أثار فشل مفاوضات كينشاسا عاصمة الكونغو حول أزمة سد النهضة حالة من التخبط والارتباك بين أركان نظام الانقلاب الدموى بقيادة عبدالفتاح السيسي؛ حيث كان الانقلاب يتوقع أن تعلن إثيوبيا موافقتها على توقيع اتفاق ملزم لإدارة وتشغيل السد بإشراف دولتى المصب مصر والسودان، لكن جاء الرفض الإثيوبى لتوقيع مثل هذا الاتفاق مزلزلا لـ"السيسي" وشلة العسكر؛ لأن الشعب المصرى الآن يطالب بعمل عسكرى لحسم هذه الأزمة والحفاظ على الحقوق التاريخية لمصر فى نهر النيل، وهو ما لا يريده السيسي الذى وقع ما يعرف باتفاق المبادى عام 2015 مع رئيس الوزراء الإثيوبي السابق ميريام ديسالين والرئيس السودانى السابق عمر البشير، وهذا الاتفاق كان بمثابة اعتراف بقانونية وشرعية إنشاء سد النهضة وهو ما سمح بحصول أديس أبابا على تمويل دولى لبناء السد.
وإذا كان السودان قد أعلن أن كل الخيارات مفتوحة فى مواجهة هذه الأزمة فإن السيسي كان رد فعله مجرد تصريحات تافهة لمجرد "شو إعلامى" زعم فيها أن «مصر لن تقبل أن تمس نقطة مياه واحدة، لأن الخيارات كلها مفتوحة، لكن تعاوننا أفضل كتير من إننا نختلف، ونتحرك أكثر وأشقاؤنا في الدول العربية والأفريقية يرون ذلك». وقال السيسي إن العالم يعلم عدالة قضيتنا في إطار القانون الدولي والأعراف الدولية ذات الصلة لحركة المياه عبر الأنهار الدولية وفق تعبيره .
فى المقابل، زعمت إثيوبيا أنه لا يمكن لأديس أبابا الموافقة على أي اتفاق بشأن سد النهضة يحرم إثيوبيا من حقوقها المشروعة في استغلال مياه نهر النيل. وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية في بيان صحفي، إن أديس أبابا أعلنت عزمها المضي في الملء الثاني لسد النهضة في يوليو المقبل، متهمة مصر والسودان بتقويض المفاوضات. وأشارت الخارجية الإثيوبية إلى أنها تتوقع استئناف المباحثات الثلاثية حول سد النهضة خلال الأسبوع الثالث من أبريل الجاري بناءً على دعوة رئيس الاتحاد الأفريقي. وأكدت على موقف أديس أبابا الداعم لعملية تفاوضية ثلاثية بشأن سد النهضة برعاية الاتحاد الأفريقي تحفظ مصالح إثيوبيا ومصر والسودان وفق تعبيرها.

طريق مسدود
حول هذه التطورات وما غذا كانت قد تشعل حربا فى المنطقة، أكد البروفيسور أشوك سوين، رئيس منظمة اليونسكو للتعاون الدولي في مجال المياه، أن المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة وصلت إلى طريق مسدود بعد فشل الاتحاد الإفريقي في إقناع الأطراف بالتوصل إلى حل وسط بشأن بعض القضايا الرئيسية المتعلقة بالثقة.
وقال سوين، في تصريحات صحفية، إن القانون الدولي غامض للغاية بشأن قضية سد النهضة، كما لا توجد اتفاقية سارية المفعول تعتبر إثيوبيا طرفًا فيها، لذلك لا يمكن إجبارها على الامتثال.وأضاف: لا يمكن استبعاد اتجاه أديس أبابا للملء الثاني بشكل أحادي، لكن قطعا دول المصب والمجتمع الدولي لن يصمتوا حيال الخطوة.
وشدد سوين على أن تغير المناخ العالمي يمكن أن يخلق مخاطر عالية للفيضانات والجفاف، ويزيد من تغير مجرى النهر، ويغير أنماط سحب المياه الزراعية، ويؤدي إلى تسرب مياه البحر إلى نظام المياه العذبة، وأن كل هذا من شأنه أن يؤدي إلى صراعات جديدة بين دول الحوض وخلق صعوبات لاتفاقيات تقاسم المياه الحالية بشأن أنظمة الأنهار العابرة للحدود.
وأرجع فشل المفاوضات إلى غياب الإرادة السياسية الراغبة في التوصل إلى إتفاق، موضحا أن سد النهضة في الأساس هو سد لتوليد الطاقة الكهرومائية، ما يعني أن الكسب فيه لا يعني خسارة الآخر، وأعتقد أن هناك شبه اتفاق على التفاصيل الفنية في كيفية ملء السد. وطالب سوين القيادات السياسية أن تقرر ما إذا كانت تريد الحصول على تسوية تفاوضية أم استغلال قضية السد كقضية قومية لتحقيق مكاسب سياسية محلية، مشيرا إلى أن وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، وفشل الاتحاد الأفريقي في إقناع الأطراف بالتوصل إلى حل وسط يفرض أن تتغير عملية التفاوض بحيث يتم تعزيزها لدفع المسار إلى الأمام.
وكشف أن اتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لا تقدم إجابة واضحة، حيث تنص المادة الخامسة على الاستخدام العادل والمعقول للمياه، وهو ما يدعم موقف إثيوبيا، والمادة 7 في نفس الوقت تُلزم الأطراف، بعدم التسبب في ضرر بالغ للدول الأخرى، لكن لم توقع أى من دول الحوض على هذه الاتفاقية.

إجراء قوي
وأكد الدكتور مختار غباشي، أستاذ العلوم السياسية، أن المفاوضات لن تجدي مع الجانب الإثيوبي مطلقًا، مشددًا على أن دولتي المصب مصر والسودان لم يعد أمامها شوى اتخاذ إجراء قوي يحفظ حقوقهما التاريخية في مياه النيل. وقال غباشي في تصريحات صحفية، إن مصر والسودان قدما تسهيلات للجانب الإثيوبي ومضوا في طريق المفاوضات لسنوات طويلة، لكن الجانب الإثيوبي واصل تعنته ولا يعترف بحقوقهما التاريخية.
وأشار إلى أن الإجراء المطلوب اتخاذه من مصر والسودان ليس سياسيًا ولا تفاوضيًا لأن ذلك سيكون مضيعة للوقت، كذلك اللجوء لمجلس الأمن والمجتمع الدولي سيكون مضيعة للوقت، مؤكدا أن قصة المفاوضات مع الجانب الإثيوبي انتهت، كما أن الدبلوماسية واللجوء إلى أطراف دولية وإقليمية لم يعد مجديا. وكشف غباشي أن إسرائيل أنشأت ما يسمى ببنك الكهرباء، وهو خاص بمبيعات الكهرباء الناتجة من سد النهضة، مؤكدا أن إسرائيل لها تواجد كبير داخل إثيوبيا ويمكنها الاستفادة عبر الاستثمار في سد النهضة.

اللجوء لمجلس الأمن
وتوقع الدكتور حسام المغازي، وزير الموارد المائية والري السابق، أن يتوجه نظام الانقلاب إلى مجلس الأمن، بعد فشل مفاوضات سد النهضة التي انتهت دون حدوث أي تقدم. وقال المغازى في تصريحات صحفية: «من واقع خبرتي خلال فترة توليتي الوزارة ومشاركتي في المفاوضات مع إثيوبيا، فإن أديس أبابا تريد كسب وقت ليس أكثر ولن تفعل شيئا مما يطلب منها».
وقال محمد حامد، مدير منتدى شرق المتوسط للدراسات، إن هناك ٣ سيناريوهات أمام مصر بشأن أزمة سد النهضة: الأول، هو اللجوء لمجلس الأمن. والثاني هو اتفاقية المبادئ بين مصر والسودان وإثيوبيا. والثالث، هو التنسيق العسكري بين مصر والسودان كحل أخير ورادع للتعنت الإثيوبي بشأن سد النهضة. وحذر من أن الملء الثاني يعتبر تهديدا للآمن القومي المصري، مطالبا بضرورة الحفاظ على حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل بشتى الطرق.

Facebook Comments