خصص وزير المالية بحكومة الانقلاب محمد معيط مليار جنيه من أموال الخزينة العامة للدولة لما تسمى بالأكاديمية الوطنية للتدريب التي أسسها الديكتاتور عبدالفتاح السيسي سنة 2018م من أجل أن تكون بوابة المرور لكل من يتبوأ منصبا حساسا بالجهاز الإداري للدولة.
ويأتي قرار معيط بعد حملة شنها شباب ما تعرف بـ"تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين" ضد وزير المالية بحكومة الانقلاب خلال الأيام الماضية عبر صفحاتهم الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي؛ بدعوى تأخر الوزارة في صرف المستحقات المالية الخاصة بالأكاديمية التي تتبع مباشرة للسيسي، وتستهدف تفريخ جيل جديد من عبيد النظام وخدامه لتولي المناصب الحساسة بالجهاز الإداري للدولة والأجهزة السيادية والرقابية.
وتلقف وزير المالية الرسالة على الفور واعتبر هجوم شباب التنسيقية تهديدا لمنصبه؛ ذلك أن هؤلاء الشباب تابعون بشكل مباشر للضابط أحمد شعبان ذراع اللواء عباس كامل رئيس جهاز المخابرات العامة التي على الأكاديمية، كما أن هذه الحملة ضد الوزير ما كان لها أن تتم إلا بتحريض من جهاز المخابرات العامة.

دعم الأكاديمية

وأصدر معيط الثلاثاء 9 مارس 2021م بيانا، شدد فيه على حرص الحكومة على توجيه كل سُبل الدعم الممكنة للأكاديمية، بوصفها إحدى دعائم تنفيذ الإستراتيجية الرئاسية لبناء الإنسان المصري، واستهدافها خلق قاعدة شبابية واعدة ومؤهلة، لحمل لواء القيادة في مختلف النواحي السياسية والإدارية والمجتمعية. وقال معيط في البيان: "على الرغم من التداعيات السلبية المصاحبة لأزمة تفشي فيروس كورونا على الإيرادات العامة للدولة المصرية، فقد صرفت وزارة المالية مبلغ 606.4 ملايين جنيه كمساهمات داعمة للأكاديمية الوطنية للتدريب من الخزانة العامة للدولة، وذلك منذ إنشائها كهيئة عامة اقتصادية في العام المالي 2018-2019، وحتى العام المالي الجاري 2020-2021".
وبحسب البيان فقد خصصت الوزارة مبلغ 236.5 مليون جنيه للأكاديمية في سنة 2018/2019، وخصصت 370 مليونا بين يوليو 2020 وفبراير 2021م. ويجري حاليا تخصيص 300 مليونا أخرى لتصرف لحساب الأكاديمية خلال الشهور الثلاث المقبلة. وبذلك تقترب الأموال المخصصة للأكاديمية نحو مليار جنيه خلال ثلاث سنوات فقط رغم التدهور الاقتصادي الحاد واعتماد النظام بشكل أساسي على الاقتراض محليا وخارجيا.
ويتمسك النظام العسكري في مصر بضرورة استخدام الأكاديمية الوطنية للتدريب كأداة ترشيح أخيرة ونهائية لاختيار القضاة، شأنهم في ذلك شأن المتقدمين للعمل الدبلوماسي والوظائف الحكومية الأخرى. ونبه السيسي مراراً على جميع الهيئات القضائية بضرورة استيفاء عملية الالتحاق بالأكاديمية "كشرط أساسي لإصدار القرارات الجمهورية المتعلقة بتعيين القضاة ووكلاء النيابة الجدد".
وأنشئت الأكاديمية الوطنية للتدريب بقرار جمهوري رقم 434 لسنة 2017م، وتتبع رئاسة الانقلاب مباشرة ولها مجلس أمناء برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية ممثلين عن رئاسة الجمهورية- وزارة التعليم العالي والبحث العلمى- وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري- وزارة المالية- المجلس الأعلى للجامعات، وعدد من الشخصيات ذوى الخبرة. ويقع مقر الأكاديمية بمدينة السادس من أكتوبر وتتكون من 6 مبان على مساحة 10 آلاف متر مربع. كذلك تم تصميم نظام التعليم بالأكاديمية على غرار المدرسة الوطنية للإدارة الفرنسية وبالتعاون مع عدد من الهيئات والمعاهد والمؤسسات العلمية الدولية.
بإشراف أحمد شعبان

وفتحت الأكاديمية أبوابها سنة 2018م، تحت إشراف مباشر من العقيد أحمد شعبان، مدير مكتب رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء عباس كامل، المسؤول كذلك عن تنظيم مؤتمرات الشباب والبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، والأكاديمية الوطنية للتدريب، والبرنامج الوطني للتأهيل، والهادفة جميعها إلى "ضخ الشباب المحسوبين على النظام العسكري في كافة مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية".
وبحسب خبراء ومراقبين فإن هيكل "تنسيقية شباب الأحزاب" يتعارض مع فكرة إنشائها، مع ممارسة السياسة بمعناها الحقيقي، والتواصل مع الجماهير، فهي كيان مركزي تابع لمكتب مدير المخابرات العامة، من دون هيكل إداري أو تنفيذي واضح. ونظراً لعدم وجود أنشطة حقيقية لها، فلا تبرز كثيراً أخبار تسلل أعضائها للمشاركة في السيطرة على عدد من مفاصل الدولة، على الرغم من افتقارهم للخبرة المطلوبة لشغل هذه المناصب.
وكانت تقارير قد تحدثت عن تعيين نحو 140 من خريجي البرنامج الرئاسي وأكاديمية التدريب في وظائف إدارية وفنية عالية المستوى في وزارات الصحة والتعليم والبترول والاتصالات، وشركات بترول مختلفة مملوكة للدولة، وفي الجهاز المركزي للتعبئة العامة، والإحصاء والجهاز المركزي للمحاسبات، وهيئة الرقابة الإدارية، والهيئة العامة للاستعلامات التابعة لمؤسسة الرئاسة.

وفي أعقاب الإعلان عن تخصيص المبالغ المطلوبة للأكاديمية تقدمت إدارتها بالشكر للحكومة ووزارة المالية، وثمنت الأكاديمية قيام وزارة المالية بتدبير مساهمات مالية إضافية قدرها ٣٠٠ مليون جنيه خلال الثلاثة أشهر المقبلة، وصرف ٦٠٦,٤ مليون جنيه مساهمات داعمة من الخزانة العامة للدولة، للأكاديمية الوطنية للتدريب، منذ إنشائها كهيئة عامة اقتصادية فى أغسطس ٢٠١٧، خلال العام المالى ٢٠٢٠/٢٠١٩، وحتى العام المالى الحالى ٢٠٢٠/ ٢٠٢١.

تلاعب بالهوية

تعتبر الأكاديمية وشباب البرنامج الرئاسي ومؤتمرات الشباب التي تنظمها أجهزة السيسي بوابة للتلاعب بالهوية الوطنية والإسلامية للشباب المصري؛ حيث يجري في هدوء أوسع انقلاب على تلك الهوية المصبوغة بالعروبة والإسلام؛ من أجل تشكيل أجيال جديدة لا تستمد قيمها من الإسلام ولا تجري في دمائها أصول العروبة وشموخها، مع الإخلال بهذه التركيبة من أجل دمج الكيان الصهيوني لتتحول العلاقة مع الاحتلال من عدو إلى صديق في إطار تشكيل ما يسمى بالشرق الاوسط الكبير؛ وذلك بعد أن تمكن جنرالات العسكر من تغيير العقيدة القتالية للجيش ليكون العدو هو من يرفض دمج “إسرائيل” في التركيبة الإقليمية برعاية أمريكية خالصة.
وكان «مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» قد أصدر في 28 يناير 2019م، دراسة أعدها الباحثان عوفر فنتور وأساف شيلوح، بعنوان «هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد»، تناولت فيها مظاهر ومآلات الحملة الواسعة التي يشنها نظام زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي من أجل إعادة صياغة الهوية الوطنية لمصر؛ من خلال السعي أولا لتقليص مركّبها الإسلامي والعربي، وثانيا احتواء سماتها الثورية، وثالثا العمل على بناء جيل مصري جديد يكون أكثر استعداداً للاصطفاف حول الأجندة التي يفرضها النظام، إلى جانب أنها ترمي رابعا إلى تحسين صورة النظام في الخارج. وتلفت الدراسة إلى حقيقة أن النظم الشمولية هي التي عادة ما تنشغل في شنّ حملات، تهدف إلى التأثير على مركّبات الهوية الوطنية أو تسعى إلى بناء توازنات جديدة فيها؛ من أجل إيجاد متطلبات تضمن بقاء نظامه وضمان استمراره واستقراره، من خلال إثارة جدل الهوية أملا في أن يسهم ذلك في صياغة بيئة داخلية وبناء نخبة شبابية، تكون أكثر استعداداً لاستخدام كل الأدوات والوسائل التي تخدم النظام وتعمل على تحقيق أهدافه.
وفي يوليو 2018 كلف زعيم الانقلاب القوات المسلحة بتنبي ما أسماه بمشروع “الهوية المصرية”؛ وذلك لأن عقيدة الجيش المصري تغيرت بالفعل وفقا لتصورات السيسي وأركان نظامه، فأمسى الإسلاميون والثوار هم “الآخر العدو” وباتت “إسرائيل” هي الصديق الذي يتعين دمجه والتقرب منه والعمل على ضمان أمنه واستقراره بتوثيق العلاقات والتحالفات العسكرية والاقتصادية والسياسية!

Facebook Comments