر على قيادة وإدارة مثل هذا العصيان.

والثاني، هو تشبع الشعوب الخاضعة للاستبداد غالبا بثقافة الطاعة والخنوع، وتفنن الحكومات في مقاومة دعوات العصيان المدني بتعمد تشويه منظميها، وتصوير أنشطتهم بأنها نوع من التخريب، وتهديد القائمين عليها بالتصفية الجسدية والضرب ومصادرة الممتلكات والأرواح كما يحدث في مصر اليوم منذ انقلاب 3 يوليو2013م.

انتفاضة سبتمبر
ورأت أن آخر صور العصيان المدني هي انتفاضة 20 سبتمبر 2020م، حيث خرج عشرات الآلاف في نقاط تظاهر بمئات المدن والقرى بجميع المحافظات المصرية؛ في تحد جريء لحالة الطواري والقوانين التي تجرم التظاهر والاحتجاج. وقد جرى بالفعل قمع جميع أشكال العصيان المدني في مصر منذ الانقلاب حتى  اليوم؛ فما الحل؟ وما مخاطر هذا الانسداد الذي تمارسه سلطة الانقلاب على مستقبل البلاد؟

وأشار الباحث إلى أن كفاءة أدوات المقاومة السلمية وعلى رأسها العصيان المدني ضد انقلابات عسكرية؛ ظهرت في ما فعله الألمان في إحباط الانقلاب العسكري سنة 1920م، والذي استهدف الإطاحة بجمهورية فايمار التي نشأت عقب ثورة نوفمبر 1918، بعدما شارك الشعب الألماني بكثافة في العصيان المدني الذي امتنع فيه العمال وموظفوالدولة عن التعامل مع قادة الانقلاب، ما أدى إلى فشله بعد أيام قليلة من تنفيذه.

وفي روسيا، حاولت لجنة الدولة لحالة الطوارئ عزل رئيس الاتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في 19  أغسطس 1991، بحجة عجزه عن أداء مهامه بسبب تدهور حالته الصحية. وقد فرضت اللجنة سيطرتها العسكرية على العاصمة موسكو. لكن الانقلاب لم يستمر إلا ثلاثة أيام فقط، بعدما اجتمعت الحشود في وسط العاصمة.

وفي منتصف يوليو 2016، أحبط عصيان مدني قاده أتراك الانقلاب العسكري الإجرامي حيث خرج الأتراك بعزم وإصرار على رفض الانقلاب وإسقاطه، استجابة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فخرجوا بمئات الألوف يعترضون طريق الدبابات ومدرعات الانقلابيين، وهوما شجع الجهات الرافضة للانقلاب داخل المؤسسة العسكرية والجهاز الأمني على التحرك بسرعة لوأد تحركات الانقلابيين.

عندها تنجح المعارضة
ونقلت الدراسة عن الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو (1817-1862)، الذي يعتبر مؤسسا لفكرة العصيان المدني منذ القرن التاسع عشر، فإن المعارضة إذا نجحت في إقناع الشعب برفض التعامل مع النظام، والامتناع عن دفع الضرائب والرسوم، فإن ذلك كفيل بأن يؤدي في لحظة إلى هزيمته ومن ثم انهياره، وبالتالي فالعصيان المدني هوعصيان قوانين وقرارات السلطة الظالمة بشكل علني وإصرار على العداء لها وعدم طاعة أوامرها، والعمل على إسقاطها؛ لأنها تنتهك الأهداف الأساسية والقيم الحاكمة لنظامه الدستوري.
ومعنى ذلك أن العصيان يجب أن يكون غير مسلح ولا عنيفا؛ ويتجنب مناهضة قوانين عادلة أوتوخي غايات إجرامية من وراء عصيانها. وقد يكون رفض طاعة القوانين شاملا أومحدودا في مكانه وزمانه ومجاله.

الإضراب العام
وأشارت الدراسة إلى فرق بين العصيان المدني والإضراب العام الذي هوأحد أدوات "المقاومة السلمية"، ويقوم على توقف العمال  مجتمعين عن أعمالهم، وربما يتضمن إضراب مجموعات منهم عن الطعام كوسيلة للضغط على السلطة سواء كانت حكومية أوإدارة شركة؛ من أجل تلبية مطالب العمال والوصول إلى تسوية مرضية للقائمين على الإضراب العام.
وقالت إن الأصل في الإضراب العام أنه لا يتعدى حدود التوقف عن العمل من جهة والامتناع عن استئنافه  قبل التوصل إلى  تسوية عبر التفاوض أوبالتحكيم من جهة أخرى.
وأضافت أنه إذا تجاوز ذلك إلى رفض القوانين والأحكام والامتناع عن دفع الضرائب وفواتير الكهرباء والمياه ورفض التعامل مع أجهزة الحكومة  يتحول إلى أداة أخرى من أدوات "المقاومة السلمية" وهي "العصيان المدني".

من العصيان إلى الثورة
وأوضحت أن الثورة وهي أوضح صور ومظاهر التعبير عن حق مقاومة الطغيان، وتختلف الثورة عن العصيان المدني أن الأخير هوصورة من صور التغيير السلمي، أما الثورة فهي رد الفعل العنيف الذي يرتبط بالعنف الجماعي ليعلن عن التغيير في النظام السياسي.

وكشفت أن التحول في الحراك الشعبي من العصيان المدني باعتباره أداة من أدوات المقاومة السلمية إلى العصيان غير المدني باعتباره شكلا من أشكال  التمرد والثورة على السلطة القائمة "المقاومة العنيفة" يضع الحراك الجماهيري أمام أحد مسارين: إما أن يتحول إلى ثورة حال نجح الثوار في الإطاحة بالسلطة القائمة وتأسيس نظام جديد وصياغة "عقد اجتماعي" جديد بين مكونات المجتمع يطيح ببقايا المافيا التي كانت حاكمة.

أما المسار الثاني، فهو الخشية من أن يكون عنف السلطة مخططا له لاستدراج الحراك الجماهيري نحودائرة العنف وفخا للثوار للإيقاع بهم في دائرة من العنف والعنف المضاد.

Facebook Comments