نشرت وكالة "بلومبيرج" الأمريكية تقريرا سلطت خلاله الضوء على زيارة عبدالفتاح السيسي، قائد الانقلاب العسكري، لفرنسا ولقاءه الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، مؤكدة أن "ديكتاتور ترامب المفضل" يبحث عن صديق جديد بعد قرب رحيل سيده.
وبحسب التقرير الذي ترجمته "الحرية والعدالة"، تجنب إيمانويل ماكرون بشكل واضح فرصة لمحاسبة عبد الفتاح السيسي في مصر على الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها حكومته، وعلى الرغم من المعارضة الشديدة من قبل المنظمات الحقوقية، دعا الرئيس الفرنسي السيسي لزيارة فرنسا، وقال، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع السيسي في قصر الإليزيه، إن فرنسا لن تجعل التعاون الاقتصادي مع حكومة الانقلاب – أو مبيعات الأسلحة إليها – مشروطا بحقوق الإنسان.
وبدلا من ذلك، تحدث ماكرون عن سجل الانقلاب في مكافحة الإرهاب، متجاهلا حقيقة أن حكومة السيسي تعرض بشكل روتيني نشطاء حقوق الإنسان للمحاكمات الإرهابية وتضع المعارضين والمنتقدين السياسيين على "قوائم مراقبة الإرهاب".
وكان تصريح ماكرون بمثابة تفويض مطلق بالنسبة للجنرال المصري الذي اغتصب السلطة، وأثار سخرية واسعة في حينها، وتزامنت زيارة السيسي إلى باريس مع قرار الاتحاد الأوروبي اعتماد نظام عقوبات، على غرار قانون ماجنيتسكي في الولايات المتحدة، يبدو أنه يستخدم ضد منتهكي حقوق الإنسان المزمنين.
ومنذ استيلائه على السلطة في عام 2013، قاد السيسي هجوما مفرطا على حقوق الإنسان حتى بالمعايير المصرية، وكما وثقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، من بين مجموعات أخرى، بتفاصيل مؤلمة، شنت حكومة السيسي حملة متواصلة ضد المعارضين السياسيين والصحفيين والمنتقدين والناشطين الحقوقيين، وقد سُجن الآلاف، وتعرض العديد منهم للتعذيب؛ وكانت هناك عمليات إعدام جماعية ووفيات مشبوهة في السجن.
وتتمثل أولويات ماكرون في استعادة مكانة فرنسا كأكبر مورد للأسلحة في مصر، وإبقاء رئيسها الاستبدادي في خلافه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فالسيسي لديه مآربه الخاصة ضد أردوغان، وأبرزها التدخل التركي في الحرب الليبية، التي قلبت التيار ضد الجانب المدعوم من نظام الانقلاب المصري، وقد تحتاج فرنسا أيضا إلى تساهل نظام السيسي في أنشطتها الخاصة بمكافحة الإرهاب في شمال أفريقيا وجنوب الصحراء. وكان ذلك كافيا لكي يعلن ماكرون السيسي "صديقه"، وحتى لو لم تنقل هذه التسمية نفس دفء الرصانة التي منحها الرئيس دونالد ترامب، الذي وصف السيسي بأنه "ديكتاتوره المفضل"، فإنه مع ذلك سيعطي السيسي قدرا كبيرا من الراحة.
ومع دخول الأسابيع الأخيرة من رئاسة ترامب، فإن السيسي في حاجة ماسة إلى سيد مفضل جديد، وهناك دعوات متزايدة للرئيس المنتخب بايدن لاتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، ولن يكون قد أفلت من اهتمام السيسي أن أنتوني بلينكن، الذي من المرجح أن يكون وزير الخارجية الأمريكي المقبل، أعرب عن قلقه إزاء الاعتقالات الأخيرة لثلاثة نشطاء حقوقيين بارزين في البلاد، ويؤكد إطلاق سراحهم بعد احتجاج دولي على ضعف السيسي أمام هذا الخط من الهجوم.
كما لا يمكن للسيسي أن يعتمد على راعي الانقلاب الآخر، المملكة العربية السعودية، للتدخل نيابة عنه لدى الإدارة المقبلة، فولي العهد محمد بن سلمان سيحتاج إلى رأس المال السياسي الذي يملكه في واشنطن لإنقاذ سمعته مع فريق بايدن. كما سيرحب السيسي بأي مساعدة فرنسية في ليبيا، وفي شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث تتعارض طموحات الانقلاب في استخراج ونقل المحروقات مع الخطط التركية، ويأمل السيسي، مثل اليونان، أن يكون بايدن أكثر قدرة على كبح جماح استكشاف تركيا العدواني أكثر من ترامب (فالرئيس الأمريكي، إن كان هناك أي شيء، أكثر حبا بأردوغان منه بالسيسي)، ولكن ماكرون هو الذي أظهر أكبر حماس لمواجهة بحرية.
وقد ظهرت هذه المنفعة المتبادلة على مسرح الكابوكي الذي نصبه السيسي وماكرون في باريس، حيث أعرب السيسي عن استيائه من نشر الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد في فرنسا، ودافع ماكرون عن حرية التعبير، ولم يهتم السيسي بإسهاب في الحديث عن تصريح ماكرون المثير للجدل الأخير حول الإسلام بأنه "دين في أزمة"، أو مطالبته بأن يوقع القادة المسلمون الفرنسيون على "ميثاق القيم الجمهورية". واختتم التقرير قائلا:" إن غض الطرف عن الأخطاء هو في نهاية المطاف ما يفعله الأصدقاء".

Facebook Comments