"لا يوجد صحفي في مصر وجهت له تهم لها علاقة بحرية التعبير"، هكذا ببساطة ينفي سامح شكري وزير خارجية العسكر المثبت ويثبت المنفي، وكأن العسكر وأذرعهم التي تتنفس الكذب يعيشون وحدهم على ظهر الكوكب، أو يرتدون طاقية الإخفاء ويعتقدون ألا احدا يرى بطشهم بالمصريين أو يسمع أباطيلهم التي تنفي الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المصريون.
"طيب.. الزميل الصحفي عامر عبد المنعم في ليمان طره بيعمل ايه سيادة الوزير"، هكذا رد على شكري أحد الصحفيين يسأل عن آخر معتقل بلا ذنب ولا جريرة، إلا انه يتحرى الصدق فيما يقول ويكتب ويرفض أن يصطف مع حاملي الطبول والمباخر.
حرب انتقامية
ويعاني الصحفي حسين كريّم الإخفاء القسري منذ أكثر من 50 يوما، كما يعاني عدد كبير من الصحفيين ظروف احتجاز غير مبرر منهم: محسن راضي وبدر محمد بدر ومجدي أحمد حسين وأحمد سبيع وحسن القباني ومحمود حسين ومحمد سعيد وعامر عبد المنعم وسولافة مجدي وإسراء عبد الفتاح وغيرهم، بينما يدير السفاح عبدالفتاح السيسي حربا انتقامية ضد الصحفيين منذ انقلابه على الرئيس الشهيد محمد مرسي في 2013، ويعتبر الصحافة جريمة.
وقال "المجلس الثوري المصري" إن اختطاف الصحفيين والنشطاء داخل مصر ليس جديدا على عصابة الانقلاب منذ خمسينيات القرن الماضي، ودعا نقابة الصحفيين والمحامين إلى القيام بواجباتها في حماية أعضائها من بطش العسكر.
وقال محمد صلاح، رئيس المكتب الاعلامي للمجلس الثوري المصري: "سامح شكري يتنفس الكذب كالعادة. ماذا عن محمود حسين مراسل الجزيرة، ما تهمته؟ ماذا عن عشرات الصحفيين سواء خلف القضبان أو الممنوعين من الكتابة و هم محبوسون خلف جدران منازلهم؟ ماذا عن أ. عامر عبد المنعم الصحفي و الباحث الكبير؟".
ويقول صاحب حساب متصدقش: "الكلام اللي قاله سامح شكري غير حقيقي، إذ يوجد في مصر نحو 27 صحفيًا محبوسا حسب إحصاء pressfreedom لعام 2020، التي وثقت حبسهم لأسباب "تتعلق بقضايا نشر" وبتهم نشر أخبار كاذبة وبث شائعات عن طريق وسائل الإعلام، بينما جرى القبض على عدد من الصحفيين أثناء تأدية عملهم".
وتتصدر مصر والسعودية قائمة الدول العربية الأكثر قمعا للصحافة وحرية الرأي، وكشفت منظمة "مراسلون بلا حدود" عن حصيلة الصحفيين المعتقلين في العالم بنهاية عام 2020، حيث بلغ نحو 387 صحفيا، وهو عدد مقارب للعام الماضي، وأشارت في إحصائية إلى أنه في عام 2019 بلغ عدد الصحفيين المعتقلين نحو 389 لأسباب تتعلق بممارسة المهنة، يتركز أكثر من نصف هؤلاء في خمس دول بنسبة 61%، تتصدرهم الصين ثم مصر والسعودية.
وعادة ما يؤمن الصحفيون أنفسهم تجاه الشرطة أثناء تغطية الاحتجاجات بإفراغ محتويات هواتفهم المحمولة من كل ما يثير ريبة الأمن خصوصا من تطبيقات التواصل الاجتماعي، لكي تكون هواتفهم وسيلتهم الآمنة للتصوير إن وجدوا زاوية بعيدة ومأمونة للتصوير، مع أخذ الحيطة عند أخذ تصريحات من مواطنين، ليكون عليهم بعدها الفرار سريعا قبل انتباه الشرطة.
ويشيع أثناء الاحتجاجات اندساس عناصر سرية من الأمن في زي مدني، وبواسطة هؤلاء سُجن صحفيون ميدانيون مثل الصحفي إسلام الكلحي، المحرر بموقع درب الإخباري، أثناء تغطية احتجاجات أهالي المنيب، إثر مصرع أحد أبناء المنطقة جراء التعذيب بقسم الشرطة قبل نحو شهرين. والتهم التي جرى توجيهها للصحفيين الموقوفين غالبا ما تكون الانضمام لجماعة محظورة، ونشر وإذاعة أخبار كاذبة، وإساءة استعمال وسائل التواصل الاجتماعي.
بلاش صحافة
ومن جانبها، طالبت لجنة حماية الصحفيين، بالتوقف عن اعتقال الصحفيين الذين يغطون الاحتجاجات، وطالبت بـ "السماح للصحافة بالعمل دون خوف من السجن". الناشط والصحفي "حازم حسني"، طالب الصحفيين بالتوقف عن العمل الميداني بل والصحفي عموما، وإعلان ذلك بشكل محدد من قبل الصحفيين على صفحاتهم ومواقعهم، باعتباره صورة من صور الاحتجاج الصامت على ما يجري بحق العمل الصحفي.
وفي منشور على موقع فيسبوك، قال حسني، إنه من الضروري أن يتم ذلك بالتزامن مع قيام المواقع والصحف المستهدفة بالحجب، ولها صحفيون معتقلون، بتثبيت صورة للصحفي المحبوس على صفحتها الرئيسية مع شعار يفيد أن وقف العمل الصحفي الميداني سببه عجز الصحفيين عن العمل، وأنهم لا يجدون من يدافع عنهم بعد سيطرة النظام عليها.
وأقر حسني أن ما دفعه لهذا الاتجاه ـالذي يطرحه مضطراـ هو أنه في كل الأحوال يوقف الصحفيون ويتم اعتقالهم أثناء تأدية أعمالهم، ولو عادوا سالمين بالتغطيات المناسبة فمواقعهم محجوبة، ولو كتبوا على صفحاتهم الشخصية خلاصة تغطياتهم، فهم معرضون للاعتقال أيضاً.
وعبرت "منظمة العفو الدولية" عن قلقها من تصاعد الهجمات على حرية الصحافة في مصر، والاعتقالات بحق الصحفيين، وقالت إنها قلقة للغاية إزاء الهجمات المستمرة على حريات الصحافة في مصر، حيث اعتقل 5 صحفيين على الأقل منذ أوائل سبتمبر الماضي، بينما لا يزال عشرات وراء القضبان لمجرد عملهم الصحفي أو تعبيرهم عن آرائهم.

ويقبع في سجون العسكر حاليا نحو 29 صحفيا، وفق إحصاء أعدته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، ويقول الكاتب الصحفي أشرف خليل :" سؤال يحتاج لإجابة دون أن نكتفى بصمت القبور… ما قاله وزير الخارجية بشأن عدم حبس صحفي على ذمة قضية تعبير، ألا يستدعي اجتماعا عاجلا لمجلس النقابة وإصدار بيان (توضيحي) يعدد القضايا التي تم حبس زملاء نقابيين على ذمتها و التى كانت آخرها بحق الكاتب الصحفي عامر عبد المنعم، حتى من باب إبراء الذمة وإظهار الحد الأدنى من التعاطف الإنسانى( ولا أقول الدعم النقابي الواجب) لزملاء لا يملكون رد غيبتهم؟ …يا سادة هذا حقهم علينا وهو أضعف الإيمان".
ويقول أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة: "لا تكون أي ديمقراطية مكتملة دون توفّر إمكانية الحصول على معلومات شفافة وموثوقة. إنها حجر الزاوية لبناء مؤسسات عادلة ونزيهة، وإخضاع القيادات للمساءلة، ومواجهة من في يدهم السلطة بالحقائق"، وإذا كانت هذه الكلمات الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة هي الأرضية التي يجب أن تستند إليها قوانين الصحافة وتشريعاتها في العالم، فإن الأمر في مصر يختلف كلية وتفصيلا.
وتمر أعوام الانقلاب العسكري على الأسرة الصحفية في مصر وجراحها لم تلتئم بعد، فلا زال ثوب حرياتهم مرقعا، بين اعتقالات وكبت وتضييق خناق وملاحقات وترهيب وغلق صحف وحجب مواقع، الأمر الذي أفقد المهنة الكثير من روادها ممن آثروا الخروج من المشهد، إما خوفا أو بحثا عن مصدر رزق أكثر آدمية. وإذا كان الإعلان الذي أقرّته منظمة اليونسكو قد أقر أنه لا يمكن تحقيق حرية الصحافة إلا بضمان بيئة إعلامية حرّة ومستقلّة وقائمة على التعدّدية، وهذا شرط مسبق لضمان أمن الصحفيين أثناء تأدية مهامهم، ولكفالة التحقيق في الجرائم ضد حرية الصحافة تحقيقًا سريعًا ودقيقًا، فإن الوضع في أرض الكنانة أبعد ما يكون عن ذلك.
وإذا كانت منظمة "مراسلون بلا حدود" عنونت تقرير العام قبل الماضي بـ "كراهية الصحافة تُهدِّد الديمقراطيات" مستخدمة ولأول مرة مصطلح "رهاب الإعلام"، فإنها في تقرير 2019م" أكّدت على ما ذهبت إليه سابقا؛ إذ عنونت تقريرها بـ "آلة الخوف تعمل بأقصى طاقتها" ليبقى السؤال الأكثر جدلا على الساحة: لماذا يخاف الديكتاتور من الصحافة؟

Facebook Comments