ينظم اليمين المتطرف وأنصار الحزب الجمهوري اليوم السبت مظاهرة ضخمة قالوا إنها ستكون مليونية دعمًا للرئيس الخاسر دونالد ترامب بدعوى تزوير الانتخابات لحساب المرشح الديمقراطية جوزيف بايدن. ومن أهداف المظاهرة أيضا ــ بحسب المنظمين لها ـ تمثل تعبيرا عن رفضهم لفوز بايدن بالرئاسة الأمريكية.

المظاهرة التي ينظمها الجمهورية واليمين المتطرف تأتي في  أعقاب صدور النتائج النهائية في كافة الولايات حيث حصل بايدن على 306 أصوات بينما توقف ترامب عند 232 صوتا فقط. وهي النتائج التي تجاهلها ترامب في إطلالته الأولى السبت خصصها للحديث عن كورونا واللقاح القريب الذي جرى إنتاجه ويتم توزيعه. واكتفى بإشارة غامضة إذ قال إن "هذه الإدارة لن تدعو إلى إقفال "البلاد حتى لو  تواصل صعود الإصابات التي وصلت اليوم إلى أكثر من 172 ألفا، وكأنه قصد القول حسب بعض القراءات، إن مثل هذا الأمر متروك للإدارة القادمة التي قال إن "لا أحد يعرف من ستكون .. وحده الوقت سوف يكشف عنها".

واعتبرها مراقبون إشارة ملتبسة وغامضة وحمّالة أوجه؛ ورأي فيها البعض بداية لتراجع ترامب عن عناده ومؤشرا نحو تسليم السلطة على النحو الذي تنظمه القوانين؛ لا سيما وأن الفوارق اتسعت إلى نحو 6 ملايين صوت على صعيد الأصوات الشعبية، و74 صوتا في المجتمع الانتخابي.

ويقلل فريق من المحللين من تحميل تصريحات ترامب معاني متفائلة أكثر من اللازم؛ فترامب لا يزال مُصرا على عناده؛ مؤكدين أن التلويح بعدم قبول النتائج وعزم الرئيس على عدم المغادرة "هو تهديد ينبغي أخذه على محمل الجدّ" بتعبير الأستاذ الجامعي تيموثي سنايدر، تشاركه في مثل هذا التحذير أصوات كثيرة تشدد على أن ترامب يعني ما يقول في هذا الصدد، وأن مقاطعته التامة لفريق بايدن بشأن التدابير والتسهيلات الانتقالية ليست انتقامية بقدر ما هي جزء من خطة "للانقلاب" على نتائج الانتخابات.

انقلاب ترامب على نتائج الانتخابات وعدم التسليم بالهزيمة هو الإشارة الأكثر صراحة في تصريحات ومواقف ترامب وفريق حملته ومساعديه حتى اليوم؛ فمدير مكتب التجارة والتصنيع في البيت الأبيض بيتر نافارو، قال بدون مواربة إن الإدارة تعمل على أساس "أننا نتجه نحو الولاية الثانية للرئيس". وبنفس اللغة الجازمة، شددت الناطقة الرسمية في البيت الأبيض كايلي ماكناني على أن "الرئيس سوف يشارك بالتأكيد في احتفال التدشين، أي تدشين رئاسته الثانية". وقبلهما كان وزير الخارجية مايك بومبيو قد أكد هو الآخر قبل أيام وبكلام مماثل على "انتقال سلس "إلى رئاسة ترامب الثانية. إضافة إلى إقامة وزير الدفاع مارك إسبر على النحو الذي جرى والتغييرات  التي أجرها في القيادات العليا للبنتاجون؛ كلها مؤشرات  تعزز التخوف من لعبة ربما تكون مفاجئة وصادمة قد تقلب كل الحسابات والترتيبات.

وحول تفسير الهدف من هذه الحشود الضخمة التي تخرج دعما لترامب؛ يتجه فريق من المحللين إلى أنها تمثل انعكاسا لحالة يأس يعاني منها ترامب وفريقه بعد صدور النتائج الرسمية التي تؤكد فوز بايدن، علاوة على انغلاق المسار القانوني بعد أن رفضت كافة المحاكم الفدرالية الدعاوى التي رفعها ترامب وفريقه القانوني، كما قررت شركتا محاماة عملتا لحساب البيت الأبيض الانسحاب من عملية الطعون في ضوء انسداد المسار القانوني؛ وبالتالي فإن الإشارة الأكثر وضوحا هي أن ترامب والحزب الجمهوري اختارا الشارع ليكون ميدان التصارع بدلا من أصوات الشعب أو المسار القانوني.

هناك أيضا مخاوف حقيقية تسود دوائر النخبة والمفكرين والسياسيين في أمريكا من أن تفضي ممارسات ترامب وردود أفعاله الرافضة للإقرار بالهزيمة،  إلى نشوب صراع مسلح ينشب صغيرا ضيقا ثم يتسع ويتمدد إلى باقي الولايات. وقد ظهرت مؤشرات مقلقة بهذا الصدد؛ ففي أعقاب إعلان وسائل الإعلام الأمريكية تفوق بايدن وحصوله على النسبة التي تمكنه من الفوز بالرئاسة خرج العشرات من أنصار ترمب في عدد من عواصم الولايات شاهرين سلاحهم احتجاجا على هذه النتائج! وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أن "اكتشاف وجود أسلحة داخل هذه التظاهرات أثار حنق مسئولي الأمن وقلق العاملين في الانتخابات من احتمال استهدافهم أو مهاجمتهم".

وكان الصحفي الشهير توماس فريدمان قد حذر في مقابلة مع شبكة (CNN) الأمريكية من نشوب حرب أهلية أمريكية قبل رحيله بأيام، في شهر سبتمبر الماضي "2020م"؛ وذلك في سياق تعليقه على تصريحات ترامب وقتها بأنه  لن يقبل بنتائج الانتخابات إلا في حالة واحدة هي إذا جاءت به رئيسا، وكانت تصريحات ترامب المشككة في نتائج الانتخابات إذا جاءت ببايدن قد هيمنت على العناوين الرئيسية لمختلف الصحف، والفترات الإخبارية على الشاشات، فضلا عن نقاشات النشطاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ونشرت مجلة "ذا أتلانتيك" تقريرا مطولا، تحت عنوان "الانتخابات التي قد تكسر أمريكا"، تساءلت فيه: "إذا كانت النتيجة متقاربة (لصالح بايدن)، فمن سيوقف ترامب عن رفض نتائجها وإشعال الفوضى؟".

يعزز من حالة الانقسام والاقتراب من حالة الاحتراب الأهلي أن 90% من الشعب الأمريكي يحملون السلاح؛ فالقانون الأمريكي يسمح باقتناء السلاح باعتباره نمطا تأسست عليه الولايات المتحدة قبل خمسة قرون، خصوصا في المناطق الزراعية والريفية التي يسيطر عليها الجمهوريون. وما يزيد من فرص الاحتراب الأهلي، أن الولايات المتحدة الأمريكية تحتل المركز الأول عالميا من حيث عدد الأسلحة لكل مواطن، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Telegraph البريطانية. إذ يوجد في أمريكا 112.6 سلاح ناري لكل 100 شخص. الرقم الأكثر إثارة للصدمة أن تضم الولايات المتحدة 4.4% من سكان العالم، إلا أن حوالى نصف عدد الأسلحة النارية حول العالم موجود بحوزة المدنيين في أمريكا.

Facebook Comments