أخيرا نجحت العملية الجراحية في إنقاذ مجرى قناة السويس من الجلطة التي أصيبت بها وتسببت في تعطل المجرى الملاحي لأسبوع كامل، أدى إلى خلل كبير في جدول توريدات التجارة العالمية؛ لكن اللافت في الأمر أن النظام العسكري صنع من الحدث بروباجندا وزفة إعلامية ضخمة تصف النجاح في تعويم السفينة "إيفر جيفين" بالإنجاز الضخم وتنسبه للسفاح عبدالفتاح السيسي، كبير عصابة الانقلاب العسكري.
يعود الفضل في تعويم السفينة الشاحطة إلى المهندسين والعمال المصريين المدنيين أولا ثم إلى الشركة الهولندية التي ساهمت في نجاح عملية التعويم؛ لكن الآلة الإعلامية للنظام العسكري تتجاهل دور كل هؤلاء وهو دور البطولة من أجل تضخم دور زعيم عصابة الانقلاب الذي يعمل على توظيف الحدث من أجل ترميم شعبته المتآكلة بفعل سياساته الفاشلة في كافة قطاعات الدولة.
وذكر المحامي الحقوقي خالد علي أن المهندس السيد كراوية، أحد مهندسي القاطرات السبعة التي تولت عملية تعويم السفينة، هو ابن القيادي العمالي الراحل عبد المنعم كراوية، قائد عمال هيئة القناة منذ السبعينيات، والذي تم نقله من بورسعيد إلى السويس بسبب دفاعه عن زملائه، "فكان إبعاده عن مدينته المفضلة وعن موطنه وأهله، لكنه خلق من السويس وأهلها موطنا له ولأبنائه ولم يفارقها حتى رحيله".
ووفقا للكاتب الصحفي وائل قنديل فليس هناك مصري واحد يرفض أو يستكثر على مصر أن تكون عملية تعويم السفينة وإعادة فتح القناة قد تمت بالخبرة المصرية والأيدي المصرية والمعدّات المصرية، بنسبة مائة في المائة، كما أنه لا يشين مصر أبدًا، ولا ينتقص من قدرها ولا قدرتها، أن تكون جهود دولية معتبرة قد أسهمت في حل المشكلة واستئناف العمل بالقناة، التي هي مصرية المكان، لكنها عالمية الدور والوظيفة، وبالتالي حين يلحق بها عارضٌ لابد أن يهرع الكون كله للإنقاذ، لأسباب نفعية وبراغماتية بحتة.
والأمر كذلك، لم يكن يقلل من حجم مصر أبدًا الاعتراف بإسهام الشركة الهولندية المتخصصة في الإنقاذ، بعناصرها البشرية التي أشرفت على تنفيذ العملية، ومعدّاتها الضخمة التي طلبت مصر رسميًا الاستعانة بها للغوث، وهي معدّات تفوق مثيلاتها المصرية في القوة والكفاءة، بل إن إظهار الجهد وتوجيه الشكر لمن قدموه هو الذي يضيف لمصر، ويبرز لها وجهًا حضاريًا، ويعبر عن إدراك العالم لحجم تأثيرها بقناتها على البشرية كلها.
ويرى قنديل أن الفرح بتعويم السفينة الشاحطة جاء مبتذلًا وزائفًا، إذ تحوّل من بهجة بعودة الروح للقناة إلى زفّة مفرطة في الإسفاف احتفالًا بالجنرال ذي الرأس المسكون بهلاوس العظمة وأوهام التفوق والنبوغ والحكمة المقطرة. لم يفلت الجنرال الشاحط في بحيرة طغيانه وتخبّطه وانكشافه الفرصة لكي يستثمر في المناسبة بكل السبل والوسائل، فكان الانشغال بالمعالجة الدرامية سابقًا على الاهتمام بحل الأزمة، إدراكًا من المستثمر بأن العالم لن يترك القناة مغلقة وحتمًا سيجد حلًا .. المهم هنا كيف تصنع حفلًا صاخبًا لزفة الشاحطة على عريسها، على نحوٍ بدا وكأنه تكرار لزفّة تفريعة القناة، قبل ست سنوات، فكان أضخم كرنفالات الدجل والشعوذة السياسية، ليظهر الجنرال على المسرح في هيئته الخديوية، وهو يحتفل على ظهر يخت المحروسة، في حفل أسطوري يحاكي ما كان مع الخديوي سعيد، حين رهن مصر كلها للخارج، لكي ينعم مع أسرته بحياة البذخ والأبهة.
وبحسب قنديل "كان الكرنفال ساخنًا وهادرًا، بحيث لا يتوقف أحد ليستمع للتاريخ، وهو يحكي أن هذه هي المرة الأولى التي تتعطّل فيها القناة لأسبابٍ تتعلق بكفاءة الأداء والتشغيل، ذلك أن كل الإغلاقات السابقة كانت نتيجة حروب عسكرية أو اضطرابات سياسية على ضفتيها، أو يسأل كيف وصلت القناة إلى هذه الحالة التي لا تستطيع معها استيعاب سفينةٍ بهذا الحجم، وإذا كان حجمها أكبر من قدرة القناة فكيف، ولماذا، تم السماح لها بالمرور أصلًا ؟".

ولا شك أن الزفة الإعلامية الضخمة في فضائيات وصحف السلطة مقصودة في حد ذاتها بهدف التغطية على جوانب الفشل في ما يتعلق بكارثة تصادم قطاري سوهاج يوم الجمعة الماضي والذي أدى إلى وفاة 32 وإصابة نحو 165 آخرين. كما تستهدف التغطية على سقوط العمارات ودفن المصريين تحت أنقاضها وكذلك الحرائق التي اندلعت خلال هذا الأسبوع في عدد من المؤسسات.
المقصود إذا هو الردم على كل الملفات والقضايا فلا صوت يعلو على صوت الكراكات، فيتلاشى النحيب على ضحايا القطارات المتصادمة والعمارات المنهارة، ويصبح نشر أخبار من نوعية تجديد حبس الصحافيين خالد داود، وأحمد شاكر، وحسام الصياد، والمحامي الحقوقي عمرو إمام، ونائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي عبد الناصر إسماعيل 45 يوماً احتياطياً نوعًا من تكدير السلم العام، وإفساد فرحة الوطن بانتصار التعويم. كما يمر خبر إيقاف أستاذ في كلية الإعلام عن العمل بتهمة تحليل مضمون إعلام الزفة، من دون أن يتوقف أحد عنده .. وتتوالى الأيام والأسابيع على إخفاء مستثمرين وطنيين، مثل صفوان ثابت وابنه، قسريًا، بعد السطو على مؤسساتهم وأموالهم، من دون أن يرفع أحد صوتًا، ويستقبل الناس قصص التنكيل بالبشر والتعذيب في السجون وكأنها أغنيات في حب الوطن.
ذلك كله لا يهم، فالأهم أن تتحوّل المناسبة إلى استفتاءٍ على شخص السيسي، ومفرزة للوطنية: كل من لا يقر ويؤمن بعبقرية القائد الزعيم الملهم هو كافر بالوطن، وكل من يذكر أو يشير إلى دور شركة الإنقاذ الهولندية في تعويم السفينة خائن وشامت وعدو وحاقد. فذلك كله يصبح نوعًا من الخيانة للوطن والتشكيك في انتصاراته، وإفساد أفراحه.

Facebook Comments