يرى الخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام أن ترويج الإعلام السيساوي للقرار الخاص بزيادة الرواتب الذي جرى الإعلان عنه في 15 مارس 2021م على أنه إنجاز تاريخي غير مسبوق أمر لا ينطلي على المصريين؛ ذلك أنه يعقب تلك الزيادة مباشرة وقد يسبقها ارتفاع في أسعار السلع والخدمات العامة بما يفضي إلى التهام ما طرأ من تحسين وقتي على الرواتب.
معنى ذلك أن ما تمنحه حكومة الانقلاب باليمين تأخذه من المواطن باليسار وبسرعة، وما تضخّه حكومة الانقلاب في جيوب موظفيها العموميين من زيادة رواتب وأجور وربما حوافز وعلاوات، تسترده من كل المواطنين، وليس من الموظف الحكومي فقط، في صورة زيادات متواصلة في أسعار السلع والرسوم والضرائب وغلاء المعيشة. وما كانت تفعله حكومات مبارك المتعاقبة على حكم مصر طوال 30 سنة من استرداد زيادات الرواتب بشكل غير مباشر يحدث الآن وبشكل أكثر وحشية.
ويتجه نظام السيسي نحو زيادة أسعار جميع الخدمات (الوقود ــ الكهرباء ـ المياه ــ تذاكر القطارات والمترو.. إلخ) بما يفضي إلى زيادة أسعار جميع السلع الأساسية؛ حيث كشف مصدر مطلع في لجنة الخطة والموازنة بمجلس نواب العسكر، أنّ مشروع الموازنة الجديدة للدولة يتضمن زيادة في أسعار الكهرباء، بنسبة تتراوح بين 8.4% و26.3%، اعتباراً من فاتورة أول يوليو المقبل 2021م. وذلك للمرة الثامنة على التوالي منذ رفع أسعار الكهرباء للمرة الأولى، تزامناً مع اغتصاب السيسي للسلطة عبر انقلاب عسكري منتصف 2013م.
الزيادة الجديدة وفقا لتقرير نشرته صحيفة "العربي الجديد" ، ستطاول الشرائح الخمس الأولى من الاستهلاك المنزلي، مبيناً أن سعر الكيلووات لشريحة الاستهلاك الأولى (من صفر إلى 50 كيلوواط في الشهر) سيرتفع من 38 قرشاً (الجنيه 100 قرش) إلى 48 قرشاً، بنسبة زيادة 26.3%، ومن 48 قرشاً إلى 58 قرشاً، بنسبة 20.8% في الشريحة الثانية (من 51 إلى 100 كيلوواط). و سعر الكيلوواط لشريحة الاستهلاك الثالثة (من صفر إلى 200 كيلوواط) سيرتفع من 65 قرشاً إلى 77 قرشاً، بنسبة زيادة 18.4%، علماً أن هذه الشريحة تمس قطاعاً عريضاً من المواطنين، بوصفها الأكثر استهلاكاً، ومن 96 قرشاً إلى 106 قروش، بنسبة 10.4% في الشريحة الرابعة (من 201 إلى 350 كيلوواط). كما أنّ سعر الكيلوواط لشريحة الاستهلاك الخامسة (من 351 إلى 650 كيلوواط) سيرتفع من 118 قرشاً إلى 128 قرشاً، بنسبة زيادة 8.4%، مع الإبقاء على سعر الشريحة السادسة (من 651 إلى 1000 كيلوواط) بواقع 140 قرشاً، والشريحة السابعة (أكثر من 1000 كيلوواط في الشهر)، المحدد سلفاً بـ 145 قرشاً (0.094 دولار).
مصدر برلمان الانقلاب كشف أيضا أنّ وزارة البترول تتجه لزيادة سعر البنزين في السوق المحلية خلال الربع الأخير من العام المالي الجاري (من إبريل حتى نهاية يونيو2021)، ارتباطاً بالارتفاع الأخير في أسعار الوقود العالمية، وذلك بقيمة 25 قرشاً لليتر، ليرتفع سعر بنزين (80 أوكتان) من 6.25 جنيهات إلى 6.50 جنيهات لليتر، وبنزين (92 أوكتان) من 7.50 جنيهات إلى 7.75 جنيهات لليتر، وبنزين (95 أوكتان) من 8.50 جنيهات إلى 8.75 جنيهات لليتر.
وأكد المصدر أنّ الزيادات المرتقبة في أسعار البنزين والكهرباء، من شأنها رفع أسعار كافة السلع الأساسية والخدمات العامة، وبالتالي التهام الزيادات المقررة في رواتب العاملين في الجهاز الإداري للدولة (قرابة 5 ملايين موظف) مع بداية العام المالي الجديد، والتي ستتراوح بين 400 جنيه و1400 جنيه شهرياً، بحسب الدرجة الوظيفية، وزيادة المعاشات بنسبة 13% لنحو 10 ملايين و500 ألف مواطن.
من جانب آخر فإن النمو في مخصصات الأجور إجمالا في موازنة العام المالي الجديد (2021 ــ2022) 11% تقريبًا قياسًا للعام الحالي (2020ـــ2021)، وهو مستوى يقل قليلًا عن مستوى نمو الأجور في العام الحالي قياسًا للعام الماضي. معنى ذلك أن هذه الزيادات هي زيادة اعتيادية بالأساس يتم إدراجها بالموازنة بشكل تلقائي؛ وما جرى من زفة إعلامية وتضخيم إعلامي إنما يستهدف تلميع صورة السيسي المشوهة وترميم شعبيته المتآكلة. من جانب آخر فإن الزيادات الإجمالية للقرارات الجديدة، ليست زيادات كبيرة كما يعتقد البعض، بل هي مجرد إقرار للزيادات السنوية المقررة في قانون الخدمة المدنية. كما أن نظام السيسي كان قد أقر العمل بقانون اقتطاع 01% من مرتبات وأجور العاملين بالجهاز الإداري للدولة والقطاع الخاص و0.05% من أصحاب المعاشات لمدة سنة وهو القانون الذي تتجه الحكومة لمده لسنة إضافية تبدأ من يوليو المقبل 2021م بدعوى المساهمة في مكافحة وباء كورونا وهو ما يوفر للنظام ما بين 15 إلى 20 مليار جنيه سنويا.

من جانب ثالث، لا يشمل القانون المنتظر صدوره برفع الحد الأدنى للأجور -طبقًا لتوجيه السيسي- العاملين في القطاع الخاص، بالرغم من أن متوسط الأجر الأسبوعي في القطاع الخاص يقل عن مثيله في قطاع الأعمال العام والقطاع العام بنسبة تتخطى 45%، طبقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وقد أكد وزير المالية بحكومة الانقلاب محمد معيط، على ذلك موضحا أن هذه الزيادة تقتصر فقط على الموظفين بالجهاز الإداري للدولة (5 ملايين موظف)وأصحاب المعاشات فقط؛ وهو ما يعزز انعدام المساواة بين موظفي الحكومة من ناحية وموظفي القطاع الخاص وأصحاب المهن الحرة والدخول غير الثابتة من ناحية أخرى، الذين يمثلون أغلبية الأيدي العاملة في مصر. وفي نهاية مارس 2020، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري بيانات التعداد الاقتصادي المصري لعام 2018، (تتم كل خمس سنوات)، كشف أن عدد المشتغلين في مصر بلغ نحو 26.021 مليون شخص، وهو ما يعني أن أكثر من 21 مليون عامل في مصر لن يشملهم قرار زيادة الحد الأدنى للأجور، إلى جانب نحو 5 ملايين يعملون في الشوارع مثل الباعة الجائلين والسائقين وغيرهم. من جانب آخر فقد حددت المادة (46) من قانون الخدمة المدنية ساعات العمل الأسبوعية بين 35 ساعة كحد أدنى و42 ساعة كحد أقصى، أي أن الحد الأقصى لعدد ساعات العمل يبلغ نحو 168 شهريا (وهو ما يعني أن الحد الأدنى لساعة العمل في مصر يعادل 91 سنتا "أقل من دولار"، مقابل 25 دولارا في جنيف، وهي الأعلى على مستوى العالم، و15 دولارا في أمريكا). وعادة ما تبرر حكومة الانقلاب قرارات زيادة أسعار السلع بأنها أرخص من أوروبا وأمريكا.
في ذات الوقت، فإنّ لجنة الخطة والموازنة في برلمان العسكر برئاسة النائب المعين فخري الفقي، أدرجت مشروع قانون مقدم من الحكومة بشأن تنظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والخدمات والمرافق العامة، مثل النقل، والكهرباء، والاتصالات، ومياه الشرب، والصرف الصحي، والصحة، والتعليم.
ويمهد المشروع لخصخصة هذه الخدمات الأساسية والحساسة؛ بما يؤدي حتما إلى رفع أسعارها بصورة تدريجية، عن طريق توسيع مشاركة القطاع الخاص في مشروعات المرافق والخدمات العامة في الدولة، لا سيما في أعمال التصميم والتمويل والإنشاء والتشغيل والاستغلال والصيانة، مع إمكانية تعاقد الحكومة مع القطاع الخاص على بعض هذه المشروعات أو جميعها.

Facebook Comments