لاتزال قضية "الفقير" محل اهتمام في مصر بعدما طال 70 % من المصريين الضنك و"شد الحزام" وقتل الأمل فى مستقبل مشرق في ظل استمرار حكم السفاح عبد الفتاح السيسى لمصر لتخرج التقارير تواليا لتكشف كيف دمر الانقلاب الشعب ووضعه تحت أحذية الجوع والفقر والعوز.

تأميم العمل الأهلي
وتشهد مصر حربا ضروسا ضد الجمعيات الخيرية، وهي الحرب التي تسببت فى تشريد مئات الآلاف من الأسر الفقيرة واليتامي والأرامل التي تقوم برعايتها وتحويلهم لمشردين وأطفال شوارع ومتسولين ليمثلوا قنابل مجتمعية موقوتة في بيئة اقتصادية يرتفع فيها بشدة معدلات الفقر والبطالة.
ويؤكد خبراء ومحللون أن تلك الحرب على الجمعيات الخيرية سوف تتسبب في كوارث صحية ومجتمعية لشرائح واسعة من المرضى والأيتام والأرامل والمطلقات، والخطر الأكبر هو انهيار المنظومة الطبية من مستشفيات ومراكز طبية مما يتسبب في تدهور الحالة الصحية للمرضى وللأطفال المبتسرين. ونبهوا إلى أن هذا القرار سيؤثر بشكل كبير جدا على الإقامات الداخلية بالمستشفيات، ففيها مرضى محجوزون تتحمل عنهم المستشفى جميع التكاليف، كما تتحمل مرتبات الأطباء والممرضات والفنيين ومستلزمات العلاج والأشعات والمبيت، بعد التجميد ستضطر الجمعية لإخراج بعض المرضى ولن تستطيع تحمل النفقات مما يهدد بعض المستشفيات والفروع بالتوقف الجزئي أو تراجع الخدمات لعجز الجمعية.

الفقراء يدفعون الثمن
مركز الأبحاث الأمريكى الشهير "كارنيجى" قد ذكر فى تقرير مطول أن المواطن الفقير فى مصر هو "دائما" من يدفع الثمن، أخرها أنه سوف يدفع ثمن لقاحات "كوفيد 19" التي اشترتها الحكومة، بدلا من توزيعها مجانا. وذكر أنه سوف يُباع لقاح "استرازينيكا" الذي يُعطى في جرعتَين بمبلغ يتراوح من 100 إلى 200 جنيه مصري، علما بأن الحكومة دفعت 47 جنيها فقط ثمنًا للجرعة الواحدة. يبلغ مجموع السكان في مصر 103 ملايين نسمة، ولن يُعطى اللقاح مجانا سوى للعاملين في القطاع الطبي، أي 445000 طبيب على الأقل، فضلا عن أعضاء برنامج الدعم الاجتماعي "كرامة وتكافل" الذي تنفّذه الحكومة، أي نحو 15 مليون شخص بحلول أواخر عام 2020.
وذكر التقرير أنه حاليا تصل نسبة الفقر في مصر إلى 29.7 % تقريبا، أي نحو 30.5 مليون نسمة، ولن يتمكّن 15 مليون مصري على الأقل من شراء اللقاح. يُعتبَر الشخص دون خط الفقر عندما لا يتعدّى دخله 735 جنيها في الشهر، ولذلك لن يتمكّن معظم الفقراء المصريين من دفع مئة جنيه ثمنا للقاح. فهم سيُضطرون إلى إنفاق نسبة تتراوح من 13 إلى 27% من دخلهم الشهري من أجل الحصول على جرعتَين، هذا إذا افترضنا أنهم يتجاوزون عتبة الفقر بفارق ضئيل، وهو افتراض متفائل. وأشاروا سوف تتسبب إستراتيجية التلقيح التي تنوي الحكومة تنفيذها، بتمييز طبقي من جهة الوصول إلى اللقاحات، ما سيؤدّي على الأرجح إلى ارتفاع أعداد الوفيات بين الفقراء بسبب "كوفيد 19".

قهر الشعب
شهد عام 2020 المنقضى تراجعا شديدا في الإنفاق الاجتماعي والدعم الحكومي. وفي هذا الإطار، خفّضت حكومة الانقلاب وزن الخبز المدعوم ، علما بأن "رغيف الخبز "هو العنصر الأساسي لنحو 60 مليون مواطن. وفي أغسطس من العام نفسه أعلنت دولة العسكر عن زيادة سعر تذكرة مترو الأنفاق للسنة الثانية على التوالي.
نفس الشهر أصدر المنقلب القانون 170 الذي ينص على خصم نسبة 1% من رواتب جميع الموظفين، و0.5 في المئة من الرواتب التقاعدية الشهرية لمدة عام كامل. بدعوى وهمية أنها سوف تُستخدَم هذه الأموال من أجل التصدّي للتداعيات الاقتصادية الناجمة عن الأوبئة والكوارث الطبيعية، وهو إجراء إضافي يلقي بعبء الجائحة على كاهل الطبقتَين الدنيا والوسطى. وكانت حكومة الانقلاب قد قررت رفع أسعار الكهربا فى يونيو 2020، بنسبة 19%، وهي الزيادة السابعة منذ عام 2014. وقد أسفر ذلك عن ارتفاع مستوى التضخم، مع تداعيات شديدة على الفقراء، فقد بلغ معدل التضخم في مؤشر الأسعار الاستهلاكية 14.1% في المدن في مايو 2019، فيما وصل التضخم في أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى 15.1%.

تهاوي الطبقات

أشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى تسجيل زيادة كبيرة في معدلات الفقر خلال عام 2019 من 27.8 % في عام 2015 إلى 32.5 % في عام 2018. وتحدّث البنك الدولي أيضا عن نمط مماثل، لافتا إلى ارتفاع أعداد الأشخاص الذين يعيشون في الفقر من 22.7 مليون شخص في عام 2012 إلى 32.5 مليون شخص في عام 2017. بتعبير آخر، ازدادت أعداد المصريين الذين هم تحت خط الفقر بواقع 9.8 ملايين نسمة في غضون خمس سنوات.

تستند هذه السياسة إلى مرتكزات عدّة، أوّلها أن الحكومة تعتمد بشدّة على القروض، بدلا من الضرائب، لتمويل عملياتها والمشاريع الضخمة في البنى التحتية. أما الإيرادات الضريبية فتُستخدَم على نحو غير متكافئ في تسديد القروض والفوائد التى استدانتها حكومة الانقلاب، ما يُفضي إلى نقل الثروات من الطبقتَين الدنيا والوسطى إلى الجهات الدائنة للنظام، الخارجية والداخلية على السواء.

ثانيا، تواصل حكومة الانقلاب خفض الدعم والإنفاق الاجتماعي.

ثالثا، يستمر العمل بالضريبة التنازلية التي تلقي بالعبء الضريبي على كاهل الطبقتَين الوسطى والدنيا. وفي الوقت نفسه، تستمر حكومة الانقلاب في العمل على تنفيذ مشاريع تحت لواء الجيش، ما يُشكّل أداة للاستحواذ على الأموال العامة، لا أداةً لتطبيق برامج الإنفاق الاجتماعي والحد من الفقر.

وقد أدّى الارتفاع في معدّلات الفقر إلى زيادة مستويات الحرمان الاجتماعي، والدليل على ذلك التراجع بمعدّل 9.7 % في الاستهلاك العام للسلع والخدمات، مع انخفاض الإنفاق على خدمات مثل التعليم، والرعاية الصحية، والثقافة. والمناطق المدينية هي الأكثر تأثّرا في هذا الصدد، مع تراجع مستوى الاستهلاك بنسبة 13.7 % مقارنةً بـ5.1 % في المناطق الريفية. فقد تراجع مستوى الإنفاق للشخص الواحد في المناطق المدينية بواقع 1400 جنيه مصري، من 10600 إلى 9200 جنيه، فيما تراجع بواقع 500 جنيه فقط في المناطق الريفية، من 7100 إلى 6600 جنيه.

 

Facebook Comments