رغم تصاعد الاحتجاجات ضد قرار حكومة الانقلاب بتصفية شركة الحديد والصلب المصرية التابعة لقطاع الأعمال وتشريد نحو 7300 عامل، وتدمير أحد صروح الصناعة الوطنية ، وإهالة التراب على صفحة ناصعة من تاريخنا الوطني محفورة في وجدان العمال وعلى جدران مصنع حلوان منذ عام 1932، إلا أن المسؤولين في دولة العسكر لم يتوقفوا عن المخطط الخبيث الذي رفضه كافة الوطنيين باختلاف انتماءاتهم السياسية فضلا عن آلاف العمال الذين قضوا شبابهم في المصنع الذي كان علامة بارزه في مجال الحديد والصلب فحولته دولة الانقلاب إلى "خردة" ومطلوب تكهينه والتخلص منه في أسرع وقت. 

وفي مقابل تدمير صرح صناعي كبير بجرة قلم "ميري" يتم الإعلان عن توقيع اتفاقمع شركة "سيمنز" الألمانية لإنشاء خط قطار كهربائي سريع يربط منتجعات البحر الأحمر بمنتجعات الساحل الشمالي ، مرورا بالعاصمة الإدارية الجديدة، بتكلفة 20 مليار دولار (360 مليار جنيه مصري) ، ويخدم الخط حوالي 2% من الشعب المصري، في حين رفض السيسي الإنفاق على تطوير الحديد والصلب والمصانع المتعثرة، بنفس المنطق الذي رفض فيه إنفاق 10 مليارات جنيه فقط لتطوير السكة الحديد التي تخدم 50 مليون مصري فتكررت الكوارث وحوادث القتل الجماعي. الأولويات مختلفة في دولة العسكر التي تفضل "العجلة الدوارة" وأكبر مسجد وكنيسة وعاصمة إسمنتية خاصة لـ"البهوات" فيما ترفض الإنفاق على "أكسجين الإنقاذ" أو تطوير المستشفيات والمدارس أو دعم الفقراء.

لماذا التصفية؟

كانت الجمعية العمومية غير العادية لشركة "الحديد والصلب" قررت تصفية نشاط مصنع الشركة في التبين، وفصل نشاط المناجم في شركة مستقلة تحمل اسم "الحديد والصلب للمناجم والمحاجر".
وزعمت الجمعية أن الشركة تعاني من خسائر مستمرة وصلت الى 8.2 مليار جنيه في 30 يونيو 2020، وهي القيمة التي تمثل 547% من حقوق المساهمين،  وبررت قرار التصفية بأن الشركة لم تستطع على مدار الفترة الماضية الايفاء بمستحقات العمال من أجور، كما أنها غير قادرة على التطوير. 
في المقابل رفض ممثلو العمال في مجلس الإدارة قرار التقسيم والتصفية، مؤكدين أنهم سبق أن تقدموا بأفكار عديدة لمجلس الإدارة والشركة القابضة للصناعات المعدنية لتطوير الشركة ووقف عملية "التخسير الممنهج" التي كانت تهدف من البداية إلى تقسيم الشركة وتصفيتها.

وأشار سيد حماد عضو لجنة العمال بالمجلس الثوري المصري، إلى أن منطقة حلوان تضم عددا من المصانع منها "الحديد والصلب" و"فحم الكوك" و"القومية للإسمنت" وهذه المصانع تقع على مساحة 1000 فدان، مؤكدا أن الهدف هو بيع الأراضي وتحصيلها لسداد ديون السيسي أو الاستيلاء عليها لصالح صندوق تحيا مصر.
وأضاف حماد في حواره مع برنامج "قصة اليوم" على قناة "مكملين"، أن مصنع الحديد للصلب في جنوب حلوان بمنطقة صحراوية وليست سكنية كما زعمت حكومة الانقلاب، مضيفا أن غلق المصنع يضيع آلاف فرص العمل على الأجيال المقبلة.
وأن سياسة بيع المصانع التي انتهجها المخلوع حسني مبارك منذ 1991 ومن بعده المنقلب السيسي سبقها وقف التعيين في القطاع العام.
 شركات الجيش
بدوره كشف طارق مرسي عضو لجنة التنمية البشرية والإدارة المحلية بمجلس الشورى "قبل الانقلاب"، أن شركة الحديد والصلب تعرضت لمؤامرة منذ عدة سنوات، وأن تصفية المصانع في عهد عبدالفتاح السيسي يتم لسببين؛ الاستيلاء على الأراضي الخاصة بهذه الشركات و إنشاء شركات بديلة تابعة للجيش.
وأضاف أن شركة الحديد والصلب تزيد مساحتها عن 21 مليون متر مربع، بالإضافة إلى أن هناك خامات فقط تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار أي ما يعادل 90 مليار جنيه تكفي لسداد مديونية الشركة التي تبلغ 6 مليارات جنيه ويفيض، مضيفا أن حكومة الانقلاب زعمت إجراء تطوير على الشركة ثم فوجئنا بتقطيع أفران المصنع وبيعها خردة، كما قامت بفصل شركة المناجم والمحاجر عن شركة الحديد والصلب في 12 أكتوبر 2020 ما أثار الريبة بين عمال الشركة خاصة أنه تم إسناد الإشراف على المناجم والمحاج للجيش لمدة 30 سنة.
وأوضح أن الجيش يمتلك 3 شركات هي شركة "المصريين" التي يمتلك 95 % منها، وشركة "الجارحي" وشركة "بشاي" وبالتالي يبلغ إنتاج شركات الجيش 50% من إجمالي إنتاج مصر من الحديد، مضيفا أن الانقلاب أصدر تعليمات لجميع شركات المقاولات العاملة في المشروعات القومية بشراء احتياجاتها من مصانع الجيش ما يهدد بإفلاس الشركات الأخرى.
شروط صندوق النقد
من جانبه قال عبدالله محمد، منسق حركة أول مايو العمالية، إن بيع الشركات الذي تم منذ عهد عاطف عبيد حتى الآن لم يكن للمصلحة العامة، مضيفا أن تصفية شركتي "القومية للإسمنت" و"الحديد والصلب" يهدف إلى تقليل عدد العمالة استجابة لشروط صندوق النقد الدولي حيث يبلغ عدد عمال مصنع الحديد والصلب بين 7500 إلى 8000 عامل والسبب الثاني الاستيلاء على أرض المصنع.
وأضاف عبدالله أن الصناعات القومية ومن بينها الحديد والصلب لا يجب أن تكون تحت سيطرة أي شركات تابعة للقطاع الخاص، متسائلا: "لماذا تحقق شركات القطاع العام فقط خسائر بينما مثيلاتها في القطاع الخاص تحقق أرباحا سنوية ضخمة؟
ويجيب بأن السبب يعود إلى فساد الإدارات المتعاقبة وتواطؤ المسؤولين وغياب المحاسبة، مضيفا أن شركة "الحديد والصلب" حققت هذا العام خسائر أقل من العام الماضي بنسبة 25 % وخشيت حكومة الانقلاب من تراجع معدل الخسائر وتحقيق الشركة أرباحا وحينها يصعب تصفيتها فسارعت بقرار التصفية.

اكتتاب عام للإنقاذ

ويطرح الكاتب الصحفي أحمد الخميسي، مبادرة لوقف تصفية شركة الحديد والصلب المصرية تشمل طرح اكتتاب عام لشراء أسهم الشركة، بواقع 100 جنيه للسهم، في سبيل إنقاذها من التصفية.
وقال الخميسي، في تصريحات صحفية إن المبادرة مقترح طرحه كثير من المهتمين ، لوقف مخططات هدم قلاع الصناعة الوطنية.
وأضاف: الفكرة ليست جديدة فالشركة نفسها أسست بسندات وتبرعات وجهود المصريين، الأمر ذاته في جامعة القاهرة، وضريح سعد زغلول، وغيرها من المنشآت الوطنية، لافتا إلى أن سهم الشركة مطروح في البورصة المصرية بـ3.5 جنيهات، بينما تقترح المبادرة شراءه بـ100 جنيه، في سبيل الحفاظ على هذا الكيان الوطني من الاندثار. 
وشدد الخميسي على أن “الحديد والصلب” ليست مجرد شركة اقتصادية بل رمز وطني، ارتبط بالتوجه للتصنيع والاستقلال الاقتصادي والتحرر الاجتماعي والسياسي، معتبرا أن قرار تصفيتها والتفريط فيها بهذه الطريقة يعني التنازل عن جزء هام من التاريخ الوطني.
وأوضح أنه  في جميع الأحوال إذا لم نستطع تنفيذ المقترح على أرض الواقع، سنكون قد نجحنا في تجميع عدد ضخم من الأصوات يبرز الاعتراض الشعبي على تصفية المصنع، ويظهر لنا ما يمكننا عمله معا. معتبرا أن التعبير عن القلق الشعبي على أوضاع الصناعة الوطنية جزء من النجاح والمكسب حتى لو لم يسفر عن نتيجة لأي أسباب. 

حدث جلل

واعتبر يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق قرار تصفية شركة الحديد والصلب بحلوان، “حدث جلل يجب أن نقف عنده”.. محذرا من مخاطر هذا القرار.
وقال قلاش، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”: "لا يمكن أن يكون قرار تصفية مجمع الحديد والصلب في حلوان الذي أقيم عام 1954 مجرد خبر عابر، بل هو حدث جلل يجب أن نقف عنده، وأن تعطيه كل القوى و كل مواطن مازال قلبه ينبض بحب هذا الوطن، ما يستحقه من اهتمام".
وأضاف: "في هذه الصروح الصناعية (أو ما تبقى منها) يكمن أمننا القومي ومستقبل هذا البلد.. و يكفي ما نتعرض له من تهديدات تحيط بنا.. هل يمكن أن يعوضنا عن هذا الصرح في لحظات الخطر عز أو أبو هشيمة.. الحديد و الصلب ليس مصنعا بل هو عماد الصناعة في أي بلد و لولا هذه الصروح الصناعية و سندها ما كان نصر حرب أكتوبر".
وطالب قلاش بوقف هذا القرار الذي يملكه الشعب المصري كله، والتحقيق في مؤامرة انهيار هذا الصرح، وتدمير سمعة من دافعوا عنه من كوادر أفنت حياتها فيه وليس التسليم بعملية تصفية مشبوهة وكارثية فعلها من لا يملك ليعطيه لمن لا يستحق .

خطة إنقاذ

وطالب كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، الى إنقاذ الشركة، داعيا إلى دائرة حوار ومناقشة علمية بحضور مهندسي وخبراء الحديد والصلب وخبراء اقتصاديين، لوضع خطة للإنقاذ خلال فترة زمنية معينة، مع التعهد بتمويلها شعبيا بالتبرعات والاكتتابات دون تحميل خزينة دولة العسكر أي أعباء مالية، على أن يكون عمال الحديد والصلب على رأس المكتتبين.
وكشف عباس فى تصريحات صحفية أن آخر خطة لإصلاح الحديد والصلب كانت في عهد آخر رئيس مجلس إدارة لـ”الحديد والصلب” من أبناء الشركة، المهندس سامي عبدالرحمن، دون أي تكلفة على الدولة، حيث كانت قائمة على بيع بعض الأراضي المملوكة للمصنع التي ليست هناك حاجة لها، بالإضافة إلى الاستفادة من بيع الخردة، وإعادة تأهيل العنابر، وغيرها، وكانت النتيجة لمقترحه أنه تم التخلص منه بعدها.
وأضاف: كان هناك عدد كبير من المقترحات والمشروعات المطروحة لإنقاذ صناعة الحديد والصلب من بينها خطة سامي عبد الرحمن، ومقترح من هيئة الحديد والصلب البريطانية، وأخرى من روسيا وأوكرانيا، مؤكدا ان الحديث عن تبرير قرار تصفية الشركة بعدم تحقيقها مكاسب غير منطقي .
وشدد "عباس" على أن الأوضاع التي يعاني منها المصنع سببها الإهمال الذي تعرض لها على مدار سنوات، خاصة منذ التسعينات، بعد الاتفاق بين المخلوع حسني مبارك وصندوق النقد الدولي، الذي طلب مسؤولو الصندوق بناء عليه بيع أصول الدولة ومن بينها “الحديد والصلب”، وحينما لم يستطع النظام تصفيته أو بيعه تركه يموت ببطء . 
وقال إن الرسالة الواضحة من تصفية الحديد والصلب، واستهداف شركات الأسمدة والغزل والنسيج وغيرها، تعني أن الدولة لا تريد صناعة وطنية، وإنما تفضل الاعتماد على اقتصاد الخدمات، بدلا من التركيز على أسس التنمية الحقيقية. 

Facebook Comments