شهدت مرحلة ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، تحولات ضخمة في وظيفة أجهزة الدولة المصرية، فالانقلاب العسكري في حد ذاته هو عملية سطو منظمة للسلطة قامت بها الأجهزة خارج إطار الدستور والقانون؛ وبالتالي تحولت هذه الأجهزة ــ كما هو مفترض في الدستور ــ من حارس للوطن وللنظام المنتخب بإرادة الشعب الحرة،  وفقا آليات دستورية متفق عليها إلى قطاع طرق ومافيا تمكنت من السطو على صناعة القرار لحسابها الخاص ومصالح رعاتها الإقليميين والدوليين.
ومن ضمن هذه التحولات الضخمة ـــ بحسب متخصص مصري في مجال  الآثار ــ أن عمليات تهريب الآثار المصرية والاتجار بها شهد أيضا متغيرات هائلة؛ فبعد أن كانت عمليات البيع والتهريب تتم لصالح صالات مزادات في أوروبا، ويتم التهريب عبر طرود دبلوماسية عن طريق سفارات أفريقية في القاهرة، ظهرت دول الخليج كسوق نشط لبيع الآثار المصرية المهربة، وغير المسجلة. وظهرت أسماء أمراء، وعدد من أثرياء الخليج في هذا السوق، الذي شهد تواجد الإمارات والسعودية والكويت، وبعض الشخصيات القطرية.

دور السيسي في تهريب الآثار
ويكفي أن نشير إلى عدة أحداث وتواريخ تحمل أهمية كبيرة ودلالة كاشفة على الدور القذر الذي يقوم به زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي؛ ففي 17 يونيو 2017م أعلن الطاغية السيسي تعيين نفسه رئيساً لمجلس أمناء المتحف المصري، لما تمثله المقاصد الأثرية من ثروة قومية. وأصدر المجلس قراراً، بعدها بيومين، بمنع استخدام الكاميرات داخل المخازن، بدعوى الحفاظ على الآثار من السرقة.
وفي 25 يوليو 2017، وفي واقعة تعد الأولى من نوعها انقطعت الكهرباء، لمدة تزيد عن الساعتين بمطار القاهرة، ما تسبب في تأخر إقلاع 12 رحلة طيران دولية، قبل أن يعلن في 16 أغسطس عن اختفاء 33 ألف قطعة أثرية من مخازن المتاحف.
وبعدها بثلاثة شهور، وفي نوفمبر 2017م، أعلنت الإمارات عن افتتاح متحف جديد، يشمل مقتنيات فنية مملوكة لحكومة أبوظبي، وأخرى أثرية مُعارة من متحف اللوفر بفرنسا، بهدف جذب الملايين من الزوار سنويًا!.
في هذه الأثناء، منعت صحيفة "المصري اليوم"، المملوكة لرجل الأعمال صلاح دياب، وقتها نشر مقال لرئيس تحرير صحيفة "الأهرام" السابق عبد الناصر سلامة، شن خلاله هجوماً حاداً على الإمارات، بعد الكشف عن عرضها مقتنيات تاريخية تعود إلى العصر الفرعوني في متحف "اللوفر" بأبوظبي. ونشر سلامة مقاله الممنوع على صفحته الشخصية بموقع "فيسبوك"، متسائلاً عن مصدر القطع الأثرية المصرية التي ظهرت خلال جولة تفقدية لمتحف أبوظبي لكل من حاكم دبي محمد بن راشد، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، ويقول المسؤولون في الإمارة الخليجية إنها ضُمت إليه في الآونة الأخيرة. وقال سلامة إن "المتحف الإماراتي يضم العديد من الآثار الفرعونية، ما يطرح تساؤلات مهمة، مثل: متى خرجت هذه القطع من مصر، ومن بينها توابيت كاملة كبيرة الحجم؟ ومن هو صاحب القرار في هذا الشأن؟ وإذا كان مصدرها ليس مصر مباشرةً، أو جاءت من متحف اللوفر بباريس، فهل وافق الجانب المصري على ذلك؟". بعدها بشهور جرى وقف عبدالناصر سلامة عن الكتابة حتى يومنا هذا كما جرى منع نشر أي مقالات لعشرات الكتاب المرموقين وعلى رأسهم الكاتب الكبير فهمي هويدي حتى يتمكن النظام من تدمير مصر وحضارتها دون أن تؤرقه صياحات الشرفاء المخلصين من أبناء مصر.

توريط الجيش
وكعادته، يعمل السيسي على توريط الجيش في جرائمه وسلوكه الرخيص، كما جرى في مشهد الانقلاب ومذابح رابعة العدوية، والتنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير"؛ فحسب تقديراته فإن  إشراك أكبر عدد من المسئولين على رأس أجهزة الدولة في هذه الجرائم كفيل بتبني هذه الأجهزة لنظامه باعتبارهم جزءا منه وسقوط السيسي يعني سقوطهم جميعا؛ لكن التحول الأضخم في عمليات تهريب الآثار المصرية بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، هو تحول وظيفة الدولة المصرية من حامية لآثار مصر إلى أكبر مهرب لهذه الآثار ؛ وأغرت العوائد الهائلة من عمليات التهريب سلطات الانقلاب إلى تبني هذه السلوكيات الإجرامية ورعاية شبكات تهريب الآثار لحساب مؤسسات الدولة وعلى رأسها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
وبحسب صحيفة "العربي الجديد" اللندنية، فإن حجم عوائد هذه التجارة كان دافعاً رئيسياً لبعض المقربين من السيسي لإقناعه  بها كمصدر مهم، يغطي خططه بشأن "الإنجازات الشعبية" التي لا يرى لها الشعب أثرا إيجابيا واحدا على حياته ومستويات معيشته. وقد اطلع السيسي بالفعل على قائمة تضم رجال أعمال بارزين يعملون في تجارة وتهريب الآثار، التي أعدتها جهة سيادية، كلف مقربين بوضع تصور كامل بشأن توظيف هذه الآلية لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي، بسبب السياسات التي تم اتباعها خلال بداية حكمه. وكان في مقدمة هذه السياسات تفريعة قناة السويس، التي تسببت في أزمة النقد الأجنبي، وانخفاض السيولة المالية بالبنوك المحلية، بعد سحب المصريين مدخراتهم، لشراء شهادات استثمار قناة السويس ذات الفائدة الأعلى حينها.
وما شجع السيسي على المضي في هذه التوجهات هو مشاركة أجهزة سيادية مهمة في الدولة خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك في تلك التجارة، في إشارة إلى جهاز أمن الدولة قبل تغيير اسمه إلى الأمن الوطني، وهو ما كشفته تقارير سيادية أيضاً كان السيسي على علم بها. وأكد أن بعض تلك الشخصيات الأمنية والأجهزة كانت تقوم بعملية غسيل لتلك الأموال في أنشطة اقتصادية، بالتشارك مع رجال أعمال على علاقات جيدة بها، مقابل تبادل مصالح.
الأهم والأكثر خطورة في تقرير "العربي  الجديد" أنه يعزو إلى مصادر مطلعة بالنظام قولها إن تهريب الآثار تحت إشراف ورعاية السيسي والمؤسسة العسكرية هي كلمة السر في الإنشاءات التي تنفذها الهيئة الهندسية، وإسناد كافة المشاريع الجديدة للهيئة بالأمر المباشر، وأن عمليات الاتجار في الآثار، التي تتم لصالح خزينة القوات المسلحة وأنشطتها الاقتصادية، هي المصدر الرئيسي لتمويل كافة المشاريع التي تجري حالياً، والتي تؤول ملكيتها وأرباحها بطرق متعددة بعد ذلك إلى خزينة القوات المسلحة مجدداً، حيث تتم عمليات تهريب واسعة في السنوات الأخيرة، جميعها كانت لصالح دول في الخليج. كما كشفت المصادر أن الكثير من الآثار التي خرجت من مصر أخيراً، وانتقلت إلى السعودية والإمارات، لصالح رموز كبيرة في الدولتين، مستخرجة من عمليات تنقيب واقعة تحت تصرف القوات المسلحة. وأن تلك العمليات تتم تحت إشراف قيادات كبيرة في القوات المسلحة، بالتنسيق مع عدد من رجال الأعمال، الذين يحترفون تلك التجارة منذ فترات طويلة.

Facebook Comments