أبدى نظام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي صورة بالغة السوء في أزمة تفشي جائحة كورونا؛ حيث مارس النظام جميع أشكال الابتزاز والاستغلال وترك ملايين الفقراء نهبا للمرض والعدوى دون أي تدخل في ظل انهيار المنظومة الصحية وسقوط عشرات الملايين تحت خط الفقر. وحتى مع الأنباء التي تتوارد عن توافر لقاح كورونا فإن النظام اعتبر ذلك فرصة للابتزاز ونهب أموال المواطنين؛ فلم يوفر اللقاح مجانا كما تفعل كل الحكومات الرشيدة بل راح يحدد أسعار الجرعات مع استثناء فئة قليلة هم الطواقم الطبية والمشمولين في برنامج "تكافل وكرامة".
ويوم 10 مارس 2021م، طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" حكومة الانقلاب في مصر بتوفير فرص متكافئة للحصول على لقاحات "كوفيد-19" لكل المواطنين، مضيفة أنه ينبغي على حكومة عبدالفتاح السيسي أن تخصص اللقاحات بشفافية، استناداً إلى معايير طبية سليمة، بما في ذلك توجيهات منظمة الصحة العالمية.
وقالت المنظمة في تقرير لها إنه بحلول أوائل مارس 2021، كانت حكومة السيسي قد وفرت اللقاحات لبعض العاملين الصحيين فقط، فضلاً عن أعداد محدودة من كبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، ولم تقدم خطة واضحة لطرحها، كما كانت البيانات الرسمية، التي معظمها لفظية، متناقضة وتشير إلى أن الحكومة تخطط لفرض رسوم للحصول على اللقاح أو مطالبة الملايين من ذوي الدخل المنخفض بتقديم طلب للحصول على إعفاء من الرسوم، مما يزيد من تفاقم عدم المساواة في الحصول على اللقاح.

رسوم على الفقراء
وقال عمرو مجدي، باحث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "إن فرض رسوم على المصريين الفقراء للحصول على لقاح حاسم يتعارض مع الحق الإنساني الأساسي في الصحة ويعكس أولويات الحكومة المشوهة، مضيفا أنه "ومن أجل مكافحة هذا الوباء بفعالية، ينبغي على مصر أن توسع نطاق إمكانية الحصول على اللقاحات من خلال جعلها في متناول الجميع، بما في ذلك إتاحتها بحرية عند الحاجة".
وأضاف مجدي أن "افتقار الحكومة المصرية إلى الشفافية في التعامل مع هذه الحالة الصحية العامة الطارئة التي تهدد الحياة أمر غير مقبول". كما أنه تذكير بأن الصحة والحقوق الاجتماعية والاقتصادية الأخرى تعززت بشكل كبير من خلال حرية التعبير والمجتمع المدني النابض بالحياة."
وشددت هيومن رايتس ووتش على ضرورة نشر حكومة الانقلاب عقود اللقاحات الخاصة بها، مضيفة أن الشفافية بشأن الشروط والأحكام أمر بالغ الأهمية بالنسبة للمساءلة للشركات والحكومة، كما تتحمل شركات الأدوية مسؤوليات في مجال حقوق الإنسان تتماشى مع مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان والمبادئ التوجيهية لحقوق الإنسان للشركات الصيدلانية فيما يتعلق بالحصول على الأدوية، ويجب على الشركات تجنب الاستخدام المفرط "للسرية التجارية" ويجب ألا تمنع الحكومة من الكشف عن أسعار مشتريات اللقاحات.

الانقلاب يخالف القانون الدولى
وأضافت هيومن رايتس ووتش أن القانون الدولي يؤكد أن لكل شخص الحق في "أعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية"، ومن واجب البلدان "أن تتيح للجميع، دون تمييز، ولا سيما للفئات الأكثر ضعفاً، كل ما هو متاح من تطبيقات التقدم العلمي اللازمة للتمتع بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه"، مضيفة أن حكومة الانقلاب بحاجة إلى تخصيص ميزانية ذات مغزى لشراء وتوزيع لقاحات كافية للوفاء بهذا الالتزام.
وأشارت المنظمة إلى أن دستور 2014 يتطلب من حكومة السيسي تخصيص ما لا يقل عن 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصحة، لكن في 2019-2020 لم تخصص سوى 1.19 في المائة، وفي أعقاب الوباء خصصت 1.37 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي للفترة 2020-2021، وفقا لدراسة أجرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
وكان خالد علي، وهو محام بارز في مجال حقوق الإنسان، قد رفع دعوى قضائية في أواخر يناير يطلب فيها من محكمة إدارية أن تأمر الحكومة بتوفير اللقاحات لجميع المصريين مجاناً، وفي 13 فبراير، أجلت المحكمة الجلسة في القضية إلى 27 مارس.
وقالت وزيرة الصحة في حكومة الانقلاب هالة زايد في مؤتمر صحفي في 24 يناير 2020م إن الفرق الطبية ستحصل على اللقاح مجاناً، إلى جانب أشخاص مدعومين من برنامج "تكافل وكرامة"، وهو برنامج حكومي للتحويلات النقدية تم إطلاقه في عام 2015 في إطار ما تسمى بالإصلاحات الاقتصادية الهيكلية المرتبطة باتفاقيات القروض الخاصة بصندوق النقد الدولي، والتي تشمل أقل من نصف أفقر المصريين، ويبدو أن الجميع سيُطلب منه الدفع.
وفي أواخر عام 2020، كان البرنامج يدعم 3.6 مليون أسرة، تضم 14 مليون شخص، وكانت نسبة المصريين الذين يعيشون رسمياً تحت خط الفقر القومي، التي تبلغ حالياً 857 جنيهاً شهرياً (54.6 دولار أمريكي)، 29.7 في المائة من بين سكان 100 مليون نسمة في 2019-2020، قبل ظهور الوباء.
وأضافت زايد في مقابلة تلفزيونية في 24 يناير إن الدفعة المطلوبة باللقاحات ستصل إلى 100 جنيه (6.38 دولار) للجرعة الواحدة، وأن الأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف اللقاح ولكنهم غير مسجلين بموجب "تكافل وكرامة" يمكنهم طلب إعفاءات، ولم توضح وزارتها بعد كيف وأين ومتى يمكن للناس أن يطلبوا هذه الإعفاءات. وفي مؤتمرها الصحفي، رفضت زايد الإجابة على سؤال صحفي حول عدد الأشخاص الذين هم من بين المهنيين الطبيين والفئات الحرجة الأخرى التي سيتم منحها الأولوية للتطعيم، ويبدو أنها استبعدت العاملين الصحيين غير الأطباء والممرضين، كما لا يبدو أن خطط حكومة السيسي تعطي الأولوية للتطعيم للعمال في الوظائف عالية المخاطر مثل المتاجر الكبرى ودور الرعاية العليا والتعليم.
وفي يناير، أنشأت حكومة الانقلاب موقعاً على شبكة الإنترنت بدأ في 1 مارس بقبول التسجيلات الخاصة باللقاح، ولكن فقط من المهنيين الطبيين والمسنين والأشخاص الذين يعانون من ظروف صحية تمس المناعة، وفي 4 مارس، عرضت وزارة الصحة بحكومة الانقلاب اللقاح للمرة الأولى على أشخاص مسجلين ليسوا من المهنيين الطبيين.

أزمة السيولة المفتعلة
وكان وزير المالية في حكومة الانقلاب محمد معيط قد زعم في 14 يناير أنه "لا توجد أزمة" في تخصيص الأموال للقاحات، لكن الحكومة بحاجة إلى 20 مليار جنيه (1.27 مليار دولار) لتوفير اللقاحات لـ 100 مليون مصري، وفي وقت تصريحه، لم تخصص حكومة السيسي سوى مليار جنيه مصري (63750 دولاراً). وترى وسائل الإعلام الموالية لحكومة السيسي أن تصريحاته تعني ضمناً أن اللقاح لن يكون مجانياً للجميع.
وكانت التصريحات الرسمية غامضة حول عدد الجرعات التي تلقتها حكومة السيسي، وحتى أوائل مارس، كانت سلطات الانقلاب قد تلقت على ما يبدو 400,000 جرعة لقاح، منها 350,000 جرعة من لقاح سينوفارم الصيني التي تلقتها كهدايا من الإمارات والصين، كما تلقت 50 ألف جرعة من لقاح استرازينيكا البريطاني في 31 يناير في إطار صفقة لتسليم 20 مليون جرعة.
وقالت زايد إن حكومة الانقلاب سوف تتلقى أيضاً 40 مليون جرعة من اللقاحات عبر "كوفاكس"، وهي منشأة عالمية للمشتريات من نوع "كوفيد-19"، ويشير بيانها على ما يبدو إلى الهدف الأوسع نطاقاً من "كوفاكس"، وهو أن يحصل كل بلد مشارك على جرعات كافية لـ 20 في المائة من سكانه "على المدى الطويل"، وتوقعت منشأة "كوفاكس" في أوائل فبراير أن تزود مصر بـ 5.1 مليون جرعة في عام 2021، لكن تقديرات أوائل مارس خفضت العدد المتوقع إلى 4.4 مليون جرعة.

إجبار الأثرياء على التبرع
وتقول تقارير إعلامية إن حكومة الانقلاب تطلب من شركات القطاع الخاص وأصحاب الأعمال الأثرياء التبرع بأموال لتغطية تكاليف اللقاح من خلال صندوق" تحيا مصر" غير الشفاف الذي يسيطر عليه عبد الفتاح السيسي مباشرة خارج ميزانية الدولة، وقالت وزيرة صحة الانقلاب إن هذا هو مصدر تمويل التطعيمات، وهو ما يتناقض مع تصريح وزير مالية السيسي بأن التمويل سيأتي من ميزانية الحكومة.
وعادة لا تقدم سلطات الانقلاب معلومات عن التبرعات إلى الصندوق، رغم أن السيسي طلب بشكل مباشر في مناسبات عديدة تبرعات من أصحاب الأعمال، استهدفت الحكومة الصحفيين وجماعات حقوق الإنسان بعد التغطية الانتقادية للتعامل مع أزمة كوففيد-19 وقضايا أخرى، هذه العوامل وعدم وجود خطة واضحة لنشر اللقاح تجعل من الصعب تقييم جهود حكومة السيسي لتوفير اللقاح.
ووقعت حكومة الانقلاب اتفاقيات قروض بقيمة 8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي لدعم معالجة العواقب الصحية والاقتصادية لجائحة "كوفيد-19"، بالإضافة إلى العديد من المشاريع الصحية للبنك الدولي بقيمة مئات الملايين من الدولارات، ويبدو أن العديد من الشروط الواردة في هذه الاتفاقات لم تستوف، بما في ذلك الشفافية بشأن العقود.

Facebook Comments