قبل أيام فقدت مصر أحد قضاتها العظام.. إنه المستشار "طارق البشري" رحمه الله، رأيته دوما نموذجا رائعا لقضاء مصر الشامخ، عمل في محراب العدالة مدة تزيد عن أربعين عاما ووصل خلالها إلى أعلى المناصب في مجلس الدولة. وسيادة المستشار كان غير تقليدي بالمرة، إنه مفكر من الطراز الأول بالإضافة إلى عمله في القضاء، وله مؤلفات غاية في الأهمية في موضوعات أرى أن بلادي في أمس الحاجة إليها مثل العلاقات بين المسلمين والأقباط، والديمقراطية وتقديم الإسلام بطريقة عصرية متحضرة تجذب الناس إليه، فقد كان عالما بالشريعة وليس فقط بالقانون، بالإضافة إلى أكثر من كتاب عن تاريخ مصر الحديث، وبعض الشخصيات المؤثرة في هذه الفترة مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس وأحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة وغيرهم.
وكتبه تلك لقيت رواجا واسعا من المثقفين، وكان محل تقدير واعجاب من الجميع باختلاف انتماءاتهم.
وكانت تربطني بالمرحوم المستشار طارق البشري رحمه الله علاقة وثيقة، وأجريت معه أكثر من لقاء صحفي، وأتذكر أنه منذ سنوات أربع تقريبا طلبت منه أن يكتب لي كلمة أحتفظ بها عربونا لصداقتنا، وتوقعت أن يكتب كلمتين يعطيني فيها خلاصة تجربته في الحياة، أو نصيحة غالية تفيدني في حياتي لكن ما يدخل في دنيا العجائب أنني فوجئت بكلمته عبارة عن وسام شرف أعطاه لي، وله جزيل الشكر، وتلك الميدالية الذهبية من سيادة المستشار سأفتخر بها عمري كله.. وإليكم نصها:
.. محمد عبدالقدوس هذا الرجل أحبه وقد أحببته في الله. 
يقولون إن المحبة يصير بها الإنسان غير قادر على الحكم الموضوعي.
وهذا قول ليس صحيحا على إطلاقه؛ لأننا إذا أحببنا شخصا مثل "محمد" ونجد أن كل من نعرفه أحبه بذات القدر العالي، فإن ذلك يكون حكما موضوعيا صادرا عن التقدير الموضوعي وليس من الهوى.
وأساس هذه المحبة أنه إنسان يحب لغيره وللناس ولكل القيم النبيلة بغير طلب لمنفعة، وأن من يعرفه يشعر بالتقدير والاطمئنان و الأمان معه، والذي يحركه هو حب الخير فقط و"محمد" جيل ثالث لجيلين سابقين عليه عرفناهم في حياتنا العامة وعرفنا منهما كل الخير للوطن فهو نافع من النافعين لبلده وقومه وناسه ونبت خير من أصل خير،
أحب أن ألقاه دائما وأسعد كثيرا بهذا اللقاء وأدعو له بدوام النفع به ومحبته.
والحمد لله..

طارق البشري 

Facebook Comments