فاجأني صاحبي بالقول إن من أهم إيجابيات الموكب الفرعوني الرائع في شوارع القاهرة قبل أيام أنه أعاد الهوية المصرية من جديد إلى بلادنا وقام بتأكيدها! اعتبرت كلامه يدخل في دنيا العجائب وسألته: وهل كانت هوية مصرنا مطموسة حتى يعاد بعثها من جديد؟
شرح وجهة نظره قائلا: من أهم إيجابيات ثورة 1919 التأكيد على الهوية المصرية ورفع شعار الهلال مع الصليب بعد انفصالها عن الدولة العثمانية وسقوط الخلافة! وبعد ثورة 1952 بدأت تلك الهوية تتراجع لصالح القومية العربية، وفي عام 1958 ارتكب الرئيس ناصر رحمه الله خطأ فادحا في حق بلادنا، فألغى اسم مصر نهائيا من قاموس اللغة، وأسمى بلادنا الجمهورية العربية المتحدة، وهو اسم بايخ وسخيف! لكن لم يستطع أحد الاعتراض بسبب القبضة الحديدية وحكم الاستبداد الذي كان يحكم به البلاد والعباد.
واضاف صاحبي قائلا: ومن أهم إيجابيات الرئيس الراحل أنور السادات رحمه الله أنه أعاد اسم مصر من جديد بعد استقرار حكمه في سبتمبر 1971 وتحت رايتها خاضت بلادنا حرب أكتوبر المجيدة، لكن النغمة الدينية الإسلامية اشتدت في عهده حتى أنها أصبحت تهدد الهوية المصرية مرة أخرى واستمرت بعده! وفي العهد الحالي تأكدت من جديد، وجاء الموكب الفرعوني ذروة التأكيد لها.
وبعدما انتهى من كلامه قلت له في هدوء: كلامك مرفوض يا صاحبي أنت تنحاز لفترة مجيدة من تاريخ بلادنا على حساب الفترات الأخرى، وهذا خطأ شنيع! تاريخ مصر العظيم سلسلة متواصلة من الحلقات لا يفصلها أحدها عن الآخر، وهي تشكل في النهاية مصر الحلوة التي نعرفها!
وشرحت له ما أعنيه قائلا: تجد أولا تاريخ أجدادنا الفراعنة الذين نفتخر بهم! ثم هناك فترة سقطت من تاريخنا وهي فترة أبناء مصر الذين اعتنقوا المسيحية وقدموا العديد من الشهداء دفاعا عنها في وجه الحكم الوثني الذي كانت تمثله الإمبراطورية الرومانية التي جثمت طويلا على أرض بلادنا.
وفي تاريخ مصر المجيد تجد بلادنا قلعة العروبة والإسلام، وعلى فكرة الدين الإسلامي بوجهه السمح كان للمصريين دورا ضخما في تشكيله، ومصر كذلك هي التي تصدت لغزو التتار بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وهو غزو همجي كاد أن يكتسح العالم لولا أنه تحطم على صخرة مصر وبعده جاء الغزو الصليبي، الذي تصدى له كل المصريين على اختلاف انتماءاتهم. ويلاحظ يا صديقي أن الاستعمار الفرنسي نجح في التأثير على هوية المغرب العربي وعلى لبنان أيضا فالعديد من سكانها تأثروا بفرنسا جدا، وكذلك الاستعمار الإنجليزي الذي نجح هو الآخر بثقافته بالتوغل في العديد من الدول، لكن مصر بقيت مستعصية على كل مستعمر وحافظت على هويتها الأصلية.
وأخيرا فلا تناقض أبدا بين الهوية المصرية والقومية العربية وسعي مصر لأشقائها العرب؛ فهي جديرة بأن تقودهم! ومن المضحكات المبكيات أن الوحدة العربية والأوروبية بدأت في عام واحد سنة 1958 بوحدة مصر وسوريا وتوقيع اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة.. الأولى فشلت فشلا ذريعا ولم يستطع العرب أبدا توحيد صفوفهم بل ضربت الحرب الأهلية بعض دولهم، والثانية نجحت نجاحا باهرا، فالاتحاد الأوروبي قوة يحسب لها في عالمنا المعاصر مليون حساب، وكل دولة من هذه الدول لها هويتها الخاصة بها التي تتكامل مع الوحدة الأوروبية، فلا تناقض بينهم، وياريت نحذوا حذوهم.

Facebook Comments