من يقبل بالدخول في حكومة الانقلاب ويحمل حقيبة وزارة المالية التي يغرف منها العسكر بلا رقيب ولا حسيب، لن يلتفت بالطبع إلى سخرية واستهزاء المصريين من تصريحاته، خصوصا إذا كان حامل الحقيبة بدرجة "مطبل كبير" مثل الدكتور محمد معيط.
"معيط" يرى أن السفاح عبدالفتاح السيسي، قائد الانقلاب العسكري، نجح في تغيير وجه الحياة على أرض مصر من خلال إنجاز العديد من المشروعات التنموية الكبرى غير المسبوقة بشتى المجالات، مع إعطاء أولوية متقدمة للصحة والتعليم والتحول الرقمي؛ بما يُسهم في الارتقاء بمستوى معيشة المواطنين، في حين يضرب المواطن كفا بكف من تلك التصريحات التي تنافس وربما تغلب إسفاف كوميديا "اللمبي" وسينما السبكي الهابطة.
واقع أسود
تصريحات "معيط" الاستعباطية الخادعة تخفي من ورائها واقعا حالكا؛ ففي تقرير نشره البنك الدولي في إبريل 2019، وردت حسبة مفادها أن "ستين بالمائة من السكان في مصر إما أنهم فقراء أو عرضة للفقر". في هذه الأثناء تتراجع الأوضاع المعيشية بشكل سريع. فكيف يمكن ـ إذا ـ لوضع الاقتصاد المصري أن يبدو ورديا؟!
وبالعودة للخلف خطوتين وبعد أيام من تصريحات السفاح السيسي، المثيرة للجدل، بشأن "نعمة" الاقتراض وفضله على ازدهار البلاد وتطورها، وأن الديون، غير المسبوقة في تاريخ مصر، عند مستوى آمن، هرول البنك المركزي ووزير المالية لمباركة تلك التصريحات والتأكيد على صحتها؛ الأمر الذي يثير تساؤلات حول تورط البنك المركزي ووزير المالية في مجاملة السيسي بعد حديثه عن الديون والاقتراض بكل أريحية واطمئنان، وإرجاع الفضل للديون في إحداث نقلة نوعية في تطور الاقتصاد الذي لولاه كانت "تراجعت الدولة وعانى المواطنون".
المركزي لم ينتظر طويلا، إذ بادر بإصدار بيان أعلن فيه عن تراجع الديون على أساس فصلي، بنسبة طفيفة، لأول مرة منذ 4 سنوات، وبلغت 111.3 مليار دولار في مارس الماضي بدلا من 112.7 مليارا في ديسمبر 2019. وأضاف البيان أن إجمالي ما سددته مصر من ديون وفوائد ديون خلال الأشهر الستة، من أكتوبر 2019 وحتى نهاية مارس 2020، بلغ نحو 10.8 مليارات دولار، إلا أن الدين الخارجي قفز بنسبة 4.78% على أساس سنوي، خلال الربع الثالث من السنة المالية الماضية 2019/2020 المنتهي في مارس الماضي، إلى 111.3 مليارا. لكنه لم يتضمن أكثر من 20 مليارا اقترضتها حكومة السفاح السيسي الانقلابية منذ أبريل "2020" وحتى اليوم (ديمسبر 2020)، وهو ذات الشهر الذي شهد تراجع الاحتياطي النقدي بقيمة 8.5 مليارات إلى 37.03 مليار دولار نهاية أبريل، مقابل 45.5 مليارا نهاية فبراير.
يقول الناشط محمد فخري:" الزميل ممدوح الولي وهو يحلل أداء الاقتصاد المصري يشبه أستاذ لمادة العروض في كلية اللغة العربية وهو يحاول إخضاع أغنية حمو بيكا للوزن والقافية .. هون عليك يا سيدي، فأنت أمام حاكم يصرح بأنه: حاطط 100 مليار على جنب، وبأنه يخفي المشروعات حتى لا يعلم عنها أحد من أهل الشر، وأنه لا يؤمن أساسا بدراسات الجدوى، كما أنه يطبع ويعوم ويسعر العملة بمزاجه، اقتصاد ايه ، ده لو " آدم سميث" عرف اللي بيحصل كان (….) ".
تكمن الخديعة الكبرى في الصميم من حكاية التعافي الخارق للاقتصاد المصري، التي تم نسجها على يدي حكومة السفاح السيسي، الجنرال الذي تحول إلى رئيس، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. ونجم عن سوء إدارة الحكومة المزمن للمال العام وعن الإهمال بشكل عام ارتفاع الدين الخارجي تقريبا خمسة أضعاف، وذلك بسبب انخفاض سعر الجنيه المصري، خلال السنوات الخمس الماضية وارتفاع الدين العام إلى أكثر من ضعفين، وهو الأمر الذي يتوقع استمراره في المستقبل المنظور.
تخصص حكومة الانقلاب حاليا حوالي 38 بالمائة من ميزانيتها كاملة فقط لدفع الفوائد على الديون المتأخرة، وإذا ما أضفنا إلى ذلك القروض والأقساط، فإن ما نسبته 58 بالمائة من الميزانية يتلاشى. بمعنى آخر، فإن نصيب الأسد من الموارد العامة لمصر تستنفذ في توفير الدفعات المستحقة على الديون بدلا من تعزيز ودعم المجتمع المدني. وفي بلد يبلغ تعداد سكانه مائة مليون نسمة يعيشون على سواحل البحر المتوسط، فإن الإنفاق الضئيل على الصحة والتعليم وعلى البنية التحتية يبعث على الذعر، وينبغي له كذلك أن يبث الذعر في أوصال الأوروبيين.
نحو الفشل

إذا ما استمر الوضع الحالي في الاتجاه نفسه، فإن مصر سرعان ما ستفلس، وما تلك سوى الخطوة الأولى في طريق ضيق يفضي إلى الفشل التام للدولة، ما فتئت حكومة السفاح السيسي، ككيان سياسي، تفقد الشرعية في الساحة الدولية بفضل التقارير المنتشرة على نطاق واسع حول التلاعب بالانتخابات، سواء فيما يتعلق بانتخاب السفاح السيسي للرئاسة أو فيما يتعلق بالاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية. وإذا ما فشلت حكومة الانقلاب في توفير الخدمات الأساسية للشعب الذي من المفترض أنها تقوم على خدمته – بينما تستمر في الوقت نفسه في ممارسة القمع والتنكيل بالناس – فإنها ستثبت عجزها الفاضح في أن تحكم البلاد حتى بالحد الأدنى المقبول.
ومع ذلك، فإن الانطباعات التي تتشكل لدى المراقبين في الساحة الدولية تبقى أقل أهمية من تلك التي تتشكل لدى السكان المدنيين، وذلك أنه حينما تبدأ البلد في الفشل، فلن يطول بها المقام حتى يتصدر الناس بأنفسهم للقيام بما هو مطلوب، ويبدؤون بالبحث عن مكان آخر يطلقون عليه اسم "الوطن".
كل من يهمهم الأمر رأوا بوضوح تأثير الهجرات الجماعية التي بدأت تحدث عندما تحولت ليبيا إلى دولة فاشلة، فكيف بمصر التي تزيد عن ليبيا من حيث الحجم بأكثر من خمسة عشر ضعفا. ما من شك في أن عواقب فشلها ستكون كارثية وفوق التصور.
في الوقت نفسه، يتحمل صندوق النقد الدولي كما كبيرا من المسؤولية في هذا الصدد؛ فقد تلاعب صندوق النقد الدولي ببنية الاقتصاد المصري، إذ يعلن عن معدلات للنمو في مصر متضخمة بسبب مستويات الدين، وهذا يشبه أن يبالغ شخص في دخله الإجمالي من خلال الاقتراض فوق ما يطيق. يمكن مشاهدة مثال لهذه المبالغة في احتياطات مصر من العملة الأجنبية التي تزيد عن أربعين مليار دولار، رغم أن هذا الرقم ضخم فعلا، إلا أن هذه الاحتياطيات تتشكل من الأموال المقترضة وهي بذلك تمثل دينا خارجيا. وبالمحصلة، فإن ما يجري هو عملية نفخ مصطنع في حجم واستقرار الاقتصاد المصري.

Facebook Comments