نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا للكاتب الصحفي Declan Walsh، سلط خلاله الضوء على الذكرى العاشرة لثورة 25 يناير المجيدة.

وحسب التقرير الذي ترجمته الحرية والعدالة، ففي عام 2011، كان ميدان التحرير في طليعة الانتفاضات الشعبية المعروفة باسم الربيع العربي. ولكن الآمال في مصر الديمقراطية سُحقت والساحة التاريخية اكتست بنظرة جديدة عقيمة.

محو آثار الثورة

وأضاف التقرير أن تحول ميدان التحرير، بدأ قبل فترة طويلة مع ظهور أول حالة في مصر من فيروس "كوفيد-19"، فالمنطقة التي احتشد فيها مئات الآلاف من المصريين قبل عقد من هذا الشهر للإطاحة بحاكمهم الاستبدادي، حسني مبارك، في دوامة من الثورة، وهي ذروة موجة الانتفاضات في جميع أنحاء المنطقة التي أصبحت تعرف باسم الربيع العربي، الآن بالكاد يمكن التعرف عليه، فالدائرة العشبية التي كان يجلس عليها الثوار فرحين تم خنقها في الخرسانة، في مكانها ارتفع نصب تذكاري فخم – بتكلفة مبدئية تبلغ 6 ملايين دولار تهدف إلى تجميل التحرير على غرار الساحات الفخمة في أوروبا.

وفي قلب الساحة، كانت مسلة قديمة مثبتة تحرسها أربعة من تماثيل الكباش التي تم نقلها مؤخرا من المعبد القديم في الكرنك، والتي لا تزال مخبأة في صناديقها، وخلفه، أعيد طلاء سلسلة طويلة من المباني بالكاكي، وسلالم تغطيها أضواء جديدة وكان حراس الأمن يجوبون الأرصفة.

وكان التأثير المزخرف للتحرير، سواء كان عسكريا أو فرعونيا، بالضبط ما أراده قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، الذي أمر بالتغييرات.

وأضاف التقرير أن ميدان التحرير – وهو عبارة عن خليط من الزحام المروري المتشابك، وساحة للثورات، وفي السنوات الأخيرة، ميدان من الأحلام المحطمة – لطالما احتل مكانة خاصة في ثقافة وتاريخ مصر، منذ نحتها من رقعة من الأراضي المستنقعة على نهر النيل قبل أكثر من ١٥٠ عاما، كانت الساحة المترامية الأطراف بمثابة طوق وتهديد لحكام مصر.

مصدر للقوة

بالنسبة للبعض، فإن هدير حشد التحرير قد دفعهم إلى السلطة، وبالنسبة لآخرين، مثل مبارك، كان ووترلو: حيث واجهوا غضب الشعب، وقابلوا سقوطهم.

"إن التحرير أرض مقدسة"، كما يقول أحد المتظاهرين في "الميدان"، وهو فيلم وثائقي تم ترشيحه لجائزة الأوسكار عن انتفاضة ٢٠١١ وتداعياتها المضطربة. "إذا سيطرت عليها، فلديك القوة. إنه يسحب الناس إليك.

وأوضح التقرير أن السيسي يدين بدين كبير للتحرير، فقد استغل الاحتجاجات المفتعلة في عام 2013 للانقلاب على أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر، الرئيس الشهيد محمد مرسي، ومهدت الطريق أمامه وهو جنرال عسكري، للاستيلاء على السلطة.

ولكن بمجرد استيلائه على السلطة، تحرك بسرعة لمحو كل أثر للثورة، تم مسح الجرافيتي من على الجدران، وتم طلاء الجداريات، وانتشر مسؤولي الأمن والمخبرين في الميدان، وتم حظر الاحتجاجات، وكانت الخطوة الأخيرة هي تغيير وجه التحرير، وحتى مع تشديد الوباء قبضته هذا الصيف، استمر العمل على التجديد ولكن في حين أن العديد من المصريين أعجبوا بالتغييرات، إلا أن القليل منهم تجرأ على البقاء هناك.

وقال معد التقرير:"تجولت في التحرير ذات مساء، توقفت للراحة على مقعد جديد خارج مجمع التحرير الذي يبدو متأنقا، وظهر حارس أمن، قال لي: "استمر في التحرك".

وأضاف أن المجمع يتحرك أيضا وفي إطار خطة لإعادة تشكيل القاهرة بشكل جذري، أمر السيسي برلمان الدم والوزارات الحكومية بالانتقال من وسط المدينة إلى عاصمة إدارية تبلغ قيمتها 60 مليار دولار قيد الإنشاء في الصحراء، على بعد 25 ميلا.

ويصر السيسي على أن العاصمة الجديدة ستخفف الضغط على القاهرة، التي تضم 20 مليون نسمة، ويستشف منتقدوه دافعا أقل نبلا: استنزاف "التحرير" لأهميته من خلال تحويل موقع السلطة إلى مكان بعيد، حيث لن يتمكن سوى عدد قليل من المصريين من التجمع وإسماع أصواتهم.

أشباح الثورة

ما تبقى في التحرير، إذن، هو أشباح عام 2011، فضلا عن مساحة لا يزال فيها المتحدي واليائس يقف ضد حكومة السيسي.

في عام 2019، دخل رجل يبلغ من العمر 35 عاما يدعى أحمد محيي إلى التحرير حاملا لافتة كتب عليها "ارحل يا سيسي" لتسجيل غضبه من حادث قطار مدمر ألقى باللوم فيه على الفساد وعدم الكفاءة، في غضون دقائق تم اعتقاله في شاحنة للشرطة.

وصرخ قائلا: "نحن في جمهورية موز!"، قبل أن يختفي في سجن يخضع لأقصى درجات الأمن.

وبعد أيام، اتخذ شاب أمريكي يدعى محمد عماشة، 24 عاما، من مدينة جيرسي، بولاية نيو جيرسي، موقفا مماثلا وحمل لافتة تدعو إلى إطلاق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين في السجون المزدحمة في مصر، وسرعان ما أصبح واحدا منهم.

وخلال اقتياده بعيدا سخر مسؤول أمني منه قائلا:"هل تعتقد أنك بطل الآن؟" .

واجتاحت موجة نادرة من الاحتجاجات المناهضة لحكومة السيسي في التحرير في سبتمبر 2019، وسرعان ما سحقتهم سلطات الانقلاب التي اعتقلت 4000 شخص، ولكنها كانت قلقة بشكل واضح من الانفجار المفاجئ للغضب.

لن نسمح بتكرار التجربة

وتابع كاتب التقرير: "عندما زرت التحرير في الخريف الماضي، كانت قوات أمن الانقلاب تملأ الميدان والمسدسات متدلية من أحزمتهم، ويتمركزون على الجسور فوق النيل وأوقفوا المارة في التحرير، يفتشون حقائبهم وهواتفهم المحمولة وتجولت شاحنات مدرعة مليئة بشرطة مكافحة الشغب إلى ما لا نهاية حول النصب التذكاري الجديد الكبير للسيسي.

وأردف:"دخلت المتحف المصري، حيث كان من غير المرجح أن يتم احتجازي، لكن المتحف كان يتغير أيضا، فأشهر كنوزه، بما في ذلك قناع توت عنخ آمون الذهبي، كان يتم نقلها إلى المتحف المصري الكبير، وهو مشروع كبير بقيمة 1.1 مليار دولار، بالقرب من الأهرامات، يأمل السيسي في افتتاحه باحتفالات فخمة في يونيو".

واستطرد: "قدم مرشد مسن، وهو يتسكع عند المدخل، جولة مرتجلة، لقد عبرنا من خلال المعروضات لحكام مصر القدماء – الفراعنة الذين كانت لهم قوة ذات يوم ، المحاصرين الآن داخل تابوت الجرانيت وجرار المرمر المليئة بأحشائهم المحنطة".

واختتم: "لقد تحدثت المعروضات عن حقائق دائمة حول طبيعة السلطة في مصر – حكايات الغطرسة عن الطموح والتهور والانتصار والكوارث الآن، على الرغم من ذلك، تم تصنيف هؤلاء القادة من خلال وضعهم في المتحف الذي يبلغ عمره قرنا من الزمان".

 

Facebook Comments