قالت مجلة "الإيكومنيست" إن عدد الأطباء في مصر آخذ في الانخفاض حتى وصل إلى ٥ أطباء لكل ١٠ آلاف مواطن، نتيجة الهجرة، رغم أن الحد الأدنى عالميا ٤٥ طبيب لكل ١٠ آلاف شخص. يأتي ذلك في ظل استمرار سقوط الأطقم الطبية في مصر ومخاوف من تفشي موجة جديدة لفيروس كورونا وظهور سلالة جديدة من الفيروس، مع تأكيدات مسؤولين في القطاع الصحي بحكومة الانقلاب بأن أعداد المصابين في مصر أضعاف المعلن عنه رسميا.
ومنذ بدء الأزمة وجد الأطباء أنفسهم في مواجهة الفيروس ببدل عدوى 19 جنيه فقط شهريا، ومعاش متواضع في حالة الوفاة، ليدخلوا في معركتين متوازيتين، الأولى مع الفيروس، والأخرى مع حكومة الانقلاب لتصويب أوضاعهم المادية ومواجهة نقص الإمكانات والمستلزمات الطبية.
وعندما حاول الأطباء الاعتراض عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض 9 منهم للاعتقال من عصابة السفاح السيسي بتهم سياسية مثل بث الإشاعات وسوء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يزال بعضهم في السجن حتى الآن.

عند ربنا..!
ومع استمرار نقص المعدات ووسائل الوقاية والحماية ومنها القفازات الطبية والمطهرات والكمامات الطبية وعدم أخذ مسحات للمصابين أو المخالطين انتشرت مقاطع مصورة للأطباء والكوادر الطبية ينتقدون فيها تعامل حكومة الانقلاب مع الأزمة.
وردت حكومة الانقلاب بشن حملة اعتقالات طالت عددا من الأطباء، وإصدار تعليمات للأمن الوطني بالتدخل وتهديد كل العاملين في المجال الصحي بالحبس والمساءلة في حال نظموا وقفات احتجاجية، وهو ما أكده حينها أحد العاملين في مستشفى الشيخ زايد التخصصي بمدينة الشيخ زايد في محافظة الجيزة.
ومع استمرار غضب الأطباء وإلحاحهم لتحقيق مطالبهم اجتمع رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي ود. محمد عوض تاج الدين مستشار السفاح السيسي مع نقيب الأطباء د. حسين خيري، ووعد باعتبار ضحايا فيروس كورونا من الأطباء شهداء، وهو ما لم يحدث إلى الآن.
وأثار تصريح السفاح السيسي بشأن الأطقم الطبية موجة غضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ أكد أنهم سيأخذون المقابل “عند ربنا” ولن تستطيع الدولة إعطاءهم شيئا.
وقارن مدونون بين تعامل عصابة الانقلاب مع أفراد الجيش والشرطة سواء في حياتهم أو مماتهم وتعاملها مع ضحايا فيروس كورونا من الأطقم الطبية، وقالوا إن عصابة الانقلاب تمتنع عن إعطائهم حقهم رغم مخاطرتهم بحياتهم خلال الجائحة.
وقال وكيل وزارة الصحة السابق مصطفى جاويش إن “شهداء الجيش والشرطة حقهم عند ربنا أيضا لكن السيسي يمنح أسرهم مزايا مالية ومجتمعية ومعنوية بموجب القانون رقم 16 لسنة 2018”.
وأضاف “العدالة الاجتماعية مطلوبة هنا فشهداء الأطقم الطبية ماتوا في سبيل الدفاع الوطن ضد جائحة تفتك بالعالم كله وحقهم مكفول في جميع القوانين والمواثيق الدولية لكن السيسي يريد التملص منها”.
وكتب الإعلامي حسام الشوربجي “أفراد الجيش والأطباء يعرضون حياتهم للخطر على حد سواء، الاثنان مثل بعض، لازم تعامل الدولة معهم ومع أهلهم يكون بسواسية حتى لو كان التقدير والاهتمام معنويا وليس ماديا، لكن السيسي يهتم فقط بأمر كل ما هو عسكري”.
وكتبت الدكتورة منى مينا وكيل نقابة الأطباء السابقة: "سيجزي الله بعدله وكرمه شهداء الأطقم الطبية، أما أسرهم وأبناؤهم فلهم حق أكيد في رقبة المجتمع والدولة”.
وقال أحد المغردين: "لكن الجيش والشرطة اللي بيحموا ظلمك وفشلك واستبدادك، إديهم كل حاجة أحياء وأموات وندفع لهم دمغات ورسوم على كل ورقة نطلعها من أي مصلحة حكومية وكله من جيب الشعب الغلبان”.

تهديد الأطباء
ونشرت وكالة أسوشييتد برس الأمريكية عن هذا الصراع تحقيقا صحفيا يوم 6 يونيو الماضي، جاء فيه أن النظام العسكري القمعي المصري يعتقل ويُسكت مَنْ ينتقد إجراءات السفاح السيسي لمكافحة كورونا، وبالفعل اعتقل نظامه عشرة أطباء على الأقل، بالإضافة إلى فرضه قيودا وإرساله تهديدات إلى موظفي قطاع الصحة بالتزام الصمت أو مواجهة العقاب، "وتوجد تسجيلات صوتية تكشف تهديد أجهزة الأمن الأطباء والتلويح بعقابهم بشدّة، إذا تغيبوا عن العمل، حتى لو شعروا بالمرض، والأجهزة الأمنية تشرف على لوائح الحضور والغياب في المستشفيات".
وذكر طبيب لوكالة الأنباء العالمية أنه في كل يوم يذهب فيه إلى العمل يُضحي بنفسه وعائلته، وقال إن السلطات اعتقلت زميلا له لمجرّد أنه أرسل رسائل إليها، قال فيها: "لا أرى ضوءا في نهاية النفق".
وفي المُقابل كان رئيس الوزراء "المدني مظهرا العسكري روحا، مصطفى مدبولي، صرّح بأن "إهمال وسوء إدارة الأطباء" الأزمة يعرّض صحة المواطنين للخطر، ولما اعترض عضو مجلس نقابة الأطباء، محمد الفوال، مطالبا مدبولي بالاعتذار تم اعتقاله، بالإضافة إلى صيدلاني انتقد على الفضاء الأزرق نقص معدّات الحماية، بل تم اعتقال طبيبة حامل لمجرد استخدامها هاتف زميلة لها للإبلاغ عن حالات مُشتبه إصابتها بالفيروس.
وتجري وقائع الاتهامات المريرة في حق الأطباء بعد تسمية عصابة الانقلاب لهم في بداية الأزمة "الجيش الأبيض"، ربما رغبة منه في إلحاق كل نجاح لهم لصالح العسكر، فلمّا تجاوز عدد المُصابين 76 ألفًا بينهم أكثر من ثلاثة آلاف وفاة، مقابل أكثر من 21 ألف حالة تعافٍ، وفق الأرقام الرسمية التي تعرف السلطات جيدا أنها غير دقيقة، بحسب مجلة فورين بوليسي الأمريكية، صارت عصابة الانقلاب تهدّد الذين يكشفون الحقيقة، ويُعلنون أن قرى ونُجوعا ومدنا تعاني بضراوة.
ويبدو أن الأمور كلما استفحلت عجّل العسكر استدعاء "شمّاعة فشل الأطباء"، على الرغم من وفاة مائة منهم بكورونا؛ فيما تعدّى عدد الطواقم الطبية التي لقيتِ الله بالفيروس نفسه تجاوز مائتين.
وفي المقابل، تتمسك الغالبية العظمى من دفعات كليات طب من مختلف أرجاء مصر، وعددها قرابة ثمانمائة طبيب، بعدم قبول التكليف، لرؤيتهم ألّا حل أمام اهتراء المنظومة الطبية في مواجهة كورونا، ويبقى حلم هؤلاء الأطباء وغيرهم في الهجرة خارج مصر ليلحقوا بـ110 آلاف طبيب مصري، بحسب إحصائيات النقابة المُختصة للعام الماضي، من إجمالي 220 ألف طبيب مسجّل بها.
 

Facebook Comments