"عما قريب سيتجمع الشرفاء من الإخوان والإسلاميين مع الشرفاء من جبهة الإنقاذ وغيرها في السجون والمعتقلات؛ حينها سيتسنى لهم مناقشة خلافاتهم جيدا".. بتلك الكلمات الواثقة تنبأ الراحل محمد يسري سلامة بمآلات الأمور في أوج حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي، وهي التحذيرات التي كان ينظر إليها المتابعون للأمور باعتبارها ضربا من الخيال، غير أنه في الذكرى الثامنة من وفاته أصبحت نبوءته واقعا.
إنه الدكتور محمد يسري سلامة، طبيب الأسنان، السلفي، الليبرالي، الذي صدم خبر رحيله كل من تلقى هذا النبأ، باختلاف انتماءاتهم ليرحل فارس آخر على الساحة السياسية كان يحظى باحترام الجميع، ثائر سبح كثيرا ضد التيار، ولم يأبه بتصنيفات وضعته في هذه الخانة أو تلك، أو يعبأ بانتقاد، ولم يتراجع أمام تشكيك في نوايا وانتماء.
وبعد ثمانية أعوام من وفاة "سلامة" تبدو الأخطاء واضحة ومحددة الإطار أمام ثوار 25 يناير، سقطت فيها كل الأطراف عمدا أو لحداثة التجربة أو لنقاء السريرة، جعلت البعض يجتث أمل التغيير من صدره، وهناك آخرون فضّلوا العيش في حالة إنكار الخطيئة بل وذهبت فئة إلى إعاة تقييم الثورة نفسها وتحجيمها داخل دائرة الانتفاضة، وأمام ذلك هناك من اعترف بالسقطات ويتحين الفرصة لإعادة البناء.

سلفيو كوستا
38 عاما، هي كل ما قضاه في هذه الدنيا، ولكن حياته الحافلة، التي شهدت العديد من الأحداث والانقلابات الفكرية، ربما فاقت أعمار من عاشوا أضعاف عمره، واليوم، تحل الذكرى السنوية الثامنة لوفاته، لتعيد إلى الأذهان وجهه الباسم، ومواقفه المتزنة، وسماحة الإسلام التي تجلت في مواقفه.
ولد محمد يسرى سلامة، في الأول من أكتوبر من العام 1974 بالإسكندرية، لأبوين كانا يعدا نجمين في الوسط السكندري، فأبوه الدكتور يسري سلامة، الأستاذ بكلية الآداب، ووالدته الشاعرة السكندرية عزيزة عبد كاطو.
التحق سلامة بكلية طب الأسنان بالمدينة، وتخرج منها بتفوق، إلا أنه حاد عن الطريق المرسوم له بالعمل كطبيب نابغ كما تنبأ له أساتذته، وسافر إلى العراق للجهاد ضد المحتل الأمريكي، ما أفقده إصبعا من يده اليسرى، ربما "سبقه للجنة" مثلما قال متابعوه على شبكات التواصل الاجتماعي.
عاد الشاب السلفي إلى مصر، وهو محروم، بسبب إصابة يده، من مزاولة المهنة التي أراد ممارستها، ولكن ذلك لم يفت في عضده؛ فغير مجال عمله، واهتم بالتراث العربي والإسلامي، وحرر مخطوطات عربية، وألف العديد من الكتب أبرزها "معجم ما طبع من مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ومعه مقدمة في التاريخ لنشر تراث شيخ الإسلام" ، والذي لاقى استحسان كل من تعمق فى الدراسة عن شيخ الإسلام الجليل.
كان "سلامة" أحد مؤسسي مجموعة "سلفيو كوستا" الشهيرة بالإسكندرية، وعرف وقتها بخفة الظل والتلميحات المضحكة، وسماحة طبعه، التي انعكست على أداء المجموعة، حتى أنه، وبحسب ما نقله رفاقه، قاد مجموعته للعب مباراة كرة قدم مع فريق من أصدقائهم المسيحيين، تم بعدها تبادل القمصان، في إشارة واضحة من المجموعة التي قادها سلامة، لمفهوم الإسلام الصحيح.

صدمته في حزب النور
تردد سلامة كثيرا في قرار المشاركة بثورة 25 يناير، وهو ما دونه قائلا: "رضيعا، لم يكن طفلي الثاني قد ولد بعد، ولديك وظيفة ستشقى كثيرا لتجد غيرها في الظروف الحالية، ولديك أم تعيش وحيدة بعد أن هاجرت ابنتها، ولم يبق غيرك لتعتني بها.. فماذا لو قٌتلت أو جُرحت أو اعتقلت وسجنت لفترة طالت أو قصرت، ما الذي سيحدث لكل هؤلاء؟ ماذا ستفعل أنت وماذا سيكون مصيرهم هم؟ إنهم يتحدثون عن ثورة حقيقية لا تنتهي إلا بزوال أحد الطرفين، والأرجح أن الزائل سيكون طرفك أنت، وماذا تكون أنت ومن معك أمام هذه القوة الباطشة الغاشمة، وتلك الدولة الراسخة المهيمنة"؟
ولكن روحه الوطنية نصرته على هواجسه، ليشارك في الثورة، ويصبح من السلفيين القلائل الذين شاركوا في الثورة منذ يومها الأول، متحديا كل الفتاوى الأمنجية التي دعت لعدم الخروج عن الديكتاتور العسكري المخلوع الراحل مبارك.
انضم سلامة لحزب النور، قبل ان يكتشف أنه الذراع الأمنجية لسلفية العسكر، وسرعان ما لفت الأنظار وشق طريقه داخل الحزب، ليتم تعيينه كمتحدث رسمي باسمه، إلى أن استقال في أغسطس 2011، بعدما اكتشف خيانة قيادات الحزب، وأصبح عضوا مؤسسا لحزب الدستور، ما أناله الكثير من الانتقادات اللاذعة من شيوخ السلفيين.
سلامة، الذى ابتهج كثيرا بخسارة شفيق الانتخابات الرئاسية، لم يأبه بكل العثرات، وظل مواصلا طريقه "من دماغه" على حد قول المقربين منه، فمثل بسماحته ورده على الانتقادات بالإحسان، حالة فريدة داخل الحقل السياسي المصري، فهو السياسي الوحيد الذي حاز على احترام جميع التيارات، ولعل ذلك اتضح عند رحيله عن الحياة، إثر ميكروب معوي حاد ألم به في أسابيع عمره الأخيرة، ليكون سببا في وفاته الصادمة، التي أكد من حوله أنه كان يشعر بدنوها، وكتب بالفعل قبلها بأيام قليلة "لن تسجوا جسدي.. على فراش الموت بالمجان، سآخذ بعض ما أشتهيه، وسآخذه الآن".
وبعد ثمانية أعوام من وفاة "سلامة" أصبح الاعتراف بالخطأ من أطراف ثورة 25 يناير يحتاج شجاعة أدبية، لكن جميع الأطراف تتهم بعضها وتلقي بلائمة الفشل على الآخرين، وفق تقييم العضو ببرلمان 2012 عز الدين الكومي، لمشهد الثورة بعد 10 سنوات من اندلاعها.
وأوضح "الكومي" أن الخطأ الجسيم الذي ارتكبه الثوار هو ترك الميادين، مضيفا أن الخطيئة الكبرى التي تسببت في كل الخبائث اللاحقة تمثلت في الموافقة على تكليف الجيش بإدارة شؤون البلاد بدلا من سلطة مؤقتة حتى تتم صياغة دستور وإقامة انتخابات نيابية ورئاسية.
وبالتوازي مع هذه الخطيئة سمحت قوى الثورة لأجهزة المخابرات بعمل اختراقات في صفوفها، مما ترتب عليه انشغالها بداخلها وترك المجلس العسكري يدير الأمور لصالحه، وفق قول الكومي.
وأضاف أن القوى الثورية في ذلك التوقيت لم تكن حددت بوصلتها بدقة سواء اتخاذ مسار ثوري للنهاية من أجل تطهير الأجهزة الفاسدة، أو مسار ديمقراطي.
والأخطاء استمرت بعد الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس الشهيد مرسي، حيث يقول البرلماني السابق إن القوى الثورية وضعت العراقيل أمام الرئيس المنتخب مثل احتشادها بميدان التحرير للمطالبة بمجلس رئاسي، ورفض المشاركة في إدارة الدولة. 

Facebook Comments