كالعادة بصم ما يسمى بمجلس النواب الذي تشرف عليه أجهزة الطاغية عبدالفتاح السيسي الأمنية على مشروع قانون تقدمت به حكومة الانقلاب أواخر يناير 2021م يقضي بتعديل بعض أحكام ما يسمى بقانون "الإرهاب". هذه التعديلات تستهدف إبلاغ الأجهزة الأمنية عن بيانات المستأجرين للعقارات، وهو التعديل الذي سبق وأن وافقت عليه لجنة الشئون التشريعية في الفصل التشريعي المنقضي، ولم يتم عرضه على جدول الجلسات العامة بدعوى ازدحام الأجندة التشريعية.
وبحسب محللين ومراقبين فإن الهدف من هذه التعديلات هو تضييق الحصار على الملاحقين أمنيا لأسباب سياسية ومعارضتهم لنظام الانقلاب العسكري، ويبرهن على ذلك أن التعديل أضاف نصوصا تسمح لوزارة الداخلية بحكومة الانقلاب بالدخول كطرف ثالث في العلاقة بين الملاك والمستأجرين من ناحية، وبسط رقابتها على المعلومات الشخصية الخاصة بالمواطنين المستأجرين للعقارات من ناحية أخرى، بما في ذلك المستأجرون بعقود الإيجار الجديد، أو بشكل مؤقت، بحجة أن بعض العقارات المستأجرة تستخدم لإيواء المتطرفين والإرهابيين.

ملاك العقارات جواسيس

هذه التشريعات تجبر ملاك العقارات على أن يعلموا كجواسيس ومخبرين لأجهزة السيسي الأمنية، وفي سبيل ذلك نصت التعديلات على عقوبات مغلظة بحق الملاك إذا لم يقبلوا بالعمل كمخبرين للنظام ؛ حيث نص التعديل على أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه، ولا تتجاوز عشرة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أجر عقاراً أو وحدة من دون إخطار قسم أو مركز الشرطة الكائن العقار في دائرته، بصورة عقد الإيجار وصورة الرقم القومي للمستأجر المصري، أو إثبات الهوية للأجنبي، وذلك خلال 72 ساعة من تاريخ شغل العقار، أو إبرام عقد الإيجار".
وبالنسبة لعقود الإيجار السارية حالياً، نص التعديل على أن "يلتزم مؤجر أي عقار، أو وحدة مؤجرة أو مشغولة، بتوفيق أوضاعها بما يتفق مع أحكامه، خلال مدة لا تتجاوز الشهر من تاريخ العمل به. ويعاقب كل من خالف أحكام هذه الفقرة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن ألفي جنيه، ولا تجاوز خمسة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين".
وكانت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، في دراسة لها بعنوان «قوانين الإرهاب في مصر وتغلغل القمع.. دراسة قانونية وحقوقية»، قد طالبت بإلغاء قوانين الإرهاب والاكتفاء بنصوص القانون الجنائي العام (قانون العقوبات – قانون الإجراءات الجنائية) لمواجهة جرائم العنف والإرهاب بديلا عن قوانين الإرهاب التي ترسخ لحالة استثنائية وتتحلل دون مواربة من التزامات حكومات مصر المتعاقبة على صيانة حقوق مواطنيها وترسيخ سيادة القانون.
وبحسب الدراسة فإن عشرات النصوص القانونية التي يزخر بها قانون العقوبات المصري وقوانين تزعم مواجهة الإرهاب مليئة بمواد تجرم الآراء والنقد، بل والنوايا، وتحاصر أغلب الممارسات السلمية. مضيفة أنه منذ صدور قانون الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 بقرار من رئيس (الانقلاب) وفي غيبة برلمان منتخب وبما تضمنه من توسع شديد وغير مبرر في التجريم واستخدامه لمصطلحات تتصف بالعمومية وتخضع في التفسير لهوى القائمين على تنفيذ القانون، شاع مناخ من الخوف وصار الجميع مهدداً بوصمه بالإرهاب وبات آلاف المواطنين والمعارضين السياسيين والصحافيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجال العام ملاحقين قضائياً وقابعين خلف أسوار السجون لمجرد إبداء آرائهم أو التعبير عن رفضهم للسياسات الحكومية أو كتابة مقال أو مجرد تنظيم وقفة احتجاجية.

نشأة قوانين الإرهاب 
ومن هذا المنطلق، ألقت الدراسة نظرة أكثر تفحصاً على قوانين الإرهاب المتعاقبة منذ بداية صدورها عام 1992 وحتى آخر تعديلاتها في مارس 2020م. وأظهرت مدى انصياع المشرع المصري لالتزامات مصر الدولية وإلى أي مدى أفضى تطبيقها من الأجهزة الأمنية والسلطات القضائية سلباً أو إيجاباً من حيث انتهاك أو تعزيز الحقوق والحريات العامة والخاصة المقررة بصلب الدستور، كما استعرضت في أحد فصولها عدداً من القضايا التي روعي فيها عدم ارتكاب متهميها لأي سلوك عنف أو دعوة أو تحريض عليه ورغم هذا تمت ملاحقتهم على خلفية ممارسة حقهم في التجمع السلمي أو التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم أو انتقاداتهم.
وعن نشأة قوانين الإرهاب في مصر، قالت الدراسة "يعد مصطلح الإرهاب حديثاً للغاية من حيث ظهوره في التشريع المصري، إذ كان أول ظهور له عام 1992 عندما صدر القانون 97 لسنة 1992 تحت اسم قانون مكافحة الإرهاب. ووجه هذا القانون قبل وبعد صدوره باعتراضات شديدة من قوى المجتمع المدني المصري وجانب كبير من القانونيين من حيث الحاجة إلى إصداره أو بتضمين نصوصه داخل بنية القانون الجنائي العام.

ويمكن إجمال أوجه الاعتراضات العامة تلك في أن القانون الجنائي العام المصري (قانون العقوبات – قانون الإجراءات الجنائية) كافٍ بما يحويه من نصوص لمجابهة جرائم العنف (الإرهاب) وليست هناك حاجة لإصدار قانون جديد؛ كون هذا الأمر يتخم البنية التشريعية فوق تُخمتها الزائدة بالأساس بقوانين استثنائية تخرج عن المألوف وتحد من الحقوق والحريات العامة للمواطنين. وأن قانون الطوارئ سارٍ ومفعّل وهو كقانون استثنائي كافٍ مع قانون العقوبات لمواجهة الجريمة الإرهابية من حيث تضمُّن الأول إجراءات وتدابير استثنائية ممنوحة للسلطات الأمنية، والثاني يتضمن أوصاف وعقوبات تلك الجرائم. وأن قانون الإرهاب رقم 97 لسنة 1992 لم يصدر كقانون منفصل كونه استثنائيا وجوده وزواله مرهون بالحالة الاستثنائية بل صدر بطريق التعديل في القانون العام (قانون العقوبات). وأن الصياغة التي صدر بها قانون الإرهاب جاءت على نحو تضمن تعبيرات غامضة ومعاني فضفاضة لا تخضع للضبط القانوني.
وعلقت الشبكة على هذه القوانين "تخالف أصول التشريع، فقد استقر القانون المصري والدولي على أن القانون الغامض يفوّض على نحو غير مقبول الشؤون السياسية لرجال الشرطة والقضاء للبتّ في مسألة ناشئة على أساس معيار ذاتي لديهم هم. وهو ما يفضي بالضرورة إلى مخاطر وأهوال التطبيق التعسفي".
وعن الانتقادات العامة المواجهة لقانون الإرهاب تحديدًا، فسرتها الشبكة في "التوسع الشديد وغير المبرر في التجريم، وباستخدام مصطلحات تتصف بالعمومية تخضع في التفسير لهوى القائمين على تنفيذ القانون. وإهدار القواعد العامة في القانون وذلك بمساواة عقوبة الشروع في الجريمة بالجريمة التامة والعقاب على التحريض سواء وقعت الجريمة المدعى التحريض عليها أو لم تقع. وتكرار تجريم أفعال مؤثمة سابقاً في قانون العقوبات، بالإضافة إلى الإسراف في تغليظ عقوبات تلك الجرائم".

Facebook Comments