منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 حتى الآن، كان لقائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي الحظ الأكبر من الألفاظ الساخرة والمهينة مقارنة بمن سبقوه من حكام مصر. ومنذ اليوم الأول ابتكر الثوار خلال مظاهراتهم مجموعة من الشعارات والأوصاف التي أطلقوها على السيسي لتشويه صورته التي كان يحاول رسمها لنفسه كزعيم لمصر.

وكانت أول حملة للسخرية التهكم على لقب عائلته والربط بينه وحيوان "الحصان القزم"، ما دفع حديقة الحيوانات بالجيزة إلى تغيير اسم حيوان السيسي إلى "حيوان السياسي"، وبعد فترة غيرت الحديقة اسم الحيوان مرة أخرى من السياسي إلى حصان الشيتلاند!

المرحلة الثانية من إسقاط هيبة السيسي بدأت عقب إعلان ترشحه في هزلية الرئاسة في 2014 عندما أطلق النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاج "انتخبوا الـ–"، وقد تخطى عدد التعليقات والمشاركات على الهاشتاج حاجز المليار مشاركة في فترة لا تتجاوز شهر من بداية إطلاقه.  

وحاول إعلاميو السيسي التصدي للهاشتاج وتقديم نصائح لقائد الانقلاب للتغطية على الهاشتاج لكنهم فشلوا وظل الاسم ملازما للسيسي حتى الآن.

وخلال كل المظاهرات التي انطلقت ضد السيسي كان الشعار يرفع طوال المظاهرات "انتخبوا الـ–"، وقد تحدثت وسائل الإعلام والصحافة العربية عن الهاشتاج لأنه حقق أرقاما قياسية على مواقع التواصل الاجتماعي، وقال موقع الشرق إنه تخطى 100 مليون تغريدة في بداية انتشاره، وبثت قناة LBC اللبنانية تقريرا ذكرت فيه حجم انتشار الهاشتاج ومدى توسعه.

"بلحة" يكتسح

وعقب الهاشتاج الساخر خرج وصف مهين آخر للسيسي وهو اسم "بلحة"، في إشارة إلى جهله وغبائه وافتقاره أي خبرة أو معرفة، واللقب مشتق من شخصية بلحة التي جسدها الفنان الراحل محمود عبدالعزيز وهي "بلحة المجنون".

كما تم تأليف مجموعة من الأغاني التي تسخر من الاسم، وكان أشهرها أغنية الفنان رامي عصام التي استخدمها نشطاء في كوميكسات ساخرة من قائد الانقلاب العسكري، ما أصاب نظام السيسي بالجنون ودفعه لاعتقال مخرج الأغنية الشاب شادي حبش وقد تسببت الأغنية في قتل مخرجها داخل المعتقل نتيجة الإهمال الطبي الممنهج.

وكان للعب الأطفال نصيب أيضا في السخرية من قائد الانقلاب، ومن هذه اللعب لعبة "البندول" وهي عبارة عن كرتين وحبلين وتم إطلاق اسم مهين للسيسي عليها، وقد انتشر الاسم بين أطفال مصر بشكل كبير؛ ما تسبب في حرج بالغ لإعلام الانقلاب الذي فشل في الدفاع عن سمعه السيسي، وعقب الانتشار السريع لاسم اللعبة المهين للسيسي شنت قوات أمن الانقلاب حملات لسحب اللعبة من الأسواق!

وكان آخر الألقاب التي تسخر من قائد الانقلاب هو لقب "السيسي عدو الله" الذي انتشر في الوطن العربي كله خلال مجموعة من المظاهرات التي كانت تخرج في لبنان والجزائر وتونس والمغرب وليبيا وغيرها من الدول العربية.

تعامل "مرسي" الهادئ 

وقد شرب السيسي من نفس الكأس الذي تجرعه الرئيس الشهيد محمد مرسي عندما ترصدت الأذرع الإعلامية لكافة تحركاته وكلماته، ونظمت حملة منظمة للسخرية منه عبر الكثير من الأساليب، إلا أن الرئيس الشهيد قابل تلك الإساءات بطريقة هادئة؛ حين رد على سؤال الإعلامي عمرو الليثي عنها قائلا: "حرية التعبير والنقد تثري التجربة الديمقراطية ولا أرفض النقد البناء".

ردود الرئيس مرسي الرصينة على محاولات التشويه أثارت إعجاب الكاتب الصحفي الراحل سلامة أحمد سلامة وكتب في أحد مقالاته بجريدة الشروق تحت عنوان: "المناظرة لغة لعصر" قائلا: "لقد شاهدت برامج لقنوات تليفزيونية أخرى تدور حول انتخاب الرئيس ومن أفضلها كان برنامجا مكثفا خضع فيه المرشح الإخواني محمد مرسي لأسئلة خبراء وزراء ومستقلين ومحكمين غير منحازين".

وأضاف أن "المناظرة تناولت مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والعامة، وكشفت عن وجه وشخصية قلما تبدو واضحة للمشاهد في الحملات الانتخابية، وقد ظلمته إلى حد كبير المقالات والبورتريهات الصحفية ولكنها على الشاشة بدت رصينة ومعتدلة وعلى جانب كبير من العلم والثقافة دون إنكار لميوله الإسلامية".

السخرية عادة مصرية

وقال الإعلامي سامي كمال الدين، إن السخرية من الحكام والسلاطين كانت موجودة في مصر عبر العصور حتى قبل الفتح الإسلامي لمصر ومرورا بالدولة الفاطمية والمراحل التي مرت بها مصر حتى جاء الاستعمار الفرنسي والبريطاني وبدأ إصدار الصحف وظهور عدد من الكتاب الساخرين مثل يعقوب صنوع وعبدالله النديم وغيرهما، لدرجة أن عبدالله النديم ظل 9 سنوات يتخفى في القرى والنجوع بسبب قصائد الهجاء التي كان ينظمها في الاحتلال البريطاني ووصف بأنه شاعر وخطيب الثورة العرابية، وقد هاجر إلى تركيا في عهد السلطان عبدالحميد الثاني وتوفي في إسطنبول.

وأضاف كمال الدين، في مداخلة مع تليفزيون وطن، أن السخرية من الحكام موجودة حتى في العصر الجاهلي وقبل ظهور الإسلام، وازدهرت لفترة في الأندلس لكن في الدولة الحديثة عندما تولى جمال عبدالناصر السلطة تم الحد من السخرية وكانت هناك مجموعة كبيرة من الكتاب الساخرين من بينهم كامل الشناوي الشاعر الشهير الذي أجرى أول حديث صحفي مع جمال عبدالناصر عندما استولى على الحكم بعد إزاحة محمد نجيب عام 1954.

وأوضح أن السخرية ازدهرت في عصر الرئيس أنور السادات وكان صديقه المقرب محمود السعدني أحد أهم الكتاب الساخرين في العالم العربي، الذي سبق أن دخل السجن في عهد عبدالناصر ونفي بسبب مكالمة له مع فريد عبدالكريم أحد مؤسسي الحزب الناصري انتقد فيها السادات وعاش في عدد من الدول العربية ولندن.

وأشار إلى أن مجال السخرية اتسع بشدة خلال فترة حكم المخلوع مبارك لأنه كان اقل ثقافة وأقل اهتماما بالأدب والثقافة من السادات، وقد حكى محمد حسنين هيكل عن مواقف طريفة مع مبارك عندما طلب منه الابتعاد عن الصحافة والكتابة وأن يتولى إحدى الوزارات، لكنه رفض، وبسبب كره مبارك للأدب والثقافة ازدهرت الكتابة الساخرة في عهده.

ولفت إلى أنه في عهد بشار الأسد ظهرت صحيفة في سوريا باسم "الدومري" وكان رئيس تحريرها على فرزات وهو الآن منفي خارج البلاد بسبب نشره رسم كاريكاتير لبشار الأسد وهو يركب حمارا بالمقلوب. وفيما يتعلق بفترة الانقلاب أوضح "كمال الدين" أن السيسي أزاح كل الكتاب الساخرين جانبا وتفرد بساحة الكوميديا وحده، ولم يترك فرصة لأحد من الكتاب لمنافسته في المواقف الساخرة سواء منه أو عليه.

 

Facebook Comments