لم نسمع يوما عن تحالف أو وحدة عربية من أجل اختراع ما أو لإنتاج سلاح عربي أو اكتفاء ذاتي عربي، بسبب خلافات القادة المستبدين العرب علي حساب شعوبهم، ولكن حين يتهدد كراسي حكم هؤلاء المستبدين فهم يتحالفون ويسعون لتشكيل مؤسسات ومنظمات عربية أمنية واستخبارية للحفاظ علي كراسيهم.

من هذا المنطق سعي المنقلب عبد الفتاح  السيسي ومدير مخابراته عباس كامل إلى تأسيس ما سمي "المنتدى العربي الاستخباري"، لتوحيد أنظمة الثورة المضادة ضد الربيع العربي والتصدي لاحتمالات اندلاع موجات جديدة من الثورة الشعبية في مصر ودول عربية أخري خاصة أن كل التقديرات تشير لأنها ستكون موجات ثورية غاضبة وثورات جياع.

المنتدى الذي دعا له السيسي وأصر علي أن يكون مقره بالقاهرة وانعقد بالقاهرة أول فبراير 2021، استهدف توحيد جهود المخابرات العربية لمنع أي ثورات قادمة تهدد كراسي حكم هؤلاء الديكتاتوريين العرب.

وكانت كلمة عبد الفتاح السيسي في إفتتاح المنتدى، ورقة العمل التي يمكن من خلالها فهم أهداف المنتدى وأسباب تجمع رؤساء المخابرات العربية في هذا التوقيت بعد مرور عشر سنوات على الربيع العربي خصوصا أنه واكبته حملة من إعلام السيسي الذي يدار بجهاز سامسونج للهجوم علي تركيا وقطر.

وفي وقت تتنبأ فيه كافة التقارير الدولية بموجة ثورات عربية أشد عنفا تطيح بهؤلاء القادة المستبدين ما يبين خطورة المرحلة المقبلة ونية السيسي وبقية أنظمة الثورة المضادة اتباع نفس طريقة الديكتاتور بشار الأسد في التعامل مع ثورة الربيع العربي وقتل شعبه وتفجيره بالبراميل المشتعلة.

وكان الرعب من ثورة مقبلة واضحا في كلمة السيسي؛ لهذا حذر من تفرق الأنظمة وعدم تعاونها لمواجهة ما أسماه الإرهاب والفوضي الذي يقصد به معارضيه وثورة يناير، كما كان مرعوبا وقلقا من دعم دول مثل تركيا وقطر لفكرة الربيع العربي لهذا دعا للتصدي لهما.

قائد الانقلاب تحدث عن "العمل على استعادة الاستقرار في كافة دول المنطقة، لاسيما التي تشهد حالة من السيولة وتعصف بها الأزمات، وتسعى التنظيمات الإرهابية للاستقرار والتمدد فيها، مدعومة بقوى خارجية إقليمية ودولية تستهدف صناعة الفوضى"، في إشارة ربما لتركيا أو دول غربية.

ودعا إلي "العمل على وضع منظومة متكاملة ومحكمة لمكافحة الإرهاب تعتمد على تقاسم الأدوار وتبادل الخبرات والمعلومات الاستخبارية" (لا تبادل خبرات التعليم ولا البحث العلمي مثلا).

ثورة يناير "فوضى"!

كان من الواضح في كلمة السيسي وإعلام السلطة أن هناك ربط بين كلمة "إرهاب" وبين معارضي السلطة وبين كلمة "فوضي"ثورة يناير بها حتي أن مساعد وزير الداخلية بحكومة الانقلاب قال في كلمته، خلال استقبال السيسي في عيد الشرطة إن "ثورة يناير هي أكثر فوضي شهدتها مصر" في الوقت الذي كان رئيسه يحاول أن يلمع نفسه ويقول إن شباب يناير كانوا أطهارا لمحاولة إسباغ شرعية على انقلابه الذي قام على انقاض ثورة يناير ولولاها ما حلم بالجلوس على مقعد الحكم.

كان السيسي لا يكف في خطابه أيضا عن الحديث عن ضرورة استعادة الأوضاع السابقة في دول قامت بها ثورات الربيع العربي مثل سوريا وليبيا وتونس والجزائر، وكأنه يدعو لمواجهة مطالب الشعوب بالقوة في ظل شرائه عشرات الصفقات العسكرية التي تتضمن أسلحة وأدوات قمع موجهه للشعوب في الداخل لا إلى عدو خارجي بعدما تصالح مع الصهاينة وبات عميلا ينفذ مصالحهم بدقة يحسد عليها.

وبالتزامن مع حديث السيسي وانعقاد المنتدى خرج إعلاميو السلطة ولواءات الجيش والشرطة للإشادة بالمنتدى وترديد نفس الكلام المكتوب لهم من الشئون المعنوية عن أهمية تكاتف أجهزة المخابرات العربية ضد الفوضى، المقصود بها أي ثورات او انتفاضات شعبية مقبلة.

ونشرت وسائل الإعلام الموالية للانقلاب العديد من اللقاءات مع صحفيين ولواءت غرضها الهجوم علي الربيع العربي ووصفه بالفوضي وأنها "مخطط لإيقاع الدولة المصرية".

وادعوا أن الرسالة الأولى للمنتدى هي إفشال مخططات صناعة الفوضى وضمان الأمن والاستقرار للدول العربية، والتحالف العربي ضد مخططات تركيا أو قطر (التي لم تحضر المنتدى) لدعم الثوار العرب ورغبات الشعوب الحقيقية.

وأجرت قناة صدي البلد حوارا مع اللواء سمير فرج، مدير الشئون المعنوية الأسبق والخبير العسكري، تحدث فيه عن أهمية المنتدى العربي الاستخباري ولكنه قال فيه إن "إيران وقطر وتركيا بمثابة مثلث الشر في المنطقة العربية"!!

لماذا الهجوم علي الاخوان؟

وتضمنت اللقاءات التلفزيونية على هامش المنتدى المخابراتي هجوما علي جماعة الإخوان المسلمين برغم أن المنتدي يفترض أنه يتحدث عن الإرهاب والإرهابيين ما يؤكد أن الهدف هو التحالف العربي لأنظمة الاستبداد والثورات المضادة ضد المعارضين للقمع والاستبداد وعلي راسهم الإخوان المسلمون.

فقد زعمت المذيعة المؤريدة للانقلاب عزة مصطفى على قناة صدي البلد إن: "الإرهاب والإخوان وجهان لعملة واحدة"، وهاجمت بعنف جماعة الإخوان، كما هاجم أحمد موسي ونشات الديهي وعمرو أديب وغيرهم جماعة الإخوان وهم يتحدثون عن هذا المنتدي ما يؤكد النية الحقيقة من وراء عقده. 

وتحاول هذه الأنظمة الاستبدادية العربية أن تصنف جماعة الاخوان (جماعة إرهابية) في دولها وفي دول غربية، ولكن أمريكا وأوروبا رفضت ذلك لتفهمها أن الاخوان تسعى للإصلاح وتتبني النهج السلمي والمنهج الوسطي ولا تطالب سوى بالديمقراطية والحرية.

التحالف ضد تركيا وقطر

وقد نشر موقع "عربي بوست" تقرير حول المستهدف من وراء عقد المنتدى الاستخباري العربي ومن هم الأعداء المحتملون أكد فيه أن المستهدف هو تركيا وقطر بشكل أساسي باعتبار أنهما من تدعمان الربيع العربي أو "الفوضى" كما تسميها الأنظمة العربية.

وأشار تقرير "عربي بوست" إلى أنه برغم أن (إسرائيل) كانت تُصنف عربيا "عدوا" و"خطرا خارجيا"، فقد كان مستغربا أن المنتدى الاستخباري لم يتطرق أو يشير صراحة أو ضمنا إلى اسم "إسرائيل".

وهو ما حدث أيضا بالنسبة لإيران وإثيوبيا برغم أنه كان في مقدور السيسي حشد المخابرات العربية معه ضد سد النهضة الإثيوبي باعتباره خطرا علي الأمن القومي المصري، ولكن لأن المنتدى مخصص لحماية مقاعد الحكم للقادة المستبدين لا أمن الشعوب ولأن "إسرائيل" صديقة للسيسي فقد غاب الحديث عن "إسرائيل" أو إثيوبيا كخطر يهدد أمن مصر!

المنتدى الاستخباري ليس سوي استعداد آخر من جانب السيسي وأنظمة الثورة المضادة خصوصا الإمارات لمواجهة الربيع العربي عبر تبادل المعلومات واعتقال النشطاء العرب وقمع أي دعوات للحرية والديمقراطية، والتصدي بعنف علي طريقة بشار الأسد لأي دعوات قادمة للحرية ما يهدد مصر بالفعل بالدخول في دوامة الفوضى التي يريدها النظام.

وقد أكد أستاذ العلوم السياسية د. حسن نافعة، في حوار مع موقع "عربي 21"، إن المجلس العسكري أعاد مصر إلى وضع أسوأ مما كان قبل اندلاع ثورة يناير، و"أتوقع حدوث هبات غضب أو ثورات جياع لا أحد يعلم متى تبدأ ولا كيف ستنتهي".

وقال: "الثورات الكبرى لا تفشل ولكنها قد تنتكس أو تتعثر في طريقها و25 يناير ثورة كبرى لم تحقق كل أهدافها بعد، وأهداف الثورة ستظل حلما يراود المصريين إلى أن تتحقق لكن ذلك سيستغرق وقتا وسيمر بمنعطفات كثيرة".

Facebook Comments