قالت دراسة إن الطريقة التي يتم بها تجريب قوانين زيادة رسوم أو فرض ضرائب بسلطة الانقلاب كما حدث مع توثيق العقارات وضخامة المبالغ المستحقة، تعني بالدرجة الأولى "اختبارها على الناس أثبتت -على الأقل في حالة قانون مخالفات البناء- أنها تؤدي لاحتجاجات غير متوقعة وتراكم موجات الغضب وبعض التعبيرات العفوية عنها، وهذا التعبير العفوي عن الغضب المكتوم هو آخر ما تحتاجه أو تحبه هذه الحكومة.
وأشارت الدراسة التي جاءت بعنوان "أزمة تسجيل العقارات في مصر: السياسات والسيناريوهات" نشرها «المعهد المصري للدراسات» أن ذلك يتطلب إما قمعا فوريا أو تراجعا فوريا وفي كل مرة ينجم عنه تقوية شعور المواطنين بإمكانية الضغط على هذه الحكومة وكسب بعض التنازلات منها. وإذا كان شعار برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري المفروض من قبل مؤسسات التمويل الدولية ” بالإصلاح الجريء حنقصر الطريق”، فإن هذا الطريق محفوف باللايقين والمخاطر التي تجعل منه أقل جرأة مما توقع ممهدوه والسائرون عليه.

إستراتيجية الفرض
وقالت الدراسة إن الحكومة بين الحين والآخر تطلق "بالونات اختبار للمجتمع بشأن مشكلات عامة تحتاج لسياسات عامة حقيقية وموضوعية مؤجلة منذ عقود من بين هذه المشكلات وأكثرها تعقيدا قوانين مخالفات البناء وقوانين الإيجارات القديمة ومؤخرا قانون الشهر العقاري والتسجيل، هذه القوانين تمس جميع المواطنين بشكل مباشر، إذ تمس في جوهرها الحق في السكن، وتؤثر في أنماط الملكية والقوانين المتعلقة بها، والتي دائما ما كانت مرتبطة بتغييرات بنيوية في الاقتصاد والدولة والعلاقات الاجتماعية.
وأضافت "كما تنبئنا الخبرة القريبة لقانون مخالفات البناء أن الحكومة تحاول التعامل بأسلوب الصدمة مع بعض القضايا لكن هذه الطريقة لم تفلح وانتهت بتراجعات كبيرة من قبل الحكومة وعدم تحقق لا الأهداف الموضوعية للسياسة العامة ولا الأهداف المؤقتة للحكومة بتحقيق إيرادات محددة سلفا، يشبه هذا إلى حد كبير التعامل مع المسألة الضريبية حيث دائما لا تحقق الحكومة المصرية المستهدفات على الرغم من اتباعها قبضة أمنية شديدة في التحصيل واتباعها خططا توعوية وتحفيزية، بل وعادة ما يزيد حجم التهرب الضريبي عن المتحصلات الفعلية، وبرغم أن هذا يشير إلى عدم كفاءة الجهاز البيروقراطي المسئول عن التحصيل أو نظام التحصيل ذاته رغم ما به من تطورات مؤخرا إلا أنه يشير إلى إشكاليات أكبر تتعلق بعدالة تحمل أعباء الضرائب والرسوم في مصر وإلى نموذج مضطرد من عدم عدالة توزيع الأعباء.

ارتباك بسبب الغضب الشعبي
واعتبرت الدراسة أنه بعد الضجة الكبيرة التي أثارها تعديل قانون الشهر العقاري والتوثيق بالمادة 35 مكرر، فإن بعض أعضاء مجلس النواب تقدموا بطلب لتعديل المادة تلاشيا لبعض جوانب الغضب الشعبي الذي تم التعبير عنه على وسائل التواصل الاجتماعي، وصولا لتعبير بعض النواب عن نقد لاذع للقانون ولائحته التنفيذية باعتباره قانون جباية.
واستدركت قائلة أن مجمل التعديلات المقترحة لا تمس جوهر الاعتراضات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي والمتعلقة بارتفاع الرسوم وتعدد الجهات والإجراءات التي يجب المرور بها وصولا لعملية التسجيل وإنما بمد آجال التسجيل والاعتراضات على الشهر من شهر إلى ثلاثة أشهر، أي أننا أصبحنا أمام مشروع لتعديل القانون المعدل قبل تطبيقه بأقل من أسبوعين. ورأت أن الأمر برمته يشير أيضا إلى ارتباك قانوني برغم أن البرلمان الذي أقر القانون والبرلمان الحالي كلاهما تم اختيار أعضائه بعناية شديدة من قبل الأجهزة التي تدير العملية السياسية.

بدائل وسيناريوهات
ولفتت الدراسة إلى أن إجراء التوثيق العقاري يتم في العديد من البلدان بشكل مجاني تماما كما هو الحال في السعودية ويتم برسوم بسيطة مقابل قيام الجهات المختصة بالتوثيق للمتعاملين في مواقعهم عن طريق اعتماد خدمات التوقيعات الخارجية المسبوقة بطلب إلكتروني من أصحاب الشأن كما هو الحال في قطر، ونفس الحال في الإمارات حيث تتم الخدمة إلكترونيا مقابل رسوم لا تتجاوز 300 درهم، وإذا كان معدل الدخول في هذه البلدان أضعاف نظيره في مصر وهو ضمن الأعلى عالميا وتعتمد مثل تلك الرسوم المنخفضة، فإن الرسوم المتداولة في الحالة المصرية عالية جدا وأن التوقيت غير مناسب للفرض الوقتي لهذا القانون.
وقالت الدراسة إنه ينبغي على "الحكومة" أن تدرك أن منطق الترقيعات القانونية العاجلة من دون مناقشة موسعة مع الخبراء والموظفين المعنيين وأخذ رأي المواطنين وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المرصودة في التقارير الرسمية في الحسبان، هذا المنطق لن يقود لتحقيق حصيلة مرجوة ولا استقرار سياسي بل إلى سلسلة قوانين يتبعها تراجعات واستثناءات تفرغها من مضمونها وهذا النهج لا ينتج استقرارا على المدى الطويل.
وتوقعت الدراسة 3 سيناريوهات منها أن تسير حكومة الانقلاب في طريقها دون تعديلات جوهرية، أو أن تنتبه فتجري تعديلات تخفض فيها الرسوم قليلا ، أو أنها تلتزم بما أعلنته في بداية الترويج للمشروع بشكل حرفي بأن لا تزيد تكاليف التسجيل عن 2000 جنيه لكل وحدة.

السيناريو الأول:
أن تسير الحكومة قدما في تنفيذ قانونها الحالي دون تعديلات جوهرية وإنما فقط بتعديلات شكلية في المدد ودون مساس بالضرائب والرسوم المقررة بحيث تبدو الحكومة بمظهر المستجيب لاعتراضات المواطنين على القانون الحالي، هذا السيناريو يعززه حديث التعديلات المحدودة المقدمة من قبل بعض نواب الموالاة للحكومة وبعض برامج التوك شو ، لكن هذا السيناريو حال تطبيقه لن يحقق الحصيلة المرجوة وسيواجه عقبات كبيرة في التنفيذ وسيزيد إرباك السوق العقاري، وسيزيد من تراكم الدعاوى القضائية لدى المحاكم ويعزز قدرة مافيا الأراضي على التحايل.

السيناريو الثاني:
أن تنتبه الحكومة للتقارير الصادرة عن أجهزتها حول الفقر وانخفاض الدخول والوضع الوبائي الحالي وتحاول التوفيق بينها وبين المتحصلات المرجوة، وبالتالي تفطن إلى ضرورة خفض التكاليف والإجراءات المرتبطة بعملية التسجيل، وتحاول اتباع طرق إلكترونية قدر الإمكان والتوصل لتمديد عملية التطبيق لأكثر من عام وتقسيم الجمهورية على مراحل وفقا لفئات الدخل والمحافظات ربما على غرار قانون التأمين الصحي الشامل وإن كان من المتوقع أن تكون الفترة المطلوبة للانتهاء من التطبيق أقل بكثير من قانون التأمين الصحي، يعزز هذا السيناريو جزئيا المناقشات التي ما تزال جارية حول بعض البنود الجوهرية في قانون الشهر العقاري ومنها النقاش حول إلغاء رسوم تصديق نقابة المحامين بنسبة 1% مع احتمالية تقسيط ضريبة التصرفات العقارية على عام ونصف وتأجيل التطبيق حتى نهاية 2021م.

السيناريو الثالث:
وهو الأكثر عقلانية أن تلتزم الحكومة بما أعلنته في بداية الترويج للمشروع بشكل حرفي بأن لا تزيد تكاليف التسجيل عن 2000 جنيه لكل وحدة، على أن يتم إلغاء الرسوم غير المنطقية كرسم 1% المخصص لنقابة المحامين ورسوم الشهر لأحكام التسجيل وهو الإجراء الذي يمكنها تخفيضه للحد الأدني وتجميع الأحكام ونشرها في عدد إلكتروني من الجريدة الرسمية أو ملحق إلكتروني لإحدى الجرائد واسعة الإنتشار، وأن تقوم بتحصيل ضريبة التصرفات العقارية 2.5% بنفسها بعيدا عن المتقدمين بطلب التسجيل حتى لا تتسبب بأزمة ازدحام شديدة على المحاكم لرفع ملايين الدعاوى بين المشترين والبائعين لتحصيلها ومع مراعاة الظروف الاقتصادية للمطالبين بسداد تلك الرسوم والضرائب وتوزيعها على مدى زمني معقول، وهو ما سيحقق لها حصيلة مبدئية جيدة من رسوم التحصيل ومن تحريك الدورة المستندية دون ضغوط وأعباء جديدة كبيرة على المواطنين، ويحقق إنفاذا للقانون مع مراعاة ظروف المخاطبين به.
https://eipss-eg.org/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%aa%d8%b3%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%86%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d9%88%d9%87%d8%a7%d8%aa/

Facebook Comments