في الوقت الذي تشهد فيه إثيوبيا احتقانًا سياسيًّا غير مسبوق بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم التيجراي، يتصاعد الخلاف بين الطرفين الذي هو ليس جديدًا بالطبع، إلا أنه تفاقَم أكثر مؤخرًا، على خلفية الخلاف على إجراء الانتخابات العامة في البلاد.
وطرحت الدراسة التي جاءت بعنوان "آبي أحمد والحرب الإثيوبية" ونشرها موقع "الشارع السياسي" ثلاثة سيناريوهات ومسارات محتملة، للوضع الأثيوبي المُتأزم.

أولها: سيناريو المواجهة: وهو ما تم بالفعل، بالانتقال من المواجهة الإعلامية إلى مواجهة مسلحة في الأخير، وهو ما دعمته مقاربات آبي أحمد، التي نزعت إلى إظهار قوة الحكومة المركزية، وسياساته الرامية إلى تضييق الخناق على حكومة التيجراي -عبر عزلها وتطويقها من جهة الجارة إريتريا-؛ الأمر الذي انعكس بدوره على حتمية المواجهة المباشرة.

إضعاف السلطة
وطرحت أيضا سيناريو إضعاف سلطة الحكومة المركزية، موضحة أن هذه المقاربة تعتبر هدفًا أساسيًّا لعدد معتبر من التنظيمات، التي تميل إلى تقوية سردية الفيدرالية العرقية. فمنذ خروج الإيطاليين وعودة الحكم الوطني -ممثلًا في حكومة الإمبراطور هيلا سلاسي- بُذلت جهود جبارة من أجل حكومة مركزية، تبسط هيمنتها على الأقاليم كافة.
واعتبرت أنه في ضوء الأزمة الحالية تتزايد المخاوف بشدة، ويطل شبح عودة قبضة الدولة المركزية، وهو ما دعمه توجه آبي أحمد لعزل إقليم التيجراي، وقراره بالمواجهة العسكرية؛ خشية إضعاف قبضته على الدولة الإثيوبية؛ حيث إن إشكالية المواجهة التي بين حكومة إقليم التيجراي والحكومة المركزية تزيد من احتمالية إضعاف سلطات الأخيرة (مستقبلًا) كمقاربة جديدة؛ تفاديًا لسيناريوهات أسوأ على شاكلة الانفصال كليًّا، عبر ممارسة حق تقرير المصير الذي يكفله الدستور الإثيوبي.

الانفصال الفيدرالي
ورأت أن ثالث السيناريوهات هو تصاعد النزعة الانفصالية. وأوضحت حيث يكفُل الدستور الإثيوبي، الذي وُضع في أعقاب إسقاط نظام منجستو هيلا مريام حق تقرير المصير لكل الشعوب الإثيوبية، الذي ربما يشجع حكومة إقليم التيجراي بعد التطورات الأخيرة إلى إعلان الإقليم كيانًا مستقلًّا ذا سيادة. وربما كان مزيجا من تلك السيناريوهات مجتمعة هو نتاج حتمي للوضع الراهن.

أزمة خطيرة
وقالت الدراسة إنه لا يمكن التقليل من تأثير جبهة تحرير التيجراي، فتاريخيا استطاعت الجبهة العمل على إسقاط النظام الماركسي المتسلط، كما أسهمت في كتابة الدستور الحالي؛ الذي يمنح الإثنيات الحكم الذاتي على الطريقة الفيدرالية؛ بل حق تقرير المصير أيضًا.
وجغرافيا التيجراي أهمية كبيرة؛ لأنه سيصعب عقد صلح حقيقي مع الصديقة الجديدة إريتريا، دون ثبات الوضع الأمني في عموم المنطقة. كما أنه من المهم هنا بحث ما إذا كانت للقوى الغربية مصلحة في تفكيك الدولة الإثيوبية، أو خلق بؤرة فوضى إقليمية جديدة، وذلك بالنظر لعدد من العوامل الطارئة.

أهم العوامل الطارئة
وطرحت مجموعة من العوامل الطارئة المهمة، ومن أهمها التوترات العرقية المتزايدة في أكثر من مكان بالبلاد، كان من آخرها تجدد القتال بين العفر والصوماليين في شرق البلاد.
أما العامل الثاني بعد أزمة التجراي هو: التصريحات التهديدية التي أدلى بها الرئيس الأمريكي، والتي لام فيها الجانب الإثيوبي حول أي تدهور يمكن أن يحدث بسبب تعثر مفاوضات سد النهضة. وربما لا تقف السيناريوهات والمسارات المحتملة للأزمة بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم التيجراي عند الاحتمالات التي سبق ذكرها فقط.
وأشارت إلى أن السيناريو الأول يطرح نفسه بعد هذه العوامل بقوة، إذ إن سيناريو الحرب الأهلية يُعد ممكنًا في ظل تاريخ طويل من الشك المتبادل بين شعوب الدولة الإثيوبية، وذلك إذا ما استمر الحال على ما هو عليه؛ أي دون تبنِّي مقاربات وآليات تُجنِّب الأطراف السياسية حتميةَ استمرار الصدام العنيف، الذي سينتهي بانفصال التيجراي، وتهديد النظام الإريتري، وتعرض منطقة القرن الإفريقي ككل لموجة جديدة من التوترات، التي ستنعكس -بالضرورة- على ملف المياه في تلك المنطقة، الذي سيمتد أثره للدولة المصرية.

جذور الأزمة
وأشارت الدراسة إلى أن منطق التيجراي -جنبًا إلى جنب مع مجموعات أخرى وناشطين سياسيين، أبرزهم جوهر محمد، الذي ينتمي للأرومو والمعتقل حاليًّا- هو أن الحكومة أكملت فترتها، وأنه كان يجب عليها تنظيمُ الانتخابات؛ تحقيقًا لوعود آبي أحمد. حسب هذا المنطق، فإن الخطأ ليس في انعقاد الانتخابات في موعدها في التيجراي، وإنما في تلكؤ رئيس الوزراء، ورفضه التنحي وإتاحة الفرصة للشعب.
وأبانت أن جائحة كورونا التي كانت السبب خلف تأجيل العملية الانتخابية، يعتبرها كثيرون من أنصار ذلك التيار مجرد ذريعة، خاصة وأنها لم تمنع قيام فعاليات وتظاهرات أخرى رعتها الدولة.
وأفادت أن أعمال الرفض والاحتجاجات بالازدياد، بدأت منذ 2019، وهو ما قابلتْهُ الحكومةُ بقطع متكرر لخدمات الإنترنت، تزامن ذلك مع حملات اعتقالات طالت الآلاف من المتظاهرين والمعارضين، وعلقت عليها كثير من المنظمات الحقوقية، كما حدث في أواخر مايو الماضي، عقب اغتيال مغني الأرومو هشالو هنديسا؛ حيث تم التعامل مع هذا الحدث كإهانة لمجمل القومية.
وخلصت إلى أن التنافس الحالي بين العاصمة الفيدرالية وإقليم التيجراي الشمالي، هو أحد مظاهر التنازع الذي تعيشه البلاد، فقد دخل الرئيس آبي أحمد والحزب الحاكم في إقليم تجراي (جبهة تحرير شعب التيجراي)، ما يشبه المواجهة، حين أصر سياسيو الإقليم على تنظيم انتخاباتهم البرلمانية، بمعزل عن رأي المركز، الذي كان يرى تأجيلها.

Facebook Comments